بلاغة آية وحديث - الحلقة 49 - حوار إبراهيم الخليل مع أبيه في سورة مريم

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

 التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

الحلقة 49

     هذه الآية التي اخترنا لكم هذا اليوم هي قوله تعالى من سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) [مريم: 41 - 48] ، إبراهيم عليه السلام وعليه الصلاة والسلام، وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام استخدم مع أبيه أسلوب الاستدراج، وأسلوب الاستدراج يشير إليه البلاغيون الكرام بأنه: التلطّف مع الخصم في الإقناع، بعرض مقدمات ينبني عليها المسلَّمات في ذهنه، حتى يذعن لها ويقرّ، ومن جميل من تناول هذا الموضوع وهذه الآيات بالدراسة الباحثة الأستاذة الدكتورة الفاضلة (زينب بنت عبد اللطيف الكردي) في كتاب لها جميل، وسِفر رائع في البلاغة القرآنية بعنوان (بلاغة الاحتجاج العقلي في القرآن الكريم) ذكرت الدكتورة زينب حفظها الله ورحم من ربّاها أن إبراهيم عليه السلام استخدم الاستدراج مع والده أحسن استخدام كما يقول العلوي في "الطراز"، وذلك عندما قال له:(يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) (يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) يعطيه الحجة تلو الحجة.

ولذلك جاء التعبير القرآني البليغ بالاستفهام:(لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)، هذا الاستفهام بهذا الاستدراج، وهذا الترفق مع الأب كأنه يعطيه الواجهة العقيلة؛ تعبد أحدًا لا يسمع ولا يبصر؟! أصلًا حتى لو كان معبودك مخلوقًا من الملائكة والناس السامعين والمبصرين العقلاء كان لا يحسن أن تعبده، فكيف وأن تعبد صنمًا لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟! هذا الاستدراج، يسميه علماؤنا (الحجاج العقلي)؛ تعبد أحدًا لا يسمع ولا يبصر؟! إبراهيم عليه السلام مع أن الحق معه، ومع أن أباه كان على غاية الخطأ والظلم؛ لأنّ الشرك ظلم عظيم، استخدم معه الأدب الجمّ، عندما قال له: (يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ)، قال علماؤنا الأجلاء: لم يقل إبراهيم عليه السلام: يا أبت سوف يمسك عذاب من الرحمن، أو سيمسّك عذاب من الرحمن، قال: (إِنِّي أَخَافُ) على موضع الاحتمال، يعني: يا أبت احتمال أن يصيبك عذاب، اترك هذا الأمر، مع أن إبراهيم عليه السلام يعلم أن المشرك سيمسه عذاب من الرحمن.

     وناداه وصدَّر كل نداء يا يا يا، مع أن إبراهيم عليه السلام مع أبيه حاضر أمامه، الحضرة تمنع النداء، ولكن النداء مع الحضرة يفيد انتباه المخاطب، يا فلان، إذا قلت: يا فلان انتبه الغافل، التفت إليك من تحدّثه، إذا قلت: يا خالد، يا عبد الله، يا إبراهيم، يا صالح، إلى آخره، هنا يحسن أن يلتفت إليك، وهذا أسلوب بديع في الحوار.

     ثم كرر النداء: يا أبتِ، أبتِ، أبتِ، تشير الباحثة الدكتورة زينب كردي إلى أن إبراهيم عليه السلام في التعبير القرآني الكريم اصطفى لفظ (أبتِ) على لفظ (أبي)؛ لأن في حرف التاء همسًا، (أبتِ) (أبتِ) والهمس يتناسب مع المقام؛ لأن المقام مقام ابنٍ حدِبٍ شفوقٍ مشفقٍ على أبيه المعاند المكابر، فناسب هذا اللفظ، دون أن يقول له: يا أبي. العجيب أن إبراهيم عليه السلام يعلم -والله أعلم- أن الآباء عادة، وأهل الجاهلية عامة يحتقرون الصغير ولا يُلقون له بالًا، وهذا طبيعة على حد قول القائل: من عرفك صغيرًا احتقركَ كبيرًا، ولذلك كان إبراهيم عليه السلام يتلطف له؛ (يا أبت) نعم أن أنا الابن الصغير وأنت الأب الكبير، ومع ذلك جاءني من العلم ما لم يأتك، إلا أن والد إبراهيم عليه السلام كان عنيدًا - عافانا الله وإياكم - معاندًا مكابرًا، حُكم عليه بالضلال -عافنا الله وإياكم-، فاستكبر وردَّ على إبراهيم أبشع ردٍّ عندما قال له: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ) (أراغب أنت) لم يقل يا بُنيّ، ذاك إبراهيم عليه السلام كان يقول (يا أبت) (يا أبت) (يا أبت)، وأبوه لم يقل: يا بُنيّ، أو يا ابني، مثلما قال إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام في آية أخرى في الصافات: (يا بُنيّ إني أرى في المنام).

     هنا يستخدم إبراهيم عليه السلامأبو الحنفاء أبو الأنبياء يستخدم الأدب مع أبيه، والحنان والعطف مع ابنه في موضعين متباعدين، هنا يقول: (يا أبت) وهناك يقول: (يا بُنيّ)، فسبحان من اصطفاه نبيًا، واتخذه خليلًا، وعلّمه أرقى الآداب، وأحسن الأخلاق، إلا أنّ المكابر مكابر قد لا يستجيب، هذا هو الشقّ الأول من هذه الحلقة وهو  بلاغة الآية القرآنية الكريمة.

بلاغة حديث

     وأما الشق الآخر إخواني الفضلاء، أخواتي الفضليات فهو ختام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب البطاقة، قال صلى الله عليه وسلم:" فتُخرج له بطاقة"، في نص الحديث الآن "بطاقة" مبهمة، فيها عنصر المفاجأة، وهنا يستفيد القصاص والكتاب، والروائيون، أن يأتوا بأساليب راقية، يستفيدون منها في عنصر المفاجأة عندما يبهم ثم يوضح، يُجْمل ثم يفصّل.

 قال صلى الله عليه وسلم: " ثم تُخرج له بطاقة"، هذه البطاقة تُخرج لهن وأيضًا قال البلاغيون: إنّ التقييد بحرف الجرّ "له" دليل أن هذه البطاقة ملكيتها تعود على هذا الرجل المحاكَم الآن، الرجل الذي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عنده تسعة وتسعون سِجلًّا من السيئات والخطايا، لكن "له" لملكه بطاقة واحدة، فلمّا تُخرج له هذه البطاقة تتجلى المفاجأة في أحلى صورة، فيها في هذه البطاقة "أشهد ألا إله إلا اله، وأن محمدا عبده ورسوله"، فيقول الله سبحاه وتعالى له: عندنا لك بطاقة، لكنها بطاقة ليست كالبطاقات، إنها بطاقة لا شكَّ أثقل من السجلات، إنها بطاقة اشتملت على أعظم الشهادات، بطاقة تضمنت الشهادة التي فيها النجاة.

فيقول: أحضروه، ائتوني بالرجل مرة أخرى، الذي له تسعة وتسعون سِجلّا من المعاصي، وله بطاقة واحدة فيها أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيُطاع الملك المُطاع لمّا يقول: أحضروه، هنا فيه من الأمر ممن يملك الأمر، الله يأمر من يشاء، فيُحضر هذا الرجل، فلمّا يُحضر يقول: يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ هو نفسه الرجل يقول: بطاقة واحدة! مع هذه سجلات تسعة وتسعون؟ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟!

وهنا نقف مع ما يسميه علماء البلاغة (إيجاز الحذف)، بمعنى أحضرته الملائكة، جاء الرجل، وقف بين يدي الله تعالى، رأى البطاقة، رأى السجلات، كل هذا لا يعنينا الآن، الذي يعنينا أنه قال: "أحضروه" "فيقول ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات"؟

وهنا يشير البلاغيون إلى فن بديع اسمه (المقابلة) بين أمرين متقابلين؛ (البطاقة) (السجلات)، هنا تطابق ومقابلة جميلة.

فيقول الله له: " إنّك لا تُظلم"، في هذا وقفات جميلة "إنّ" المؤكدة، و(الخطاب) لهذا الرجل؛ لأنه الآن في مقام تشريف، قارَبَ على النجاة وهو لا يعلم، قال: "إنّك".

" لا تُظلم"، ولمّا يقول الله تعالى: "إنّك لا تُظلم" بصيغة المبني لِمَا لم يُسمَّ فاعله، بمعنى: لا تُظلم أيّ ظلم، إطلاق، لم يذكر المفعول به، أو نائب الفاعل، لم يذكر لا ثظلم ماذا؟ أنت لا تُظلم، لكن لا تُظلم حبةً، شيئًا، سِجِلّا، حسنة، لا تُظلم أيّ أمرٍ، أي ذرةٍ كانت، يقال له: إنك لا تُظلم.

فتوضع له السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: "فطاشت السجلات" هنا اختيار دقيق للفظ "طاشت"؛ لأن الطيش هنا بمعنى الاضطراب، ومنه الصبي الذي يأكل وتطيش يده في الصَحْفَة، يعني في الصحن، معناه أن يده تذهب يمنة ويسرة، وهنا معناه في صورة بديعة يوم القيامة: كل السجلات التسعة والتسعين طاشت، تفرّقت، وثقُلت بطاقة فيها: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

هنا حسن المطلع بحسن الختام اقترنا معًا في هذا الحوار الذي بدأ بأن لك تسعة وتسعين، وخُتم بـ"طاشت السجلات"، إعادة بـ(ردّ الأعجاز على الصدور)، وهذا فنٌّ بلاغي جميل.

هذا صاحب بطاقة واحدة أيها الإخوة، أيتها الأخوات رحمه الله تعالى، وثقّل ميزانه بالبطاقة، فما بالكم بأصحاب البطاقات الكثيرة من الحسنات؟ ما بالكم بأهل البرّ بالوالدين؟ ما بالكم بأهل الصلوات؟ والزكوات؟ ما بالكم بالصابرين الذين يُوفّون أجرهم بغير حساب؟

أسأل الله تعالى في ختام هذه الحلقة أن يجعلني وإياكم من أهل النجاة ووالدينا والمسلمين أجمعين، وأن يختم لنا بخير، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يُحيينا على (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، أن يتوفانا عليها، ويبعثنا يوم يبعثنا ونحن نشهد: ألا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل