من روائع القرآن الكريم - (‏بما تعملون بصير) ( ‏والله بما تعملون خبير) - د. صالح بن عبد الله التركي

من لطائف القرآن الكريم (١٢١) 

(‏بما تعملون بصير) ( ‏والله بما تعملون خبير)

د. صالح بن عبدالله التركي

تفريغ الأخ الفاضل سليمان الغليقة جزاه الله خيرا

 

‏يقول الله جل شأنه في غير ما آية من كتابه : (‏والله بما تعملون بصير) ‏في حين يقول الله عزوجل نظيرةٌ له : (‏والله بما تعملون خبير) ‏هذه من الفواصل القرآنية التي تتردد كثيرا في كتاب الله عزوجل والتي يتسائل عنها القارئ للقرآن الكريم ‏عن سبب سِرِّ هذا الاختلاف بين هاتين الفاصلتين.

فمتى يختم القرآن الكريم ‏بقوله: ( والله بما تعملون بصير) وبقوله:  ( ‏والله بما تعملون خبير) ‏؟

‏بداية؛ البصير: هو العالم بظواهر الأمور وعلانيتها.

‏وأما الخبير: فهو العالم ببواطن الأمور وأسرارها.

‏والبصير والخبير من أبنية المبالغة على وزن فعيل، ‏كلتا الكلمتين ‏تدل على ثبوت الصفة لله تبارك وتعالى ثبوتاً قطعياً بما يليق بجلاله وعظمته.

- ‏وهذه الآيات ترددت في القرآن الكريم كثيرا، ‏فقوله تعالى: ( والله بما تعملون بصير ) ترددت في القرآن الكريم خمس عشرة مرة ‏باختلاف ‏صيغها.

- ‏وأما قوله: (والله بما تعملون خبير ) فقد ترددت في القرآن الكريم أربع عشرة مرة باختلاف صيغها.

- ‏فإذا كان السياق القرآني يتحدث عن أمورٍ مشاهدة مرئية مُبصرة ‏فإنه عندئذٍ يختم بقوله تعالى: (والله بما تعملون بصير) ‏كقوله تعالى في  البقرة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: ١١٠]، فختم بقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ‏للأمور المُشاهدة المرئية المُبصرة مثل إقامة الصلاة.

‏ويقول الله عزوجل: ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾[سبأ: ١١]، وختم بقوله : ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾[سبأ: ١١] أيضاً للأمور المشاهدة المرئية المُبصرة .

‏ويقول الله عزوجل في سورة الفتح : ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾[الفتح: ٢٤]، ‏فختم الله عزوجل الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤] ‏للسبب نفسه الذي ذُكر في الآيتين الآنفتين.

‏وأما قوله تعالى: ( والله بما تعملون خبير) ‏فيأتي هذا الختام ‏وتأتي هذه الفاصلة في الآيات ‏التي تتحدث:

·       عن أمور خفية غير ظاهرة.

·       وعن أمور قلبية.

·       وعن أسرار الأمور كقوله تعالى مثلا في النفقة: ﴿ إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[البقرة: ٢٧١] ‏فختم الله عزوجل بهذه الفاصلة في النفقة الغير مرئية والتي أسرَّها المُنفق لله عزوجل، وقد حثَّ عليها القرآن بقوله تعالى : ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾[البقرة: ٢٧١].

‏ويقول الله عزوجل نظيرةٌ لهذه الآية في الذين بخلوا بأموالهم؛ كما قال الله عزوجل في سورة آل عمران : ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[آل عمران: ١٨٠] ‏فختم الله عزوجل بقوله : ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾[آل عمران: ١٨٠] ‏للأمور القلبية وهو البُخل، فالآية تتحدث عن البُخل، والبُخل من الأمور القلبية فختم بهذه الآية مناسبةً للسياق.

- ‏وفي المشاكل الزوجية يقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾[النساء: ١٢٨]، ‏والشُّح هو البخل، ‏فختم بقوله تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾[النساء: ١٢٨].

‏إذن؛ ختاماً لهذه الفاصلة ‏ولهذه الوقفة: ‏يختم القرآن الكريم بقوله تعالى : (‏والله بما تعملون بصير) للأمور المُشاهدة المرئية، ‏ويختم بقوله تعالى: (والله بما تعملون خبير) للأمور القلبية السرية التي لا يعلمها إلا الله عزوجل.

‏وهذه الوقفة وهذه الآيات شاهدة على هذا الأمر وعلى هذا الخط العام في القرآن الكريم، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل