مع آيات الصيام - د. صلاح الخالدي

قرآنيات

د. صلاح الخالدي

مع آيات الصيام : 1

من لطائف القرآن أنه جمع آيات الصيام في سورة واحدة ..وفي سياق واحد ..وجعلها متتابعة ..بعكس الأحكام الشرعية الأخرى التي كان يوزع آياتها في عدة سور ..كآيات الحج والجهاد ..

آيات الصيام خمس آيات في سورة البقرة..

وهي الآيات : ( 183_ 187 )....

 

مع آيات الصيام : 2

الفرق بين الصوم والصيام !!

الكلمتان مصدران ..تقول : صام الرجل صوما ، وصام صياما ..وهما في اللغة وعرف الناس بمعنى واحد ..لأن كلا منهما مصدر كما قلنا ...

لكنهما في القرآن المعجز ليسا بمعنى واحد ...لأنه لا ترادف في القرآن..فلا توجد كلمتان في القرآن بمعنى واحد ...

صوم : مصدر من ثلاثة أحرف ..

وصيام : مصدر من اربعة احرف ...

الصيام أبلغ من الصوم ..لأنه يزيد عليه حرفا .. وزيادة المبنى تدل عل زيادة المعنى..كما يقول العلماء..

الصوم والصيام إمساك وامتناع..لكن إمساك وامتناع عن ماذا ؟؟

الصوم في القرآن ليس إمساكا عن الطعام والشراب ..إنما هو إمساك عن الكلام فقط !!!

ورد الصوم مرة واحدة في القرآن ..في قصة مريم..فلما ولدت عيسى كلمها بعد ولادته بلحظة ودلها على حسن تصرفها مع قومها ..

قال تعالى : ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ..)..( مريم : 26 )

كان صوم مريم بالامتناع عن الكلام فقط ...

أما الصيام في القرآن فهو ليس إمساكا عن الكلام ..بل إمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات..

وقد ورد الصيام تسع مرات في القرآن ..كما في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...) ..( البقرة : 183 ) ..

بهذا التفريق الدقيق بين المصدرين نقف على دقة القرآن المعجزة في اختيار كلماته .. وروعته في التفريق بينها ....

 

مع آيات الصيام : 3

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ....) ..

بدئت آيات الصيام بهذا النداء المباشر من الله لعباده المؤمنين..وناداهم بأحب أوصافهم إلى قلوبهم ، وهو وصف الإيمان...

وكثيرا ما بدئت آيات الأحكام بهذا النداء..

وحكمة هذه البداية...أنها تهيئة المؤمنين لتلقي التكليف الرباني..

هذا النداء يوقظ الإيمان في قلوبهم ، وتجهيزه ،ليصحوا ، وينتبهوا..ويتلقوا الاوامر من الله باستعداد إيماني ..لضمان الالتزام بالتكاليف ، وحسن تنفيذها !!

ونتذكر قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إذا سمعت الله يقول في القرآن : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .." فأرعها سمعك ..فما بعدها أمر تلتزم به ...أونهي تتجنبه !!

وعلينا ان نقف وقفة طويلة متدبرين مع كل آية مبدوءة بهذا النداء الرباني المبارك...

وأذكر أنني ناقشت قبل عدة سنوات رسالة ماجستير في جامعة آل البيت في التفسير الموضوعي ، وكان بعنوان : " يا أيها الذين آمنوا " في القرآن ..

وبعد هذا النداء التمهيدي التنبيهي جاء التكليف " كتب عليكم الصيام .." ..

 

مع آيات الصيام : 4

مع قوله تعالى : (....كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ..)..

عبرت الآية عن إيجاب الصيام بلفظ : " كتب "...وهذا تعبير مقصود ..لأن الكتابة تعني الثبات ، وعدم المحو ..فما كتب فهو ثابت ، لا يمحى ...وما أوجبه الله على المسلمين فهو ثابت باق مستقر ..لا يلغى ، ولا يمحى ...

وجاء الفعل الماضي : " كتب " مسندا لغير الفاعل _ أو مبنيا للمجهول كما يقولون _ ..و : " الصيام " : نائب فاعل ..

والفاعل محذوف .. لأ الذي كتب الصيام علينا هو الله ..فلم يقل : كتب الله عليكم الصيام ..وإنما قال : كتب عليكم الصيام ...

والملاحظ في التعبير القرآني المعجز أنه عندما يشرع تشريعات ثقيلة ، ويأمر بأوامر شاقة يعبر بفعل مبني للمجهول ، ويحذف الفاعل ، وهو معلوم ، لأنه لا يشرع إلا الله ...

كما في قوله تعالى : ( .. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ..) .. وفي قوله تعالى : (.. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..)..

وأخبرتنا الآية أن الله كتب الصيام على الذين من قبلنا : (.. كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ..)

والحكمة من ذلك أن يهون علينا هذا الصيام ..فلسنا أول من يصومون..وإنما صام كل المؤمنين السابقين ..

وجاءت الجملة : " كما كتب على الذين من قبلكم " مجملة مبهمة ..ولم تبين كيفية صيام الذين من قبلنا..

ودل هذا على أن كل نبي سابق امر قومه بالصيام ..

 

مع آيات الصيام : 5

" لعل " :كم مرة مذكورة في آيات الصيام ؟؟

مذكورة أربع مرات :

1 _ " ...لعلكم تتقون .."

2 _ "... لعلكم تشكرون .."

3 _ "...لعلهم يرشدون .."

4 _ " ...لعلهم يتقون ..."

في المرة الأولى والثانية وردت خطابا من الله للمؤمنين : " لعلكم تتقون "... و " لعلكم تشكرون .."

وفي المرة الثالثة والرابعة وردت إخبارا من الله عن المؤمنين : " لعلهم يرشدون "...و "..لعلهم يتقون "

وهذا من روعة القسمة الدقيقة في القرآن ..مرتان لعلكم... ومرتان لعلهم...

ونعلم أن :" لعل "من أخوات :" إن" ..ترفع الخبر ، وتنصب الاسم ..

وهي حرف للترجي ..فأنت تخاطب طالبا وتقول له : ادرس لعلك تنجح..فأنت لا تعرف هل سينجح أم لا..ولكنك ترجو أن ينجح...

أما إذا قال الله في القرآن : " لعل" فإنها ليست للترجي ...وإنما هي لليقين ..

وهذه قاعدة قرآنية مطردة : إذا قال الله في القرآن "لعل "فهي للجزم ..وليس للترجي ..لأن الله لا يرجو ..بل يجزم جزما..

لقد ذكرت آيات الصيام ثلاث حكم للصيام..

ومن صام صياما صحيحا حقق هذه الحكم الربانية الثلاثة ..

 

مع آيات الصيام : 6

الحكمة الأولى للصيام : " ..لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"..

الحكمة الأولى من حكم تكليفنا بصيام رمضان هي التقوى..

وكأن الجملة : " لعلكم تتقون " جواب على تساؤل يثور في الذهن : لماذا يا ربنا أوجبت علينا الصيام ؟؟

فيأتيه الجواب في الجملة : أوجبت عليكم الصيام لعلكم تتقون ..

من صام الصيام الصحيح ..وبالطريقة الصحيحة على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم يحقق التقوى في حياته وكيانه ..

ونعترف بمرارة أن كثيرا من الصائمين في زماننا لا يحققون التقوى في حياتهم ..فيكون صيامهم مجرد امتناع عن المفطرات المادية فقط ...

لا بد أن يلحظ الصائم زيادة مستوى التقوى عنده ..بعد كل يوم ينتهي من صيامه ...فما أن ينتهي من صيام رمضان كله حتى يرى مستوى التقوى عنده وصل مستوى عاليا ..

ومفعول :" تتقون " في الآية محذوف ..والتقدير : لعلكم تتقون الله ..

وتقوى الله بأداء ما اوجب وفرض ... وترك ما حرمه ونهى عنه ..والتقرب إليه بصالح الاعمال والاقوال..

كيف التقوى عندكم أيها الأعزاء الصائمون ؟؟ وما هو مستواها في حياتكم وكيانكم ؟؟..

 

مع آيات الصيام : 7

الحكمة الثانية للصيام : " ... ولعلكم تشكرون .."..

وردت هذه الحكمة الثانية في الآية الثالثة من آيات الصيام ، حيث ختمت بها الآية ..قال تعالى : (...ولتكملوا العدة ..ولتكبروا الله على ما هداكم ... ولعلكم تشكرون ..)..

والخطاب في :" تشكرون " للمؤمنين ..ومفعوله محذوف .. والتقدير : لعلكم تشكرون الله..

وشكر المؤمن لربه حكمة من حكم الصيام ..وثمرة من ثماره ..

وشكر الله بالثناء عليه ..وحمده.. حبه.. وذكره ...

المؤمن يشكر الله لإنعامه عليه ..وهو يعلم أنه مهما شكره فهو مقصر ..لأن نعم الله عليه لا تحصى ...

وصلة الشكر بالصيام قوية ..لأن الصيام نعمة من الله ..ولذلك يشكر الصائم ربه ، لأنه أنعم عليه بالصيام..

أيها الصائم العزيز : كلما انقضى يوم من أيام رمضان..اشكر الله الذي أعانك على صيامه وذكره ...وعندما ينتهي رمضان اشكر الله الذي أعانك على صيامه كله ...

فأنت دائم الشكر لله ، والثناء عليه بما هو أهله...

 

مع آيات الصيام : 8

الحكمة الثالثة للصيام : (..لعلهم يرشدون..)

وردت هذه الحكمة الثالثة في الآية الرابعة ، وهي قوله تعالى: (..فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ..لعلهم يرشدون ..)

ومعنى هذا أن الصيام يحقق الرشد للصائم..إذا كان صيامه بالطريقة الصحيحة ..

والرشدهو النضج والاتزان ..وحسن التفكير والتعبير ..وحسن التصرف والفعل ..وحسن معايشة الحياة..

والمؤمنون هم الراشدون ..اي : هم الناضجون المتزنون ..قال تعالى عنهم : (... أولئك هم الراشدون ..)..

والصيام الصحيح يحقق الرشد والنضج والاتزان !! أتعرف كيف ؟؟

لأن الصائم يستعلي على شهواته..ولا يكون اسيرا لها ..

والشهوات التي تتحكم في الإنسان ثلاثة أساسية ، هي : شهوات الطعام ...والشراب .. والجنس !!..

والصائم استعلى على هذه الشهوات الثلاث طيلة نهار رمضان ..وجاهد نفسه كي لا تخضع لها ..ونجح في هذه المجاهدة ..وبذلك صار راشدا ناضجا ..

الذين استعبدتهم الشهوات سفهاء ..ومراهقون ..وعبيد للشهوات ..وتعساء ..تعس عبد الدينار ..تعس عبد الدرهم ..تعس عبد الخميصة ...

والذين لم تستعبدهم الشهوات هم وحدهم الراشدون الناضجون ...

والصيام فرصة مناسبة لك أيها الصائم لتجاهد نفسك ..وتستعلي على شهواتك ..لتكون راشدا..

مع آيات الصيام : 9

الناسخ والمنسوخ في فرض الصيام !!

 كان تدرج من الله الحكيم في فرض صيام رمضان على المسلمين ..

فرض الله صيام رمضان على التخيير ...ثم نسخ الله التخيير ..وأوجب صيامه على كل قادر حاضر ..غير مريض ولا مسافر ..

ورد التخيير بالصيام في الآية الثانية من آيات الصيام ..وهي قوله تعالى :( ..فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ..) ..( البقرة : 184 )..

وأوجب الله صيام رمضان على كل مسلم مقيم صحيح ..

والناسخ للآية السابقة الآية الي بعدها مباشرة ..والجملة الناسخة هي قوله تعالى : ( ...فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..) ..( البقرة : 185 )..

معنى هذا أن قوله تعالى : ( ..وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) منسوخ..

ومعنى : " يطيقونه " : يقدرون على صيامه ..ويستطيعونه..

وقوله تعالى : (.. وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ...) منسوخ أيضا ..لأنه يرغب المخيرين بالصيام..

والدليل على نسخ الآية الثانية التي جعلت الصيام مخيرا ..بالآية الثالثة التي نسخت التخيير بالإيجاب..الدليل على هذا النسخ :

ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن مجموعة من علماء الصحابة.. منهم : معاذ بن جبل ..و البراء بن عازب ..وسلمة بن الأكوع ..وأبي ذر الغفاري .. وعبد الله بن عباس ...وغيرهم ..رضي الله عنهم ..

المهم أن قوله تعالى : (...فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..) نص قرآني قاطع صريح مستمر دائم على إيجاب الصيام على كل مسلم غير مريض وغير مسافر ..وعلى كل امرأة غيرحائض وغير نفساء ...حتى قيام الساعة....

 

مع آيات الصيام : 10

صيام رمضان بين الفرض والرخصة بالفطر !!

قلنا إن التخيير بالصيام منسوخ بوجوبه والإلزام به ..

وقلنا إ ن النص الناسخ الملزم بالصيام هو قوله تعالى : ( ..فمن شهد منكم الشهر فليصمه ..ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ..)...

وهذا النص الناسخ مكون من جملتين :

الجملة الأولى : " فمن شهد منكم الشهر فليصمه .."..

هذه الجملة نص قرآني صريح في إيجاب الصيام على كل من شهد شهر رمضان ، وإلزامه به ..

والمراد بالشهود هنا الحضور ..

والمعنى : من دخل عليه شهر رمضان وهو أهل للتكليف ، وليس عنده عذر يمنعه من الصيام وجب عليه صيام الشهر ..فالشهود هنا بمعنى التكليف ..

الجملة الثانية : قوله تعالى : " ..ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر .."..

هذه الجملة تحمل الرخصة بالفطر لغير القادر على الصيام ..وهو الذي لم يشهد الشهر ..أي : دخل عليه الشهر وهو غير مكلف بالصيام ، لأنه صاحب عذر..

وأصحاب الأعذار الذين يرخص لهم بالفطر ثلاثة أصناف ..

ذكرت الآية صنفين ..وذكرت السنة الصنف الثالث ..

الصنف الأول : المريض .. ذكرا كان أم أنثى .. وهوالذي لا يستطيع الصيام لمرضه : " فمن كان مريضا ..."

الصنف الثاني : المسافر ..ذكرا كان أم أنثى ..وهوالمسافر فعلا ..الذي غادر مكان إقامته : " أو على سفر .."..

الصنف الثالث : مذكور في السنة .. وهو خاص بالنساء ..فالمرأة التي لا تصوم هي الحائض والنفساء ..

إذا أفطر أي صنف من هذه الأصناف أياما من رمضان وجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها : "..فعدة من أيام أخر .."..

والرائع في التعبير القرآني المعجز ورود جملتين متتابعتين في الآية التي أمامنا : الجملة الأولى توجب الصيام ..والجملة الثانية التي بعدها مباشرة تقدم الرخصة بالفطر لغير القادر على الصيام ...

 

مع آيات الصيام : 11

" ..رمضان ..الذي أنزل فيه القرآن .."

أشارت آيات الصيام إلى إنزال القرآن في رمضان ..قال تعالى : (...شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ..هدى للناس ..وبينات من الهدى والفرقان ...)..

ودل هذا على تلازم وترابط رمضان والقرآن...بحيث لا يمكن الفصل بينهما..

وشاء الله الحكيم إنزال القرآن في رمضان ..كما شاء فرض الصيام في رمضان ..

فهذا الشهر المبارك : شهر الصيام ... وشهر القرآن ..

والقرآن لم ينزل كله في رمضان ..بل استمر إنزاله ثلاثا وعشرين سنة ..

فمعنى الجملة :" الذي أنزل فيه القرآن " ..الذي ابتدأ إنزاله في رمضان..

ومعلوم أنه ابتدأ إنزال القرآن في ليلة القدر ..الليلة المباركة ..التي هي من ليالي رمضان ..

ووصفت الآية القرآن بصفتين ، هما : " ..هدى للناس .....وبينات من الهدى والفرقان .."..

وكل الصائمين يربطون بين الصيام والقرآن ..فتجدهم يقبلون على القرآن في رمضان إقبالا خاصا ..فيختمون تلاوته فيه أكثر من مرة ...

واحمد لله رب العالمين ..الذي أنعم علينا بنعمتين عظيمتين في شهر رمضان : نعمة إنزال القرآن ..... ونعمة إيجاب الصيام ...

 

مع آيات الصيام : 12

"..يريد الله بكم اليسر .."

هذه الجملة الحكيمة وردت في الآية الثالثة من آيات الصيام ..في سياق الحديث عن أحكام الصيام..

قال تعالى : "... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .."

تقرر هذه الجملة الحكيمة قاعدة مطردة في حكمة اله من الواجبات التي أوجبها الله على المسلمين ..إنه يوجبها عليهم لأنه يريد بهم اليسر..

لماذا ذكر هذه القاعدة في سياق عرض أحكام الصيام ؟؟؟

لأن في الصيام مشقة وتعب ..لما فيه من جهد وجوع وعطش ..قد يؤدي إلى الإرهاق..

لكن هذا شيء ..والعسر والضيق شيء آخر..

الله لا يريد بالمسلمين عسرا ولا ضيقا ولا اذى !!

في التكاليف الشرعية تعب ومشقة وجهد ..نعم ..لكن هذا ليس عسرا..هذا يسر وخير وبركة !!

لماذامشقة الصيام وتعبه يسر ؟؟

لما في الصيام من فوائد ونتائج إيجابية ..للروح والقلب والحياة ..وأجر وثواب ..والمشقة تزول بلحظة الإفطار..

ولذلك كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم : " ذهب الظمأ .. وابتلت العروق .. وثبت الأجر ..إن شاء الله .."

 

مع آيات الصيام : 13

مع قوله تعالى : (... ولتكملوا العدة ...ولتكبروا الله على ما هداكم ...ولعلكم تشكرون ..)..

هذه ثلاث جمل تعليلية ..في الاية الثالثة من ايات الصيام..تعلل امر الله من اجاز له افطر لمرضه اوسفره بالفطر..ثم امره بالقضاء ..وهو المذكور في وسط الاية : " ...ومن كان مريضا او على سفر ..فعدة من ايام اخر .."..

يجب على من رخص له بالفطر ان يقضي الايام التي افطرها بعد رمضان ..

لماذا اوجب على أصحاب الاعذار القضاء ؟؟

الجواب في هذه الجملة : " ..لتكملوا العدة ".. 
والمراد بالعدة هنا عدد ايام رمضان ..

من افطر خمسة ايام مثلا بسبب المرض فعدد ايام الشهر عنده ناقصة ..ولذلك وجب عليه القضاء ليكمل العدة ..

وتتحدث الجملة الثانية عن التكبير : " ..ولتكبروا الله على ما هداكم ..".. والمراد بالتكبير هنا ..التكبير عند الخروج لصلاة عيد الفطر ..حيث يبقى المسلمون يكبرون حتى اداء صلاة العيد ..شكرا لله على ما انعم به عليهم من اكمال عدة الشهر ، وعلى هدايتهم للحق : " ..ولتكبروا الله على ما هداكم .. ولعلكم تشكرون .."..

والعدة : اسم بمعنى العد ..ويراد بها اكمال عدد ايام شهر رمضان ..فالمسلم القادر المقيم يصومها متتابعة ..ويكمل العدة في اخر ايام رمضان ..ثم يشكر الله في تكبيرات صباح العيد ..

ومن افطر لعذر وجب عليه القضاء ..ليكمل العدة بعد القضاء ...

 

مع آيات الصيام : 14

آية الدعاء وسط ايات الصيام ..

قلناان ايات الصيام خمس آيات متتابعات في سورة البقرة ..

واللافت للنظر ان اية الدعاء وسط ايات الصيام ..وهي الاية الرابعة من الايات الخمس..

قبلها ثلاث ايات تتحدث عن احكام الصيام : ( 183 _ 185) ...

وبعدها الاية الخامسة :( 187 )....

وهي في الوسط : ( 186 ) ..

والسؤال الذي يطرح نفسه : ما حكمة وضع اية الدعاء وسط ايات الصيام ؟ وما هي الصلة بين الصيام والدعاء ؟؟

يدل هذا على الصلة الوثيقة بين الصيام والدعاء ..

الصيام جو عبادي مناسب للدعاء..والصائم في حالة ايمانية عالية تهيؤه للدعاء ..والصائم في اقرب حالات قربه من ربه وهو صائم ..

ولذلك يتضرع الصائم الى ربه أثناء صيامه..

ولعله لاجل هذا توسطت اية الدعاء ايات الصيام..

وافضل وقتين للدعاء يدعو بهما الصائم ربه هما :

الأول : وقت السحر .. وهو ما كان قبيل الفجر ..حيث يقوم الصائم ليتسحر..

وننصحه ان يتوجه الى الله بالدعاء بعد السحور ، وقبيل اذان الفجر ..

الوقت الثاني : قبيل فطر الصائم..وننصحه ان يدعو ربه متضرعا اليه قبيل اذان المغرب ..في اخر ساعات صيامه الطويلة ..

وان يدعو ربه صائمامن علامات قبول دعائه ...

ننصح كل صائم ان يدعو الله عند فطره وعند سحوره..

وننصحه ان يدعو في ثلاثة مجالات :

الاول : يدعو لنفسه واهله واسرته وابنائه وبناته واقاربه وارحامه ..بجوامع الدعاء ..

الثاني : ان يدعو للمسلمين على العموم ..بالفرج والخير والهداية والصلاح ..وان يدعو للمجاهدين والمرابطين في غزة وبيت المقدس والارض المقدسة وباقي بلاد المسلمين بالنصر والتمكين ..

الثالث : ان يدعو على اعداء الامة في داخل البلاد وخارجها ..وان يدعو على الكافرين والظالمين والطواغيت والقتلة والمستبدين ..

والدعاء سلاح فعال خطير ..ينصب على رقاب اعداء هذا الدين ...

مع ايات الصيام : 15

روعة الحذف وحكمته في اية الدعاء !!

اية الدعاء هي الرابعة من ايات احكام الصيام الخمسة..

وهي قوله تعالى : ( واذا سالك عبادي عني فاني قريب ...اجيب دعوة الداع اذا دعان ..فليستجيبوا لي .. وليؤمنوا بي ..لعلهم يرشدون .)..( البقرة : 186 )..

ومن روعة التعبير المعجز في هذه الاية روعة الحذف..وهذا الحذف فيها مقصود وحكيم ومراد ...

فلننظر في الحذف فيها ..وحكمته :

1 _ في جملة : " فاني قريب "...كلمة محذوفة ..في اول الجملة .. وهي كلمة :" فقل " ..والتقدير : فقل اني قريب ..

فتكون الجملة الشرطية هكذا : اذا سالك عبادي عني فقل اني قريب !!

وحكمة حذف فعل " قل " رائعة ..وهي عدم وجود فاصل بين الله وعباده السائلين ! وذلك ليستشعروا قربه منهم سبحانه ..ولو ذكر الفعل ،

وقال : فقل لهم اني قريب ..لكان هناك بعد في الجواب ..والمؤمن الداعي حريص على الشعور بقربه من الله ، وقرب الله منه ..

ولذلك حذف فعل " قل " الدال على ذلك البعد !!

2 _ الحذف الثاني : حذف حرف النون الثانية من جملة : " اني "..

في :" اني " ثلاث نونات :

حرف :"ان " مكون من نونين اثنتين ..لان النون المشددة نونان اثنتان ... والنون في : : " ني " نون الوقاية ...

وبعدها الياء ..التي هي ياء المتكلم ..في محل نصب اسم : " ان " ..

ولو ذكرت النونات الثلاثة لقالت الاية : فانني ..كما ورد في ايات اخرى ..

قالت الاية : " فاني " .. ولم تقل : فانني ..وفرق بين الكلمتين ..

والنون المحذوفة هي النون الثانية من حرف " ان " ..

وحكمة حذف حرف النون من" اني " هي : الشعور والاحساس بقرب الله منه...ولذلك حذفت النون من الكلمة لتقصير الجملة وتقليل حروفها ..

وذلك لتاكيد قرب الله سبحانه من عباده الداعين ..

بقي الحديث عن حرفين اخرين محذوفين من الاية ..نتكلم عنهما في الحلقة القادمة ان شاء الله ..

مع ايات الصيام : 16

روعة الحذف في اية الدعاء : 2_2

في اية الدعاء التي هي وسط ايات الصيام حذف رائع في اربعة مواضع ..

تحدثنا في حلقة الامس عن حكمة حذف فعل : " قل " قبل : " اني قريب " .. وحكمة حذف النون الثانية في : " اني " ..

ونتكلم اان عن حكمة حذف حرفين اخرين في الاية :

حكمة حذف الياء من : " الداع" :

قوله تعالى : (.. اجيب دعوة الداع ...)

حذفت من الداع الياء في اخره ..لانه اسم منقوص مختوم بالياء ..تقول : هذا الداعي يدعو الله..

والكلمة في الاية بدون ياء : الداع ..

وحكمة حذف الياء من : " الداع " هي السرعة !! فعندمايدعو الداعي ربه فانه يكون مسرعافي الدعاء..متضرعا الى الله ..مقبلا عليه ..

وتفاعلت كلمة : " الداع " مع حالة صاحبها ونفسيته وتلهفه ..فتخففت الكلمة من احد حروفها ، وهو الياء في اخرها ..

من باب التوافق بين حروف الكلمة والحالة التي تتحدث عنها !!..

الحرف الثاني المحذوف هو الياء من فعل : " دعان ".. وذلك في جملة : " ....اذا دعان "...

اصل الكلمة : " دعاني "..

لان : " دعا ": فعل ماض .. وفاعله تقديره :" هو " ..يعود على الداعي .. والنون : نون الوقاية ..

والياء المحذوفة : " دعاني " : مفعول به .. وهي المتكلم تعود على الله ..

وحكمة حذف ياء المتكلم من الفعل : " دعان ".. هي السرعة ..

ان الداعي يدعو الله ..وهو يتعجل الاجابة، ويتمنى لو تتم الاجابة من الله بعد لحظة...فحذفت الياء من الفعل ليتوافق الفعل مع الحالة التي يتحدث عنها !!

وهذا من روعة ودقة التعبير القراني ..فهو معجز في الحرف الذي يذكره .. ومعجز في الحرف الذي يحذفه ..

اين نحن من الوقوف على هذه اللطائف القرانية ..ومن الاستمتاع بتذوقها ؟؟!!..

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل