بلاغة آية وحديث - الحلقة 33 - (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الزمر: 7]

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

 التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

الحلقة 33

الآية التي معنا هي قوله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الزمر: 7]، هذه الآية الكريمة إخوتي أخواتي تبين أمرًا عظيمًا من أمور تعاملنا مع ربنا سبحانه وتعالى، ومدى رحمة الله جلّ جلاله بنا، (إِنْ تَكْفُرُوا) إن تكفروا أيها الناس، إن تكفروا أيها الكفار (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ)، الله  سبحانه غني عن إيمان المؤمن، وعن كفر الكافر، الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر، بمعنى أنهم لو كفروا فإنهم لن يضروا الله شيئا، جاء التعبير بنقيض قصدهم، حتى لا يقول الإنسان: إنه يؤمن حتى ينفع الناس، أو ينفع الإسلام، لا، الله غني حتى لو كفر الكافر، الله غني عنا وعن إيماننا؛ ولذلك قيل للإمام أحمد بن حنبل الإمام المبجل عليه رحمة الله: جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير، فقال رحمه الله: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا. من أنا حتى أجزى عن الإسلام خيرًا؟! الإسلام هو الذي فضله عليه، الله سبحانه وتعالى يقول: ر إن تكفروا فإن الله غني عنكم)، في هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على أنّ الله غني عن إيمان المؤمن، ولا يضره كفر الكافر، (إن تكفروا) جاءت على طريقة أسلوب الشرط، (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ) غنىً مطلقًا سبحانه وتعالى، ومع غناه المطلق فالله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، الله لا يرضى لعباده المؤمنين أن يكفروا، كما لا يرضى من الكفار كفرهم، وإن جاء بإرادته سبحانه وتعالى، إلا أنه غير محبّب منهم، الله سبحانه هدى الناس النجدين، وفتح لهم الطريقين، الذي يهتدي له ذلك، والذي يضلّ فضلاله على نفسه، لكن الله غنيٌ عن كل ذلك؛ عنا وعن إيماننا، وعن كفر من كفر. جاء في الحديث القدسي عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عن ربه سبحانه وتعالى: "يا عبادي، لو أن أوّلكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا"، المسألة ليست غنى يغني المؤمنُ ربَّه به، لا، الغني الله، غنيٌ سبحانه وتعالى عن إيمان المؤمن، وغنيٌ عن كفر الكافر، الله سبحانه وتعالى غنيٌّ؛ بدليل هذه الآية العظيمة (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ).

ثم قال سبحانه وتعالى:(وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، المطلوب الشكر، وهنا جاء في فن بلاغي يسميه العلماء رحمهم الله (الطِبَاق)، (المقابلة)؛ أن تذكر معنيين، ثم تذكر ما يقابلهما، (إِنْ تَكْفُرُوا) يقابلها في آخر الآية (وَإِنْ تَشْكُرُوا)، (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) يقابلها (يَرْضَهُ لَكُمْ)، إذًا غنى الله عن الكافرين رضا الله عن الشاكرين، هذا معنى يقابل هذا، ومعنى الكافرين هنا يقابله معنى الشاكرين هناك، فهذان المعنيان المتقابلان يسميهما علماء البلاغة الطباق والمقابلة، وهذا مما يزيد الآية جمالًا، ويزيد المعنى وضوحًا، ويزيد المسألة بيانَ رؤية لا يأتيها اللبْس؛ كما قيل:

وبضدِّها تتميز الأشياءُ، وقيل:

والضِدُّ يظهر حسنَه الضدُّ

ثم قال الله تعالى:( ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) الله عليم بما في الصدر، المؤمن يعلم إيمانه، والكافر يعلم كفره، والذي اغتنى عن الله، وترك الإسلام الله غني عنه ويعلم ما في صدره، والذي أوى إلى الله وشكر ربه فالله غني عنه، ويشكر له شكره ويعلم ما في صدره.

هذه الوقفات كانت مع هذه الآية الكريمة العظيمة.

بلاغة حديث

أما وقفاتنا في الحديث النبوي الشريف لهذه الحلقة فهي مع قوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء في صحيح مسلم رحمه الله، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا"، هذا الحديث لنا فيه وقفات سنقسمها على حلقاتنا بإذن الله تعالى.

أما وقفتنا في هذه الحلقة فهي قوله صلى الله عليه وسلم: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ"، والمقصود بالطُهور بضم الطاء هنا العملية المعروفة؛ وهي الوضوء، واختلف فيه العلماء كيف يصل به إلى نصف أجر الإيمان، وقيل إن المراد بالإيمان هنا هو الصلاة؛ كما قال الله سبحانه وتعالى:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) [البقرة: 143] ، يعني ليضيع صلاتكم، فالطُهور وهو الوضوء ممثل لنصف الصلاة، لنصف الإيمان، ولا يُشترط أن يكون الشطر نصفًا حقيقيًا، وقيل: غير ذلك والله أعلم، بمعنى أن الطُهور فيه فضل، وقد جاء في حديث عنه صلى الله عليه وسلم: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"، وجاء في حديث أن إسباغ الوضوء على المكاره من أسباب تكفير السيئات، ومن أسباب دخول الجنات.

" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ" بهذا اللفظ البلاغي البليغ العربي المتقن: (الحمدُ)، (الحمدُ لله) بـ(أل الاستغراق)، استغرقت جميع المحامد، فعندما يقول المسلم أو الأخت المسلمة: (الحمد لله) فكأنه يستشعر في داخل نفسه كلّ نعمة أتت عليه في قديم، أو حديث، في صغيرة أو كبيرة، في حاضر أو غائب، يقول عنها: (الحمد لله)، فإذا قال المرء المسلم الذكر أو الأنثى: (الحمد لله) مُليء ميزانه، وأيُّ فضلٍ أعظم من هذا الفضل؟! أن يلقى العبدُ ربًّه بميزان ممتلئ، إن الناس يسعون بأمواالهم، وأرواحهم، وجهادهم، ونفقاتهم، من أجل امتلاء الميزان، فكيف بكلمة (الحمد لله) التي تملأ ميزان المرء يوم القيامة، إنه لفضل كبير.

ونلحظ من بلاغة هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"تملأ" بصيغة الفعل المضارع التي تدل على التجدد والحدوث، وكأن لفظ (الحمد لله) يملأ، ويملأ، ويملأ، كأن العملية نراها بأعيننا الآن، عملية متجددة في امتلاء الميزان.

كما جاء أيضا من بلاغة هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "الميزان" بأل (العهدية)، لأنّ هناك ميزانًا معهودًا معروفًا لدينا نحن المسلمين بحكم ثقافتنا الدينية الإسلامية أنّ هناك ميزانًا للأعمال يوم القيامة، وأنّ هذا الميزان المعهود المعروف لدينا تملؤه كلمة (الحمد لله)، الحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة، الحمد لله على كل خير.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل