مقالات قرآنية - متشابه القرآن الكريم - أبو بكر يوسف المشرف

مقالات قرآنية

متشابه القرآن الكريم

أبو بكر يوسف المشرف

إن من أصعب ما يواجه حافظ القرآن الكريم تشابه بعض آياته عليه، فربما ترد القصة الواحدة في صور شتىٰ، وفواصل مختلفة، ويكثر في إيراد القصص والأنباء.

وحكمته: التصرف في الكلام وإتيانه علىٰ ضروب، ليعلم اللهُ الخلقَ عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكررًا.

كذلك فإن من فوائد الوقوف علىٰ المتشابه اللفظي للقرآن الكريم: إتقان حفظه؛ لأن القرآن الكريم منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، كما أخبر المولىٰ ﷻ عن القرآن الكريم فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7]، قال الإمام الطبري -رحمه الله-: (المتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم، عند التكرير في السور، بقصه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني)، فطريقة مراجعة المتشابه لوحده وعمل مقارنة بين تلك الآيات يوفر كثير من الوقت، ويثبت الحفظ.

وأذكر عندما كنا في الخلوة مبتدئين في حفظ القرآن الكريم، تتشابه علينا بعض الآيات، ويصعب أحيانًا التفريق بينها، فما إن تقرأ في سورة إلا وتجد نفسك قد انتقلت إلىٰ سورة أخرىٰ دون أن تشعر! فكنت أسأل بعض المشايخ الفضلاء، فيذكرون بعض الأبيات التي تيسر علىٰ الحافظ التفريق بين متشابه القرآن الكريم، وبعد زمان أدركت أن هذه الأبيات من منظومة نظمت علىٰ اللهجة السودانية تسمىٰ [منظومة الدنفاسي]. وإليك بعض الأمثلة من تلك المنظومة:

§ المثال الأول:

● قوله: (و ”ابنَ السبيل“ بفتح النون، ثلاثة في القرآن الكريم:

وابنَ السبيل قد أتىٰ يا قوم ×× في البكر والإسراء وحرف الروم)

ويقصد بالمواضع الثلاث:

• (الموضع الأول): ما ورد في [سورة البقرة: 177]: ﴿ ليْسَ الْبِرَّ ﴾ ... إلىٰ قوله: ﴿ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَىٰ الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.

• (الموضع الثاني): في [سورة الإسراء: 26] أشار إلىٰ قوله تعالىٰ: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾.

• (الموضع الثالث): في [سورة الروم: 38] أشار إلىٰ قوله تعالىٰ: ﴿ فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾.

• أما بقية المواضع فقد جاءت بالكسر.

§ المثال الثاني:

● كلمة ”أعينَهم“ بنصب النون، قد جاء في القرآن الكريم في موضعين، وأشار إليهما بقوله:

أعينَهم بالنصب لا مزيدة ×× في المائدة واقترب البعيدة

• (الموضع الأول): في [سورة المائدة: 83]، ويقصد بذلك قوله تعالىٰ: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَىٰ الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾.

• (الموضع الثاني): وأشار إلىٰ ما في [سورة القمر: 37] قوله تعالىٰ: ﴿ لَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾.

• أما بقية المواضع فإن أعينهم إما بضم النون: (أعينُهم)، أو كسرها: (أعينِهم).

 

وقد ذكر العلماء أنّ المتشابه في القرآن الكريم قد جاء باعتبارات مختلفة منها:

§ باعتبار الأفراد:

 ومنه قول صاحب [منظومة الدنفاسي]:

به لغير الله في القرآن ×× فرد أتىٰ في سورة الأعوان

وأشار إلىٰ قوله تعالىٰ في [سورة البقرة: 173] ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

أما بقية القرآن الكريم فقد جاءت (لغير الله به) كما في [سورة المائدة: 3]، و [سورة الأنعام: 145]، و [سورة النحل: 115].

§ باعتبار التعريف والتنكير:

 وذلك نحو كلمة ”الحق“ فقد جاءت معرفة في [سورة البقرة: 61]: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾.

أما في [آل عمران: 21] فقد جاءت بالتنكير، وذلك في قوله تعالىٰ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾.

§ باعتبار التقديم والتأخير:

حيث قُدِّم (اللهو) علىٰ (اللعب) في [سورة الأعراف: 51]، قال تعالىٰ: ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾، وفي [سورة العنكبوت: 64]، قال تعالىٰ: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾.

قال صاحب [منظومة الدنفاسي]:

اللهو قبل اللعب لا تفوت ×× في سورة الأعراف ثم العنكبوت

 قال بعض المحققين: (إنه قد قُدِّم اللعب في الأكثر لأنّ اللعب زمن الصبا واللهو زمن الشباب، وزمان الصبا متقدم علىٰ زمان اللهو، وقُدّم اللهو في [سورة الأعراف] لأنّ ذلك يوم القيامة، فذكر علىٰ ترتيب ما انقضىٰ، وبدأ بما به الإنسان انتهىٰ علىٰ الحالين، وأما في [سورة العنكبوت] فالمراد بذكرهما زمن الدنيا، وأنه سريع الانقضاء قليل البقاء).

§ باعتبار إبدال حرف بحرف غيره:

جاء في [سورة البقرة: 58]، قوله تعالىٰ: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾، أما في [سورة الأعراف: 161] بالواو ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾.

§ باعتبار إبدال كلمة بأخرىٰ:

ومما جاء في التنزيل بإبدال كلمة بأخرىٰ في [سورة البقرة: 60]: ﴿ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾، وفي [سورة الأعراف: 160]: ﴿ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾.

(الانفجار) و (الانبجاس) كلاهما انشقاق في الحجر الذي أمر الله موسىٰ -عليه السلام- أن يضربه بعصاه، فعبر في [سورة الأعراف] بالانبجاس ”فانبجست“ أي: فانشقت وظهرت ونبعت، وذلك كافٍ في تعنيف بني اسرائيل وذمهم علىٰ كفرهم بعد المن به، وهذا السياق الذي هو لبيان إسراعهم في المروق هو لا ينافي أن يكون علىٰ وجه الانفجار، أما في [سورة البقرة] فقد ورد السياق ”فانفجرت“ ومناسبة ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق لاجتماعهما في الخروج عن محيط، هذا خروج يُحيي وذاك خروج يميت. ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه علىٰ انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة.

§ باعتبار الإدغام وتركه:

ومنه قوله تعالىٰ في [سورة النساء: 115]: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾، كذلك وردت في [سورة الأنفال: 13]: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. أما في [سورة الحشر: 4] فقد جاءت بالإدغام: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾.

والحمد لله رب العالمين

المصدر: مركز تفسير للدراسات القرآنية



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل