الفرح بالقرآن - د. عقيل الشمري

الفرح بالقرآن

للدكتور عقيل الشمري

 يقول الله عزَّ وجل: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس:58]  فسَّرها جماعة من السلف: على أن "فضل الله" الذي أمرنا الله أن نفرح به: هو هذا القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة:158] .

   ومن القواعد المقرَّرة في علم "تدبر القرآن" أنَّ كل ما بعد كلمة "الذي"  الذي يسمَّى  "صلة الموصول"أنه هو : العِلَّة؛ يعني: هو السبب (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة:158] يعني: عِلَّة تفضيل شهر رمضان هو: أن الله أنزل فيه القرآن.

من الأعمال الصالحة التي تدل عليها هذه الآية (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)[يونس:58]: أن يفرح الإنسان بالقرآن، فهذا من الأعمال الصالحة:

- أن يفرح أن الله أنزل القرآن.

- وأنَّ الله تكلَّم بالقرآن.

- وأنَّ الله أعطانا القرآن.

- وأنَّ الله شرَّف هذه الأمة به.

مجرد هذا فرح؛ مجرد معرفة هذا والفرح به، هذا هو الإيمان الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به في هذه الآية.

الفائدة الثانية:  هذه الآية (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)[يونس:58]تدُلُّ على أنَّ كُلَّ مَنْ لم يكن القرآن سلوة أحزانه؛ فلا يوجد شيء يستحق الفرح؛ إذ أنَّ ما عداه هو (مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].

كل ما عدا القرآن من مظاهر الحياة الدنيا التي قد نفرح بها؛ كُلُّها داخلة تحت   (مِّمَّا يَجْمَعُونَ)،فيدخل فيها:

- الأموال.

- والأولاد.

- ومظاهر الدنيا، وأمور الدنيا كلها.

بقي الشيء الوحيد الذي هو فضلٌ ورحمة: هو هذا القرآن.

  ولهذا –نحن يا إخوة- في هذا الشهر العظيم والفضيل مما نتقرَّب به إلى الله : أننا نفرح أن عندنا شيء اسمه "القرآن الكريم"نفرح به فرح، مظاهر هذا الفرح يقودُنا إلى عِدَّة أشياء:

- أول قضية من مظاهر الفرح بفضل الله وبرحمته: هو تخصيص "حمد الله" إذ أنه أنزل علينا القرآن، الله حمد نفسه المقدَّسة المسبَّحة سبحانه وتعالى، الله حمد نفسه وذكر سبب الحمد هو أنه أنزل هذا القرآن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا)[الكهف:1] الله يحمد نفسه على أنه رَحِمَ هذه الأمة المحمدية فأنزل عليها القرآن.

- ومن آثار الفرح بالقرآن:

- قراءته.

- وتدبره.

- وحفظه.

- والقيام به.

- وتأمُّل معانيه.

- وجَرْده من أوله إلى آخره.

- وإتقانه.

سماع القرآن لذَّة، وقراءته لذَّة.

- من الفرح بالقرآن-يا إخوة- : أنَّ القرآن ارتبط بالملائكة؛ تحب سماع القرآن، وتنزل من السماء لقارئ القرآن، وكلكم تعرفون أُسيد بن حُضير في هذا الباب حينما كان يقرأ وكان نور من السماء ينزل، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هذه الملائكة تنزَّلت لقراءتك).

   هذا الحديث -الذي في الصحيحين- استنبط منه بعض أهل العلم : أن الملائكة تحب سماع القرآن لأن الله لم يُنْزِل عليها القرآن وأنزله على البشر، ولهذا الملائكة تحب سماعه، فأيُّ تالٍ للقرآن تَنْزِل عليه الملائكة، حتى أنه جاء في بعض الآثار -والأثر فيه مقال- أن هناك من الملائكة لمحبته للقرآن يضع فاهُ على فم صاحب القرآن إذا قرأ حتى يقع القرآن من فم الرجل إلى فم الملَك مباشرة؛ من محبة الملائكة للقرآن.

قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلـم: (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)[طه:2] هذه الآية يستنبط منها: أن جميع أنواع الشقاء علاجها: هو في القرآن.

أيها الإخوة: حتى أُبيِّن لكم حاجتنا الماسَّة جداً وحاجة هذه الأمة المباركة إلى كتاب ربها: الله سبحانه وتعالى سمَّى القرآن "شفاء" ما سمَّاه "دواء" (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ)[الإسراء:82] ومن أسرار هذا اللفظ؛ ومن حِكم هذا اللفظ: أنَّ أيّ إنسان يحتاج للقرآن حتى المعافى، حتى التقي.

   النبي  صلى الله عليه وسلـم على علو منزلته لا يمكن أن يستغني عن آيات الله وعن قراءة كتاب الله وهو مَنْ بلغ في منزلة النبوة، لأن القرآن شفاء:

-         القرآن شفاء لأمراض القلوب.

-         شفاء للأمة كاملة.

ابن مسعود يتكلَّم عن القرآن -هذا الكتاب الذي أعطانا الله إياه وهو شرفنا نحن هذه الأمة المحمدية-  فيقول: ( إن الله جمع في هذا القرآن علم الأولين والآخرين) يعني: من عهد آدم إلى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلـم، هذه السنوات الطويلة بأيامها ولياليها زُبدة ما فيها؛ اختصار ما فيها: أنزله الله في القرآن، والباقي ليس لنا فيه فائدة، ولهذا الله تركه من هذا التاريخ، ما اختار لنا في هذا التاريخ الطويل مما يفيدنا إلا ما ذكره الله لنا في القرآن، يعني أنَّ الله أعطانا خلاصة تجارب تلك الأمم، ثم قال ابن مسعود: ( إن الله جمع علم الأولين والآخرين في القرآن، وجمع علم القرآن في الفاتحة، وجمع علم الفاتحة في آية "إياك نعبد وإياك نستعين").  

هذا فقه السلف في القرآن، آية واحدة يرون أنها قوام الدين.

جاء هذا الشهر العظيم -وأختم بهذه المعلومة- :وهذا من الفرح بالقرآن: جاء هذا الشهر ليربط المسلم، يجدِّد علاقة الإنسان المسلم بكتاب ربه؛ علاقة حفظ.

لماذا البعض منَّا -يا إخوة- أزال من ذهنه حفظ القرآن؟!

مع أنها منزلة عالية، حتى أن هناك بعض المحدثين من استنبط من حديث: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقْرَأْ وَارْتَقِ) استنبط منه: أن الشخص الوحيد الذي تتوقف جميع أعمال الناس إلا هو، تتوقف جميع حسنات الناس إلا هو، هو الشخص حافظ القرآن، لأن الله يقول له: (اقْرَأْ وَارْتَقِ) فهو الوحيد الذي الله يجزيه على حسناته في الآخرة.   

-         القرآن -يا إخوة- مع المؤمن في دنياه ومعه في آخرته، هذا الرجل الذي قيل له: (اقْرَأْ وَارْتَقِ) لمَّا تفتش في حال دنياه كان مرتبطاً بالقرآن، ولهذا القرآن لم يتخلَّى عنه.

-         لمَّا ذكر النبي صلى الله عليه وسلـم -في حديث أُمامة في صحيح مسلم- لمَّا ذكر سورتي البقرة  وآل عمران؛ قال: (تأتيان كأنهما غمامتان تحاجَّان عن صاحبها) تدافع عنك؛ لأن القرآن لا يمكن أن يترك صاحبه.

-         أبوبكر بن عبدالله المُزني -من التابعين- كان يقول: (من أراد خير الدنيا فعليه بالقرآن،  ومن أراد خير الآخرة فعليه بالقرآن، من أراد خيري الدنيا والآخرة فعليه بالقرآن). رجع الفضل إلى كتاب الله، ولهذا والله –يا إخوة-بين أيدينا كنز عظيم، وجاء هذا الشهر المبارك لأجل أن يرتبط الإنسان بهذا القرآن قراءةً وتأمُّلاً وحفظاً وتدبراً وفقهاً ومعرفة.

نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم والمسلمين عامَّة العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيننا وإياكم على أنفسنا، والله  أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

رابط المقطع::

/>

أو الرابط:

 https://safeshare.tv/w/ss57576890df49f



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل