أسلوب النداء في القرآن الكريم أسراره وخصائصه البلاغية

أسلوب النداء في القرآن الكريم أسراره وخصائصه البلاغية

د. مناهل عبد الرحمن الفضل 

 النداء هو الدعاء برفع الصوت والمنادى هو المطلوب إقباله بحرف مخصوص .

للنداء سبعة أحرف ، منها ما هو مختص بنداء البعيد حساً أو حكماً ، وهو المنزل منزلة البعيد ، لنوم أو سهو أو ارتفاع محل أو انخفاضه ، ومن ثم استعملت في نداء العبد ربَّه ، ونداء الرب عبدَه ، كقوله تعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا ) ومنها ما هو مختص بنداء القريب.
  وهي : يا، وتستعمل في كل حالات النداء ، وآ ، وأيا، وهيا للمنادى البعيد ، وأي والهمزة للمنادى القريب ، ووا للمنادى المندوب ، من ذلك قوله تعالى: ( قيل يا نوحُ اهبط بسلام منّا ).
أكثر حروف النداء استعمالاً:
يعد حرف النداء( ياء ) أكثر حروف النداء استعمالاً فهو أصل حروف النداء وله من الخصائص ما ليس لغيره منها 
ــ لا يقدّر عند الحذف سواه، ولا ينادى اسم الله عز وجل إلا به ، وكذلك اسم المستغاث وأيها وأيتها .
ــ ولم يستعمل القرآن الكريم من أدوات النداء سواه ،وقد كثر ورودها مع (أي) يضاف إليها (ها)، وفسر كثرة النداء به في القرآن بأن مواجهة المخاطب بالأوامر والنواهي مباشرة فيها جفوة وقسوة ، لذا كان أسلوب النداء لما في أداة النداء من توكيد ومبالغة ، إذ فيها يستثار المنادى ويحرك ويتنبه لما يلقى إليه من أوامر ونواه ، فإذا ألقي إليه الكلام كان مستعداً لتقبله .
حذف حرف النداء:
يجوز حذف حرف النداء لغرض بلاغي وهو الإيجاز ، كقوله تعالى : ( يُوسفُ أعرِضْ عن هذا ) ونحو: ( أنْ أدُّوا إليَّ عبادَ الله ) أي: أدّوا إليَّ الطاعة يا عبادَ الله.
    ويمتنع حذف أداة النداء مع اسم الله–عزوجل –إلا إذا عوضت عنه الميم المشددة في آخره نحو:( سبحانك اللّهُمَّ ) 
أنواع المنادى:
للمنادى خمسة أنواع منها ما هو مبني ، ومنها ما هو معرب .
بناء المنادى:
يبنى المنادى على ما كان يرفع به سواءً أكان تعريفه سابقاً على النداء وهو العلم المفرد، نحو قوله تعالى: 
( وقلنا يا آدمُ اسكن أنت وزَوْجُك الجنة )  ، أم حاصلاً بالنداء وهو النكرة المقصودة ، كقوله تعالى : ( يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ) ، لأنه صار بالنداء معرفاً .
ف( آدم  ، ونار ) : منادى مبني على الضم في محل نصب.
ما يجب نصبه في النداء:
يجب نصب المنادى إذا كان واحداً مما يأتي: 
- النكرة غير المقصودة ، ونقصد بها النكرة الشائعة أو غير المحددة ، أو التي لا يقصد بها فرد معين كقول الأعمى: ( يا رجلاً خذ بيدي ) ، فـ( رجلاً ): منادى منصوب لأنه نكرة غير مقصودة.
   - المنادى المضاف ، كقوله تعالى: ( ربنا اغْفِرْ لنا ذُنُوبَنَا ) أي: يا ربّنا ، و( ربّنا ): منادى منصوب وهو مضاف والضمير (نا) في محل جر مضاف إليه.
   - المنادى الشبيه بالمضاف ، وهو ما اتصل به شيءٌ من تمام معناه ، فلا يتم معناه إلا بما جاء بعده من فاعل أو مفعول أو جار ومجرور نحو: يا جميلاً وجْهُه ، فـ(جميلاً ): منادى منصوب لأنه شبيه بالمضاف.
نداء المعرّف بـ( أل ):
يتوصل إلى نداء ما فيه (أل) عن طريق الإتيان بكلمة (أي) و(أية) قال تعالى: ( يا أيُّها الإنسانُ ما غرّك بربِّك الكريم )، ( يا أيُّها النبيُّ جاهدِ الكفارَ والمنافقين )،( يا أيُّتها النفسُ المطمئنة ) فالمنادى الحقيقي هو( الإنسان ، النبي ، النفس).
    المنادى المضاف لياء المتكلم:
إذا أضيف المنادى إلى ياء المتكلم فله ثلاثة أوجه:
- تحريك الياء بالفتح كقوله تعالى: ( يا عبادِيَ الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإيّايَ فاعبُدُون ).
- تسكين الياء ، مثل: يا أخيْ لا تمِلْ بوجهك عني.
- حذف الياء وإبقاء الحركة دليلاً عليها مثل قوله تعالى: ( يا عبادِ فاتقون ).
الأغراض البلاغية للنداء في القرآن الكريم:
قد يخرج النداء عن معناه الأصلي إلى معانٍ أخرى تفهم من السياق وقرائن الأحوال ، من ذلك:
1- المدح ، مثل نداء الله رسله وأنبياءه والمؤمنين ، قال تعالى: ( يا أيها الرسول ) و( يا أيها النبي ) و( يا أيها الذين آمنوا ).
2- الذم ، مثل نداءات العصاة والكفار نحو: ( يا أيها الذين كفروا ) وفيها تنبيه على بعدهم وعدم طاعتهم لأوامر الله سبحانه وتعالى .
       3- التنبيه ، مثل: ( يا أيها الناس ) مما فيه تنبيه وحث إلى ما يجب عمله.
      4- التهديد ، كقوله تعالى على لسان قوم لوط عليه السلام : ( لئِن لم تَنتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِن المُخْرَجِين ).
    5- تنزيل القريب منزلة البعيد ، لغرض التعظيم وعلو الشأن ، نحو قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلينِ من رحمته ) ، أو للحرص على إقبال المنادى حتى كأنه بعيد ، قال تعالى:   ( قالوا يا نوحُ اهبِط بسلامٍ منا وبركات ).
    6- التفجع ، نحو: ( قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ) .
     7- التحسر ، نحو: ( يا حَسْرَتَنَا على ما فَرَّطْنَا فيها ) ، ( يا ليتني كنت ترابا ).
     8- التمني ، نحو: ( يا ليتني متُّ قبل هذا )
      9- التأسف ، وهو الحزن الشديد ، نحو: ( يا أسفي على يوسف ).
        10- الدعاء ، نحو: ( ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً ).
         11- الالتماس ، نحو: ( يا بَنِيَّ اذهَبُوا فتحسسوا من يُوسُفَ وأخيه ).
12- الاستعطاف ، نحو: ( قال يبنؤمِّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ).
13- التعظيم والتبجيل ، نحو: ( يا أيُّها الرسولُ بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك ).
14- التحدي والتعجيز، نحو: ( يا مَعْشَرَ الجنِّ والإنسِ إنْ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقطارِ السمواتِ والأرضِ فانْفُذُوا).
15- التشنييع ، نحو: ( يا أهلَ الكتابِ قد جاءَكُم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لكم كثيراً مِمَّا كُنتُم تُخْفُونَ من الكتابِ ويعفوا عن كثير). 
16- التعجب ، كقولك لشخص: يا لك من رجل كريم ، فأنت لا تريد أن تناديه وإنما تريد التعجب من حاله ومن كرمه.
أمثلة من أنواع النداءات القرآنية:
- نداء الإنسان ، ونداء الناس :
- نداء الإنسان ، فقد جاء في قوله تعالى: ( يا أيّها الإنسانُ ما غرّك بربِّك الكريم ) ، و ( يا أيّها الإنسانُ إنك كادحٌ إلى ربِّك كدحاً فملاقيه ) ، وهاتان هما الآيتان اللتان نودي فيهما الخلق بلفظ ( الإنسان ) ، فهو خطاب مراد به العموم .
- نداء الناس ، وقد كثر في القرآن الكريم وذلك لأن التكاليف الشرعية عامة والكل مطالب بها ، ولفظ الناس من الألفاظ الجامعة فلذا أريد خطاب الجنس ، فنداء الناس لإيقاظ الغفلة والتنبيه.
- نداء الرسول والنبي :
وفي القرآن وجه النداء للرسل جمعاً وللرسول مفرداً وللنبي ، فجاء قوله تعالى : ( يا أيُّها الرُّسُلُ كلوا من الطيباتِ واعمَلُوا صالِحا ) ، و ( يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ في الكفرِ ) و( يا أيّها النبيُّ لِمَ تُحرِمُ ما أحلَّ اللهُ لك ) .
والخطاب بوصف النبوة أكثر وروداً في القرآن الكريم ، وتخصيص النداء بلفظ النبي قيل إنه يكون في أمر التشريع الخاص ، أما النداء بلفظ الرسول فيكون في أمور التشريع العامة.
كذلك هناك نداء الأنبياء أقوامهم ، فهو يظهر مدى حنوهم عليهم واستمالتهم لهم وتحبيبهم فيما يدعونهم إليه. 
أما نداء العبد ربَّه ففيه من الخوف والرهبة والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، ولذلك نجده ينادي ربَّه بدون حرف نداء حتى لا يكون هناك فاصل أو حاجز يحول بينه وبين ربه ، وهو تعبير عن الشعور بقربه من ربه ، كقوله تعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا...).
أما نداء الجمادات وما لا يعقل ففيه تصوير وتجسيد من جانب ، وعظة وعبرة من جانب آخر ، قال تعالى: ( وَقِيلَ يا أرضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سماءُ أقْلِعِي وَغِيضَ الماءُ واسْتَوَتْ على الجُودِي).
حيث نوديت الأرض ثم أُمرت ( يا أرضُ ابْلَعِي ) ثم أتبع ذلك نداء السماء وأمرها ( ويا سماءُ أقْلِعِي ) فالنداء بحرف (يا) دون (أي) لكونها أكثر استعمالاً وأنها دالة على بعد المنادى ، وإظهار العظمة والعزة والجبروت لله تعالى.
من الملاحظ أنه ورد في القرآن الكريم دخول حرف النداء على ما ليس بمنادى كقوله تعالى: ( قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) ، ( يا حسرةً على العباد ما يأتيهم من رسولٍ إلا كانوا به يستهزئون ) فقيل إن (يا) للنداء والمنادى محذوف ، وقيل هي لمجرد التنبيه.
وفي ذلك قال ابن مالك إن وليها دعاء أو أمر فهي للنداء ، لكثرة وقوع النداء قبل الدعاء والأمر ، وإلا فهي للتنبيه.       
المصدر: اللغة العربية


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل