بلاغة آية وحديث - الحلقة 50 - (شيئا إمرا) (شيئا نُكرا) - سورة الكهف

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

 التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

الحلقة 50

        اخترت لكم في هذه الحلقة آيتين كريمتين بينهما ترابط وتناغم وتشابه، نأخذهما من سورة الكهف؛ وهما الآية الحادية والسبعون والآية الرابعة والسبعون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) [الكهف: 71] ، والآية الأخرى قوله تعالى:(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) [الكهف: 74] ، يتكلم العلماء رحمهم الله في الفرق بين (إمرا) و(نُكرا) بين الكلمتين اللتين ختمت بهما الآيتان الكريمتان. الآية الأولى بـ(إمرا)، يقول ابن التمجيد وهو أحد علماء التفسير رحمه الله تعالى: إذا كان هناك لفظان متقاربان فإن القرآن الكريم يختار أشدهما تلاؤمًا في السياق، وذلك بأن يؤثره على غيره من الألفاظ، ولذلك جاء لفظ (إمرا) في الآية التي فيها غرق السفينة بعد خرقها؛ لأن غرق السفينة أمر عظيم، لكن يمكن تداركه، يمكن رتقه، يمكن رقع هذا الخرق فيصلح بذلك المركب مرة أخرى، فتعبر السفينة بسلام وأمان واطمئنان، أما قتل النفس فهو أمر لا يُصلح، لا يمكن أن يُحْيا الميْت في في هذه الدنيا بعد أن يقتله القاتل، لا يستطيع القاتل أن يُحيي من قتل، ولذلك صار أمره (نُكرا)؛ لأنه كما يقول ابن التمجيد رحمه الله: لا سبيل لتداركه، وهذا أيضًا ما أشار إليه الزمخشري قبلُ في كشافه عند تفسيره هاتين الآيتين.

     أمّا ابن عطية رحمه الله فله تفسير جليل جميل في هاتين الآيتين؛ حيث قال: إن (إمرا) الواردة في خرق السفينة أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، إذا أردت أن تعبّر عن الأمر العظيم فقل: هذا أمرٌ إمْرٌ، أي عظيمٌ مهولٌ، وأما (النُكر) فإنه مع هوله فإنه يبين فساده لأن المكروه قد وقع، فالفرق حسب تفسير ابن عطية رحمه الله أن الأمر في (الإمْر) للأمر المهول المتوقع وقوعه، والأمر في (النُكر) للأمر المهول الذي قد وقع وحصل، فقتل النفس منكَر وقد حصل، وأما خرق السفينة فمتوقع أن يغرق من بها بسبب خرقها.

     وفي آية قتل النفس هنا سمّى الله تعالى قتل النفس الواحدة أمرًا (نكرا)، أمرًا عظيمًا مهولًا، فكيف بمن يرمي على فئام من الناس المئات والآلاف (البراميل المتفرجة) فيقتل الكبير، والصغير، والشيخ، والمرأة، والأطفال، يقتّلهم بهذه (البراميل) دونما رحمة ولا هوادة؟! الآية الكريمة سمّت قتل نفسٍ واحدة (شيئا نكرا)، فكيف بمن يأتي بحزامه الناسف إلى ذوي الركوع والسجود، إلى المساجد حيث يرتادها المتوضؤون من ذوي النفوس الزكية، (أقتلت نفسا زكية) قتل النفس الزكية أمر جعله الله (شيئا نكرا)، فكيف بمن يقتل النفوس الزكية المتوضئة المصلية لله رب العالمين، لا شكّ أن الأمر فظيع جدّ فظيع، هذه أيها الإخوة أيتها الأخوات هي وقفتنا مع الآية الكريمة.

بلاغة حديث

   أمّا ما يتعلق بالوقفة مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحلقة فإننا نكمل حديثه صلى الله عليه وسلم الوارد عن أبي ذرّ رضي الله عنه، عندما قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجلّ: "يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر".

     هذا الجزء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وقفات بلاغية تربوية توجيهية نبوية، نأخذ منها عندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى: "يا عبادي" كرر النداء كما كرره قبلُ في مواضع عديدة، مثل: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" "يا عبادي كلكم جائع" "يا عبادي كلكم عارٍ" "يا عبادي كلكم ضال"، ثم قال عليه الصلاة والسلام هنا في هذا الموضع السادس: "يا عبادي" إن تكرار النداء بهذه الصيغة المحببة يدعو الناس إلى أن يتلمسوا رضا الله سبحانه وتعالى، ذك أن الله الغني عنهم يناديهم باللفظ المحبب:"يا عبادي"، "لو أنّ أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم" هنا نستعيد مرة أخرى الفنّ البلاغي الذي يسميه علماء البلاغة (المقابلة)، المقابلة في الأمرين المتقابلين في "أولكم وآخركم"، "إنسكم وجنّكم"، هذه الألفاظ بينها تقابل، وهذا يدعو إلى وضوح المعنى أكثر فأكثر.

     " في صعيد واحد" الصعيد هو الأرض المستوية التي يجتمع فيها الناس، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: والذي يظهر أن اجتماع الناس في مكان واحد أقرب إلى الإجابة، ولذلك شُرع لهم الاجتماع في صلاة الجمعة، وفي صلاة العيد، وفي صلاة الاستسقاء، وفي الأمور المهولة عندما ينادى: الصلاة جامعة، وكل أمر له أهميته فإنه يحسن أن يجتمع الناس معًا؛ ليتناقشوا ويتطارحوا الرأي، وليأخذوا ويردّوا في ذلك.

     هناك صورة بيانية أشار إليها علماؤنا في بلاغتنا العربية، صورة جميلة، عندما قال عليه الصلاة والسلام: "لو أنّ أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم" في هذه الصورة التي نتصورها كأنها (عرض فيلم) أمامنا الآن؛ اجتماع الأولين والآخرين، اجتماع الإنس والجنّ في هذا المشهد العظيم يدلنا على أنّ الناس ينبغي لهم أن يُعظموا المسألة، إذا قمت يا أخي في صلاتك، إذا قمتِ يا أختي في سجادتك، في غرفتك، في مصلّاك، في أيّ مكان يصلّي فيه الرجل أو المرأة، لأنك واحدٌ تسأل ربّك، والناس كلّ الناس، والجنّ كل الجنّ والأولون والآخرون لو أنهم كلهم اجتمعوا فسألوا الله تعالى وأعطاهم الله ما نقص ذلك من ملك الله تعالى، فكيف بك أنت؟ اسأل الله تعالى ولا تتردد، اسألي يا أختي صلاحَ نفسك، صلاحَ زوجك، صلاحَ ذريتك، المالَ، الحياة الهانئة، النجاحات المتكررة المتوالية.

 لا تترددوا في سؤال الله تعالى شيئًا، فإنه لا ينقص ما في خزائنه، ولا ينفد ما في ملكوته جلّ جلاله، لأنه لا يظنن ظانّ أن شيئًا مما عند الله تعالى ينقص؛ والسبب في ذلك كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: لأن قدرته سبحانه وتعالى صالحة للإيجاد، كل شيء يوجده الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز على قدرة الله تعالى عجز ولا قصور، والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى.

ولذك جاء التشبيه في هذا الحديث القدسي هنا في قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل في البحر"، هل المخيط وهو الإبرة إذا أدخل في البحر، هل ينقص من البحر بسبب ذلك أيّ قطرة؟! لا شك أنه لا يؤثر فيه أيَّ تأثير، تخيل أخي، تخيلي أختي مِخْيَطًا يوضع في ماء قليل أو كثير، ولنقل في بحر الآن ثم يُخرج، هل سينقص ذلك من البحر شيئًا؟!

هذا التشبيه الذي يذكره علماء البيان، علماء البلاغة، قالوا: ومعنى ذلك هو أن التشبيه هنا فقط لتقريب الأفهام، وإلا فإن الإبرة مهما كان حجم ما تنقصه من البحر؛ فإن ملكوت الله سبحانه وتعالى لا ينقص منه شيء أبدًا، مهما سأله السائلون الأولون والآخرون، الإنس والجن، والسبب في ذلك أن الله عليم لذاته، وسميع لذاته، وبصير لذاته، فكذلك هو جواد لذاته، كما يقول أبو الحسن المباركفوري، فذو الجود سبحانه وتعالى لا ينقص من ملكه شيء، نسأل الله تعالى أن يعمنا برحمته، وأن يعطينا ما سألنا، وأن يزيدنا من واسع فضله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل