تأملات من حياة نبي الله أيوب في القرآن - أبو العزايم عبد الحميد

تأملات من حياة نبي الله أيوب في القرآن

أبو العزايم عبد الحميد

ورد الحديث عن سيدنا أيوب في القرآن الكريم في أربعة مواضع موضعان منهما ورد اسمه فقط وذلك في سورة النساء الآية (163) وفي سورة الأنعام الآية (84) وموضعان ورد الحديث عن قصته فيهما بشيء من التفصيل، في سورة الأنبياء وفي سورة ص.
 
أما موضع سورة الأنبياء فيقول الله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [سورة الأنبياء، الآيات: 83-84].
 
وأما موضع سورة ص فيقول: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [سورة ص، الآيات: 41-44].
 
وفي هذين الموضعين ورد سياق النص القرآني في معرض التذكير للنبي محمد صلى الله عليه وسلم فموضع سورة الأنبياء تقديره: اذكر يامحمد أَيُّوبَ حين دعا الله أن يزيل عنه الضرر الذي مسّه، فاستجاب الله دعاءه وكشف ما به من ضُرّ، وآتاه الله أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِه وَذِكْرَى لِلْعَابِدِين. وفي موضع سورة ص جاء النص صريحاً {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ}.
 
وقصة أيوب نموذج للقصص القرآني الذي استقر في الأذهان عبر الصورة التي رسمتها الروايات والأحاديث الشعبية بعيدًا عن الصورة التي رسمها القرآن الكريم له.
 
فلم يصح شيء من الآثار عن قصة أيوب كما يعرفها الناس ويتناولونها في أسمارهم وإنما كلها روايات توراتية وأساطير اسرائيلية موروثة عن أهل الكتاب مليئة بالغمز واللمز للأنبياء كعادة اليهود في نظرتهم للأنبياء من عدم تكريمهم واحتقارهم بل وقتل بعضهم، وهي نظرة تختلف اختلافًا جذريًا عن نظرة القرآن للأنبياء الذين هم وإن كانوا بشرًا لكنهم هم الذين وقع عليهم الاصطفاء الإلهي ليقودوا هداية البشرية الى الخير والنور فهم بهذا أسمى البشر وأكمل البشر خُلقًا وخِلقة ولذلك عند الحديث عن أيوب عليه السلام في القرآن علينا أن ننحي جانبًا ما ورثناه من قصص عن أيوب عليه السلام من روايات لانعرف مصدرها ونعيش معه في ضوء نظرة القرآن الكريم للأنبياء، خاصة أننا لو وقفنا لحظات مع أنفسنا ما استطعنا ان نصدق ما قيل عن أيوب بعيدًا عن القرآن، هل يمكن أن نصدق عن نبي من الأنبياء اصطفاه الله نصدق عليه أن الشيطان قد أضرّ به، حيث أهلك ماله وولده، وهو صابر.
 
ثم سبّب له الأمراض الرهيبة، بحيث لم يحتمل الناس رؤيته للجرَب الذي حلّ به؛ وكان ملقيًا به على أماكن القمامة والدود يسرح في جسده وعندما ألحّت عليه زوجته أن يدعو الله تعالى ليشفيه، اعتبر هذا الطلبَ جريمةً تستحق الضرب مائة جلدة، فأقسم على ذلك.
 
مع أن طلبها لا شيء فيه، بل إن الله تعالى يأمرنا بأن ندعو ليستجيب لنا. وبعد زمن طويل أمره الله تعالى أن يضرب برجله الأرض لتُخرج نبعًا يستحم منه ويشرب فيشفى. وهكذا كان. أما امرأته فليس له إلا أن يأخذ مائة عود ويضعها في رزمة واحدة، ويضرب زوجته بها ضربة واحدة، وهكذا لا يحنث بيمينه. لنصل في النهاية إلى التأصيل لما سُمي بالحيل الشرعية، أي أنه يجوز لك أن تتحايل في تطبيق الحكم الشرعي، المهم أن تتقيد بالظاهر، أما المضمون فلا بأس بتجاوزه. وهذه اسوأ الممارسات الفقهية في تاريخنا الفقهي والتي شن عليها العلماء العاملون حربًا ضروسًا مثل ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) وغيره الكثير بل أكثر من هذا فيخبرنا الله أن قومًا لعنهم ومسخهم قردة وخنازير لأنهم استخدموا الحيل في تطبيق الأحكام الشرعية وهو نموذج أصحاب السبت الذين اعتدوا في السبت الواردة قصتهم في سورة الأعراف عند الحديث عن القرية التي كانت حاضرة البحر.
 
من أين جاءوا بالمرض أمن قوله مسني الضر؟ وهل الضر ورد في القرآن بمعني المرض فقط؟ يقول أبو العبَّاس المقريُّ: "ورد لفظ الضُّرِّ في القرآن على أربعة أوجهٍ: 
الأول: الضُّرُّ: الفقر ومثله: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ} [سورة يونس، الآية: 12]، وقوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} [سورة النحل، الآية: 53] أي: الفقر.
الثاني: الضُّرُّ: القحط؛ قال تعالى: {إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [سورة الأعراف، الآية: 94] أي: قحطوا. أو قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} [سورة يونس، الآية: 21] أي: قحط.
الثالث: الضُّرُّ: المرض؛ قال تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ} [سورة يونس، الآية: 207] أي: بمرض.
الرابع: الضُّرُّ: الأهوال؛ قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ} [سورة الإسراء، الآية: 67]". اهـ. 
 
فلماذا فُسر الضر عند أيوب بالمرض فقط.
من أين جاءوا بأنه حلف؟ هل عبارة {وَلَا تَحْنَثْ}؟ وهل الحنث استخدمه القرآن في الرجوع عن اليمين أم استخدمه كمعنى أعم من هذا -فهو معنى جامع للإثم والظلم كما في قوله تعالى {وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ} [سورة الواقعة، الآية: 46]-؟، ثم وأين القسم في الآيات وأين الزوجة المقسم عليها في الآيات و لماذا القَسَم على جلدِ الزوجة مائة جلدة لمجرد أن طلبت طلبا مشروعًا؟ ولو كان أيوب قد أقسم هذا اليمين الذي لا يحلف على مثله سوى مجنون أو مجرم، فالحلّ أمامه بسيط، وهو أن يستغفر الله تعالى أولًا، ثم يُكَفِّر عن يمينه، أليس هناك طريقة للتكفير عن مثل هذا اليمين. بدون الحيل فإن حلف المرء على أن يقوم بشرّ، فلا يجوز له أن يقوم بهذا الشر، بل يقول الله تعالى {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة، الآية: 224]. أي لا تُقسموا بالله على ألا تفعلوا خيرًا، أو لا تقسموا بالله على فعل الشرّ. فإذا أقسم المرء يمينا شرّيرًا، أو يمينا لا يريد أن يحقّقه، فالحلّ في قوله تعالى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة، الآية: 89]. نعم، الحل هو الكفارة عن هذا اليمين، بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيام لمن لا يملك ذلك. وليس التحايل في تطبيق ما أقسم المرء عليه من عمل سوء. لأن العبرة بالنية والمقاصد، وليس بالحرفية. ومن الذي يدله على هذه الحيل؟ الله ّ! سبحان الله لماذا لا يحله من اليمين كما فعل مع غيره من الأنبياء {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [سورة التحريم، الآية: 2].
 
ما أقبح هذا العرض! التحايل. الخداع. اللف والدوران. الغموض. التصيّد اللغوي. الحرفيّة. والأدهى أن يُنسب ذلك إلى الله! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
 
ثم هل أيوب في القرآن هو نموذج الصبر أم أن جميع الأنبياء كانوا مثالا للصبر {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الأنعام، الآية: 34].
 
والغريب أن الفاصلة في آيات سيدنا أيوب انتهت بقوله تعالي {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} بخلاف الآية التي بعدها مباشرة عن إسماعيل واليسع وذي الكفل إذ يقول تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنبياء، الآية: 85]، ورغم هذا فقد جعلوا أيوب هو نموذج الصبر في القرآن! وهل أُمر نبينا محمد بأن يَقتدي بأيوب في صبره أم أُمر أن يقتدي بأولي العزم من الرسل في صبرهم {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة الأحقاف، الآية: 35].
 
ومن هنا فإننا نرفض الحكايات التي نسجت عن أيوب سواء المرض في حياة أيوب أو أنه نموذج الصبر أو حكاية عدم الحنث في اليمين بالحيل، فضلًا أن نصدق أنه حلف أن يضرب زوجته الصابره معه فاذا أسقطنا كل هذا فما هي حكاية أيوب التي أمر القرآن الكريم النبي أن يتذكرها بالحديث عن أيوب؟!  
 
إن قصة أيوب في القرآن تبين للنبي محمد صلي الله عليه وسلم والمؤمنين به من بعده سنن الله التي خلت في عباده بشأن الابتلاء. وهي ثلاث سنن حاكمة في الموضوع أظهرتها قصة أيوب في القرآن:
 
القاعدة الأولى: إن الابتلاء سنة من سنن الله في عباده، وهو شرط للنجاح. وعلى قدر ما يصبوا إليه الإنسان من أهداف بقدر ما سيقع عليه من البلاء {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة، الآية: 214]. ولأن الأنبياء كانت أهدافهم سامية وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، كان تعرضهم للابتلاء أكبر من غيرهم. قال رسول الله: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». (أخرجه الإمام أحمد وغيره).
 
القاعدة الثانية: عدم الاستسلام أو العجز، بل تجاوز البلاء بكل حركة وجهد يملكه الإنسان {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} {َاضْرِبْ بِهِ}. {وَلَا تَحْنَثْ} أي لا تظلم ولا تأثم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم والقسوة والغفلة والعيلة والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر والفسوق والشقاق والنفاق والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصمم والبكم والجنون والجذام والبرص وسوء الأسقام». (قال الألباني صحيح).
 
القاعدة الثالثة: إن الابتلاء له ما بعده من النجاح والنصر والتمكين وتحقيق الأهداف، وإن مايخسره الإنسان من مال أو ولد أو صحة أثناء فترة الابتلاء يعوضه الله بأضعاف أضعاف ما فقده بعد النجاح في الابتلاء {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}.
 
جاءت قصة أيوب في القرآن الكريم تفتح باب الأمل للنبي صلي الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، وهم في مرحلة الضيق والكرب والشدة التي يلاقونها من الكفار لتقول لهم أن هذه المرحلة لها ما بعدها وهي ضرورية للوصول للأهداف العالية التي ينشدونها. وأن عليهم أن يتجاوزوها ولا يستسلموا لها أو يعجزوا عندها أو ييأسوا أمامها، وإنما يتجاوزوها بجهدهم وسلوكهم وحركتهم على قدر ما يستطيع، كما تجاوزها أيوب بجهده وحركته التي عبرت عنها الآيات {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ} ثم بعد ذلك ينتظروا من الله فرجه القريب ورحمته الواسعة ونصره المبين. ولقد صدق الأولون ذلك فهاجروا وضربوا في الأرض وجاهدوا، واستخدموا كل الأسباب. وكان وعد الله لهم حقا فهل نحن على آثارهم نستلهم حياة نبي الله أيوب كما وردت في القرآن وليست كما وردت في الحكايات.
المصدر: مركز تفسير


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل