بلاغة آية وحديث - الحلقة 29 - (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197]

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

 

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

الحلقة 29 

        حلقتنا في هذا اليوم عن قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197]، هذه الآية الكريمة العظيمة من آيات الحج التي وصف الله سبحانه وتعالى بها أعمال الحج وبيّنها، الحج ذلكم الركن الخامس من أركان الإسلام، ذلكم الركن العظيم الذي تهوي إليه أفئدة المؤمنين في كل أقطار الأرض؛ متمنين الوصول إلى البقاع المشرفة، والأراضي المقدسة، وكم من الناس يتمناه وقد تيسر له، نسأل الله القبول لنا وله، وكم من إخواننا المسلمين، وأخواتنا المسلمات في بقاع شتى من هذه الأرض الكبيرة الفسيحة يتمنون الحج ولم يتيسر لهم، أسأل الله أن يبلغهم إياه، وأن يكتب لهم نيتهم في الحج وإن لم يتيسر لهم.

     هذه الآيات الكريمة في الحج، قال الله تعالى في تركيب من تراكيب الآية عظيم بديع، قال الله تعالى: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، بمعنى اُنفوا كل الرفث، أي رفث لا يوجد؛ بدليل استخدام (لا) النافية للجنس، يعني جنس الرفث لا نريده في الحج، جنس الفسوق لا نريده في الحج، (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، حتى الجدال والأخذ والردّ، والملاحاة، والنقاشات التي لا داعي لها لا تحسُن في الحج.

الحجُّ أمرٌ زكيٌّ يحتاج إلى نفوس زكية طاهرة، يحتاج إلى صفاء، إلى ابتسامة صادقة، إلى جلسة مع أخ له في الله، إلى مدارسة بين الأخوات في الحج، إلى رمي الجِمار وذِكر الله، إلى السعي والطواف وذِكر الله، إلى الوقوف بعرفة والابتهالات، إلى المبيت بمزدلفة والحنين والذكريات، إلى هذه الأمور الزكيّة الرفيعة بلا جدال ولا فسوق ولا رفث، أبدا.

ثم قال الله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) هنا جاء بأسلوب الشرط، أيَّ خير تفعله يا أيها الحاج، يا أيتها الحاجة يعلمه الله، أيَّ خير؟! نعم أيّ خير، لمَ؟ لأن الله تعالى جاء بهذه الكلمة في أسلوبين من أساليب اللغة العربية: النفي والتنكير، عندما قال: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) (من خير) (ما تفعلوا) بالنفي، يعني ما تفعلوا (من خير) أيّ خير، ولو كان ابتسامة يبتسمها الغنيّ الحاج في وجه الفقير الحاج فإن الله يعلمه، ولو لم يعلمه أصدقاء الغني فيثنون بها عليه، أو يمدحونه، أو يشكرونه، هذا خير خفيف؛ ابتسامة خفيفة، في وجه حاج من أقطار الحج، قد لا ألتقي معه بعد يومي هذا إلى يوم القيامة، ولكنه خير.

(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) صدقة؛ ولو بمبلغ زهيد في أعمال الحج، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) سُقيا، قد أسقي حاجًا بخير قليل؛ كوبَ ماء، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قد أفسح له بمجلسي، فيجلس هو ولو قمت أنا من مجلسي، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قد أظلّه في شجرة وأوثره بهذا الظلّ وأقوم أنا إلى غيرها أو إلى لا ظلّ في تلك الساعة، بحيث يجلس أخي المسلم الحاج، أو أختي المسلمة الحاجة، أجعلهما في مكاني، هذا خير، فكيف بكونه نفعًا للآخرين، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) ولو لم يعلمه الناس (يعلمه الله)، والحاج متجرّد حتى من ملابسه، تجرّد من المخيط، وتجرّد من لبس البلد، وشعار المجتمع المعتاد ولبس إحرامًا؛ رداءً وإزارًا، يشترك فيه الحاج العربي وغير العربي، يشترك فيه أهل الخليج وأهل المحيط، يشترك فيه الغني والفقير، كلهم تجرّدوا من كل الفروقات، إذًا فليتجردوا لله ربِّ البريات، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (يعلمه الله) لا يُشترط أن يعلمه وزير، ولا أمير، ولا ملِك، ولا زوج، ولا زوجة، إنما تفعل المرأة الخير ولو لم يعلم بها ابنها، أو أخوها، أو زوجها؛ لأنها تتعامل مع الله، والله قال:(يعلمه الله). (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، بمعنى أن موسم الحج مدرسة، افعلوا أيّ أمر لله وسترون، حتى لو كان صغيرًا، بدلالة الآية: (من خير) أيًّا كان الخير، ثم ما بعد الحج، ولغير الحاج، هذه المدرسة تستمر، ومخرجاتها تتنامى، ومعطياتها تزيد؛ بمعنى أننا إذا انتقلنا إلى مجتمعاتنا الأخرى فلنأخذ بهذا التجرّد الجميل، ولنعمل الخير لله؛ لأن الله يعلمه، لأن الله يعلمه ولو لم يعلمه البشر، ولو أخذنا بهذه القاعدة الربانية؛ وهي أن نفعل الخير لأن الله يعلمه لصلحت مجتمعاتنا، وسادت الطمأنينة، وعمَّ السلام، وشاعت فينا المحبة، وعمَّتنا السكينة، وأفسح الإنسان للإنسان في سيارته حتى يعبر الطريق، وما أزعج المرورَ أحدٌ منا، بالحوادث والمصادمات والمشاحنات في طرق السير، ولما أخذ أحد منَّا حقَّ أحد بغير وجه، وإنما يتعامل مع الله، ويقدّم الخير لعباد الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلمه.

بلاغة حديث

 أما الشقّ الآخر من هذه الحلقة فهو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه عندما زار المقبرة، كما يقول أبو هريرة رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، ودِدتُ أنا قد رأينا إخواننا" فقال الصحابة رضي الله عنهم: أوَ لسنا إخوانَك يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم:"أنتم أصحابي، وإخوانُنا الذين لم يأتوا بعد"، فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من لم يأتِ بعدُ من أمتك؟! قال صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أنّ رجلًا له خيلٌ غرٌّ محجَّلةٌ بين ظَهْرَي خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرفُ خيلَه؟" فقالوا: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: "فإنهم يأتون غُرًّا محجَّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض، ألا ليُذادنَّ رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضالّ، أناديهم: ألا هلمَّ، فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا".

هذا الحديث اشتمل على تراكيب عجيبة في قوة اللفظ، وحسن السبك، وجمال المعنى، وأداء الصياغة الرائعة، منه صلى الله عليه وسلم؛ أولًا: أنه خاطب الأموات بما يخاطب به الأحياء؛ فقال عند المقبرة: "السلام عليكم"، وهذا مما يشيع روح المحبة بين المؤمن وإخوانه المؤمنين، واستمرار التوادّ بينهم حتى بعد مفارقة الحياة، حتى وهو في جدثه مدفون في قبره يُسلَّم عليه من إخوانه الأحياء: "السلام عليكم".

ثم قال عليه الصلاة والسلام في صفة جميلة: "دارَ قوم مؤمنين"، ويالَها من صفة! في معناها وطياتها الإيحاء بالبشارة لأولئك القوم الذين زارهم صلى الله عليه وسلم بالشهادة لهم بالإيمان، وأيّ تزكية أعظم من هذه التزكية! هذا الإيحاء والكناية جاء باللفظ السلس الذي لم يتكلّفه صلى الله عليه وسلم، فقط قال: "دارَ قوم مؤمنين"، يعني يا أهل الدار، وهنا -والله تعالى أعلم- مجاز بإطلاق المحلّ والمراد الحالّ، فالمراد بالدار في قوله صلى الله عليه وسلم "دار قوم" هنا أهل الدار، كما في الآية الكريمة:(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) [يوسف: 82]،يعني أهل القرية، و(العير) يعني أهل العير، عندما تقول: "مرحبًا بالبيت الطيب" فأنت تقول ذلك وتقصد أهل البيت الطيب، "مرحبًا بالمدرسة الناجحة" تقصد مرحبًا بطلاب المدرسة الناجحة وطالباتها.

عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "دار قوم مؤمنين"، ثم تمنّى بالتمني الراقي الذي يدل على شفافية نفس وسمو روح، قال عليه الصلاة والسلام: "وددت لو أننا رأينا إخواننا" هنا تعجّب الصحابة رضي الله عنهم؛ فقالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانَك؟ قال عليه الصلاة والسلام: "أنتم أصحابي" أنتم أعلى، أنتم أهل المنزلة الرفيعة، الذين لا يُبلغ شأوهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكن إخواني سيأتون بعدي لم أرهم، وهذا يدل على الحبّ الصادق الراقي، من الحبيب صلى الله عليه وسلم، الحبيب نفسه صلى الله عليه وسلم اشتاق لنا نحن المؤمنين الذين أتينا بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، فكيف بنا وشوقنا إليه صلى الله عليه وسلم؟ ما شوق المشتاقين إلى محمد إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم اشتاق إلينا؟

ثم بيّن صلى الله عليه وسلم للصحابة الكرام رضي الله عنهم أنه يعرف أصحابه عن طريق مهمة، وهي طاعة الوضوء، هذه العبادة الجليلة الوضوء تجعل المتوضئين رجالًا ونساءً يوم القيامة غرًّا محجّلين، التحجيل في الجِباه وفي أطراف الأيدي وفي أماكن الوضوء، يكونون معروفين من بين سائر الأمم، كما أن الرجل الذي له خيل غرٌّ محجّلة يعرفها من بين خيلٍ أخرى دُهمٍ بُهم، ليس فيها غرّة ولا تحجيل، فكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يعرفنا يوم القيامة بإذن الله، وسيحنّ إلينا كما نشتاق إليه نحن، وسنلتقي هناك سائلين الله تعالى ألا يجعلنا ممن وردوا في آخر الحديث أنّ أناسًا يُذادون عن الحوض، عندما يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوضه فيقول هلمّ يعني تعالوا، تعالوا عندي، وفي هذا إشارة إلى رحمته صلى الله عليه وسلم أنه حتى في يوم القيامة ينادينا نحن أتباعه، ويقول: تعالوا إلى الحوض، اشربوا من هذا الحوض، ويُذاد ناس، يعني يُبعد ناس معينون من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول صلى الله عليه وسلم: هؤلاء أمتي يا الله، تستمر رحمته صلى الله عليه وسلم، فيقال: إنك لا تعلم ماذا أحدثوا بعدك، لقد بدّلوا بعدك.

 

اللهم لا تجعلنا ممن بدل وغيّر بعدُ، من سنة محمد صلى الله عليه وسلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل