تفسير سورة آل عمران - المجلس الخامس - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس الخامس - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

ثمّ قال الله U)هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ(ما معنى لكم به علم ؟

قال ابن عطيّة في تفسيره : أيّ ما لكُم به علمٌ على زَعمِكُم .

أمَّا الطَّبري فإنَّه يقول : ما لهم به علم من جِهَة كُتُبِهم وأنبائهم ممّا أيقنوه وثبت عندهم صِحَّته .

يعني يقول الله - تبارك وتعالى - )هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ( في قَضَايا كثيرة فيما هو موجود حقيقة عندكم . لكن )فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(. ثمّ قال الله Uمُقرِّراً هذه القضيّة )مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا(الحنيفهو المائل عن الشّرك )حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ( يعني إنكم أنتم يا اليهود والنصارى أشركتم، خاتمة الآية تدل على أنكم أشركتم بالله ، كما قال الله عزّ وجل في سورة البقرة )وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ([1] ثم قال الله تبارك وتعالى أنتم تدَّعُون أنَّكُم أتباع إبراهيم فقال )إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ( من ؟ )لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ( حتى لا يدَّعُون أنّهم أتباع إبراهيم قال )وَهَذَا النَّبِيُّ( هُو الذِّي اتبّع إبراهيم وهُو من نَسل إبراهيم uلأنّه من وَلَد من ؟ إسماعيل . )وَالَّذِينَ آَمَنُوا( كذلك أتباعُ إبراهيم على الإسلام ، لأنَّ الإسلام بمفهومه العام الذّي هو الاستسلام لعبـادة الله وتَرك عبادة غير الله U)وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ( أيّ وليُّ جميع المؤمنين برُسُلِه .

ثمّ قال الله Uيُبيِّن أنَّ هؤلاء لا يَنتهُون وأنّهم منذُ أن بزَغ صدرُ الإسلام وهم يَكيدون لهذا الدّين وسيستَمِرُّون )وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ( يُخبِرُ تعالى عن حَسد اليَّهود للمؤمنين وبغيهم إيّاهم الإضلال ، وأخبر أنّ وَبالَ ذلك إنّما يعود على أنفسهم وهُم لا يشعرون أنّه ممكور بهم )وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( .

قال الله تعالى : )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ( بَدأ يُوجِّه الخطاب لهم )لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ( يقول الله U مُنكراً عليهم وأنتم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهَـدُون أنّها صدق وتعلمون أنّها حقّ بما أعطاكم الله Uمن الكتب . قال تعالى : )يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ( قال ابن عبّاس الحقّ إسلامُهُم بُكرةً ، والباطل كُفرُهُم عَشِيَّة . )لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ(أيّ تكتُمُون ما في كُتُبِكُم من صِفة محمد e ، اليهود كانوا يقولون قبل أن يَصِل النّبي e إلى المدينة،ما سبب إقبال النّصارى في المدينة على النَّبي e وإِيوَائِه ، لماذا ؟ كان اليَهُود يمتحنُونهم ويقولون سيخرُج نبيّ ، وسنقتُلُكُم شرّ قِتلة . وذهبوا إلى الحجّ وكانوا يقولون والله هذا النَّبي الذّي كان اليهود يمتحنونهم ، أَسرِعُوا وأَسلموا قبل أن يأتُوكُم اليهود يمتحنونكم أسلموا، اليهود لمّا بُعث النّبي ، لماذا أتَوا هُم ؟

قالوا يُبعث في أرض ذات نخل فَأَتَوا إلى المدينة هم الآن يُطالبُون بالمدينة لكن هم ليسوا من سُكّان المدينة أصلاً ولكنّهم أَتَوا لعلَّ يخرج فيهم النَّبي ، فقال الله U)يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( صِدقَ النّبي e في كُتُبِكُم مَوجُود ، عيسى مُبَّشِر بالنَّبي e ثمّ قال الرَّب جلّ وعلا )وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ( بدَأُوا بالحِيَل . )آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ( وجه النّهار : أوّل النّهار ، واكفروا آخره . لماذا ؟ يعني أسلموا أنتم عُلماء بعد صلاتكم أعلنوا قُولُوا للنَّاس نحن قد اتبّعنا مُحمّداً . بعد العَصر قولوا لا قد تراجعنا عمّا قُلناه أوّل النّهار لأننا لم نجده موجود في الكتب عندنا . اُنظر للمكر الكُبَّار لليهود .

ولذلك نرى الآن في وسائل الإعلام حقيقة تمجيد لمن ؟ إذا ارتّد إنسان مسلم رفعوه إلى السَّماء الإعلام ، إذا كان هناك عربيّ يُشَكِّك في القرآن والله لو كان من أجهل الجاهلين ، جعلوه من المُفَكِّرين العَرب يُسَّمونه لماذا ؟

هـذا مكر اليهود من قديم الزمان )آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ( ما سبب ذلك ؟ )لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( فهذه حرب شرسة .

قال ابن عبّاس   في تفسير هذه الآية [2] : قال طائفةٌ من أهل الكتاب إذا لقيتم أصحاب محمّدٍ أوّل النَّهار فآمِنُوا ، وإذا كان آخره فَصَلُّوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلَمُ مِنَّا .

ثمّ قالوا يُوصِي بعضهم )وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ( أيّ لا تَطمَئنُوا وتُظهِروا سِرَّكم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم ، أيّ لا تخبِرُون بهذه الخُطّة ، ولا تُظهِرُوا ما بأيديكم للمسلمين فيُؤمنوا به ويحتّجوا به عليكم ، أخفُوا حتى الكتب التّي تُبشِّر بالنَّبي eوهذا من المكر الكُبَّار . قال الله U)قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ( أيّ أنَّ الله U هُو الهَادي ولو مَكرتُم ولو تمالأتم ولو أخفيتم ، فإن الهدى الله U هو الذِّي يزرعه في القلوب - نسأل الله لي ولكم الهدى والتّوفيق - أيّ الله U هو الذّي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتمّ الإيمان بما يُنزّله على عبده ورسوله محمد e من الآيات البيّنات والدَّلائل القاطعات .

ثمّ قال الله عزّ وجل )قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ( أيّ لا تُظهِرُوا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلَّموه منكم ويُساوُونكم فيه ، أبقوهم على الجهل جَهِّلوهم ، فالجهل هو الوسيلة الوحيدة لإخفَاض هذه الأُمّة المحمدّية الجديدة .

قال الله U)قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ(يا أيُّها اليَّهُود اُمكُروا ، اِفعلوا ما شِئتُم ، خَطِّطوا ، كل الأمور بيد الله وتحت تصريفه وهُو المعطي والمانع ، يمنُّ على إنسانٍ بإيمان ولو كانَ من الجاهلين ، ويمنع التُّقى والهُدى ولو كُنتم أهل علمٍ وكتاب . قال تعالى )وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(أيّ اختَصَّكُم أيُّها المؤمنون من الفضل بما لا يُحدّ ولا يُوصَف بما شَرَّف به نبيَّكُم محمد e على سائر الأنبياء .

ثمّ قال الله U)وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ(قال السِّعدي في تفسيره : في مُنَاسبة هذه الآية لما قبلها أنّ الله عزّ وجل لمّا ذكر خيانتهم في الدِّين ومكرهم وكتمهم الحقّ ذكر حالهم في الأموال ، وأنَّ منهم الخائن ومنهم الأمين .

وقال ابن عطيِّة في تفسيره : أخبر الله U عن أهل الكتاب أنّهم قِسمان في الأمانة ومقصدُ الآية ذمُّ الخَونة منهم والتَّفنِيد لِرأيهم ، وكذبهم على الله في استحلالهم أموال العرب .

قال الله U)وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ( أيّ طائفة )مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ( القنـطار المال الكـثير - كما قرّرنا - )يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ(وهذا مثال على الأمين)وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا(أيّ مُطالباً ومُلازماً في إلحاح لاستخلاص حقّك ، تضع لك محاميّ حتى تُخرِج حَقّك)إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا( وإذا كان هذا صنيعه في الدّينار فما فوقهُ أولى فإذا كان في الدِّينار القليل فالكثير من باب أولى أنّه لا يُؤدّيه . مثل إذا كان يُؤدِّي القِنطار فَما أقل منه من باب أولى أنّه سيُؤدّيه .

يُذكر هُنا رِواية علَّقها البخاري [3] - رحمه الله - في صحيحه عن النَّبي e وذكر رجُلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار . فقال : ائتِني بالشُّهداء أُشهدهم فقال : كفى بالله شهيداً - وهذه من الروايات الإسرائيلية التّي نُصَدِّقُها لأنَّ النّبي eأخبر بها - قال له صاحبه : ائتني بالكفيل قال : كفى بالله وكيلاً قال صاحب المال : صدقت . فَدفَعها إليه إلى أجلٍ مُسَّمَى فخرج في البحر فقضى حاجته ، ثُمّ التمس مركباً يرَكبُ يَقدُم للأجل الذّي أجّله يُريد أن يُسدِّد فلم يجد مركباً  فأخذ خشبةً فنقَرها فأدخل فيها ألفَ دينار وكتب صحيفةً إلى صاحبه، ثمّ زجّجّ موضعها أي أَغلَقَ موضعها ثمّ أتى بها البحر ، فقال هذا الإسرائيلي : اللهُمَّ إنَّك تعلم إنّي استسلفتُ فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلُتُ كفى بالله كفيلاً فرضيَ بك ، وسألني شهيداً فقلتُ كَفى بالله شهيداً فرضِيَ بك ، وإنِّي جَهدتُ أن أَجِد مركباً أبعثُ إليه الذِّي له فلم أقدر ، وإنّي أستودُعكَ إيّاها فرمى بها في البحر حتى وَلجت فيه ثمّ انصرف . وهُو في ذلك رمى هذه من أجل أن تَصِل عُذراً أمام الله U ، وبدأ يلتمس مركباً آخر فوجد مركباً فَخَرج إلى الرَّجل ، هَذا الرَّجل الذِّي كان قد أسلَفَه خرج في الموعد ينتظر المركب لعلَّه يأتي الرّجل ، ما قدم الرَّجُل ، وإنّمَا قدمت الخشبة ! أخذ الخشبة يريد أن يكون حطباً لأهله . فلمّا أراد تكسيرها وجد الألف دينار ووجد الصَّحيفة . اُنظروا لمَّا قال كَفى بالله شهيداً وصدَّق به ، أَدَّى الله U عنه . فأتى ذلك الرَّجُل مرّة أخرى وبحث عنه وأعطاه . فقال له : هل بعثت إليّ بشيء ؟ - بمعنى أتى بالألف دينار ولم يذكر قضية الخشبة - إنّ الله قد أدّى عنك . خُذ الألف دينار .

لماذا )مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا(؟ هذا مثال للخونة منهم ، لماذا ؟)قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ( والأميِّين العَرب . يقولون أنّ أموال العرب هي لنا أيّ شيء نأخذه من العرب حلال ! والوَاقع الآن يشهد بهذا )لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ( فالأبناء يتوارثُون طبع الآباء، الآن أموال العَرب مُستَباحة من أهل الكتاب . ولذلك سأل رجُل ابن عباس قال : إنَّا نُصيبُ في الغَزو من أموال أهل الذِّمة ، يقول : إنَّا نغزُو أهل الذِّمة أهل الكتاب فنُصِيب منهم الدّجاجة والشّاة يأخذها في الغَزو - والأصل ألا تُؤخذ لأنّها غُلُول - فقال ابن عبّاس : لماذا تأخذونها ؟ فقال : ليس علينا بذلك بأس . قال ابن عبَّاس : هذا كما قال أهل الكتاب ( لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) [4] .

يعني أنتم شابهتموهم وأصبحتم مثلهم ! لا ، بل الأموال محترمة لأهلها . فقال ابن عبّاس : إنّهم إذا أدَّوا الجِزية لم تَحِلَّ لكم أموالهم إلا بِطِيب أنفسهم .

وإنِّي أنَّ طائفة من الطَّوائف من المسلمين في الغَرب يستَّحِلُّون أموال أهلَ الكِتاب وهم يعيشون بين أظهرهم ، يدخل على المحلاّت التِّجارية ويسرق تسأله لماذا ؟ فيقول لك : هذا مال الكُفّار حلال !! ، انظر للشُّبَه ! ابن عبّاس رد عليهم كيف تستَحِلّ أموالهم ، نعم كافر لكن المال محترم إلا بحقِّه صاحبُه مسلم ، صاحبه كافر يهودي نصراني ، المال ماله ، المال محترم لصاحبه . ثم قال الله U : )بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ( العهد يشمل العهد الذّي بينه وبين ربِّه ، وبين العبد وبين سائر العباد . )وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ( السِّياق يقول فإنّ الله يُحبُّهم ، ولكن لماذا أظهر هنا في موضع الإضمار ؟ كما قلنا فائدة ذلك أنّ من فعل ذلك الإيفاء بالعهد ، والتقوى من أفعال المتقين وأنّ الله يُحب كل متّقي .

ثمّ قال الله U)إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( يقول تعالى إنَّ الذِّين يَعتاضُون عمّا عاهدوا الله عليه من اتّباع محمّدٍ e وذكر صفته للنّاس وبيان أمره ، وعن أيمانهم الكَاذبة الفَاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزَّهيدة هي عُروضٌ من هذه الدُّنيا الفانية الزّائلة )أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ( أيّ لا نصيب لهم فيها ، والجزاء من جنس العمل )وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ( أيّ كلام لُطفٍ بهم لأنَّه ثبت في آيات أخرى أنّه يُكلّمهم )وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ( ولا ينظر إليهم بعين الرّحمة . )وَلَا يُزَكِّيهِمْ( من الذُّنوب والأَدناس ، بل يأمُر بهم إلى النّار )وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( .

سبب نزول هذه الآية : [5] قَال الأَشعث فِيّ والله نزلت ، فِيّ والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجُلٍ من اليَهُود أرض فجَحدني فقدَّمته إلى رسول الله eفقالَ رسول الله e أَلكَ بيِّنة ؟ قلتُ : لا فقال اليَهُوديّ اِحلف - ولذلك البيّنة على المُدَّعِي واليمين على من أنكر - . فقلتُ : يا رسول الله إذاً يحلف فيذهب مالي ! - يعني هؤلاء اليهود لا يتوَّرَعُون أنّهم يحلفون فأنـزل الله e)إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا( وهذا العُلماء يُسَّمونها ماذا ؟ اليمين الغموس التي تغمِس صاحبها في النّار، وهي من كبائر الذّنوب وقد سمعنا كثيراً عن تساهُلِ النّاس بها في المحاكم ، والله إنّ الحلف عند بعض النّاس أسهل عليه من شرب الماء ! يحلف بالله وبالأيمان الغَليظة وهو يعلم أنّه كاذب - نسأل الله العافية - لماذا ؟ لأجل عرض الدُّنيا فالجزاء من جنس العمل قال الله U)أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ( لا نصيب لهم )فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( .

ثمّ قال الله U)وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا( الفَريق الجَماعة من النّاس )يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ( أيّ يُحرِّفُونه بتبدِيلِ معانيه من جهة اشتباه الأَلفاظ واشتراكها ، والتَّحريف يشمل تحريف اللّفظ وتحريف المعنى . فاليهود كُتُبُهُم محرَّفة ،حرّفوا ألفاظها وحرَّفوا كذلك معانيها ، ولذلك المبتدعة شابهُوهم في ماذا؟ عندما حرّفوا المعاني، وأمَّا الألفاظ فلا يستطيعون في كتاب الله جلّ وعلا . لأنَّ الله تكفَّل بحفظه فقال)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ([6] وقد ذكرنا لكم أثناء شرح مقدّمة التّفسير بعض الأمثلة من التَّحريف .

يُخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائنُ الله أنَّ مِنهُم فريق يُحرِّفون الكَلِم عن مواضعه ، ويُبدِّلون كلام الله ويُزيلونه عن المراد ليُوهِمُوا الجهلة أنّه في كتاب الله )لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( ما هذه الجُرأة ! جُرأة عظيمة من هؤلاء من قَتَلةِ الأنبياء ، يُحرِّفون الكتاب مع تحريفهم يدَّعُون أنّه من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون كذبهم صراحة ، يعلمون أنّه كذبة ، ولذلك هل في الكذّاب حيلة ؟ لا .

هُناك رأي لوهب بن مُنبّه هنا نذكُرُه لغرابته ، وهب بن منبّه يقول : [7] ( إنَّ التَّوراة والإنجيل كَمَا أنزلهُما الله لم يُغيّر منهما حرف ، ولكنّهم يُضِّلون بالتَّحريف والتَّأويل ، وكُتُبٍ كَانُوا يَكتُبونها من عند أنفسهم ويقولون هِي من عند الله ، فأمَّا كُتُب الله فإنَّها محفوظةٌ ولا تُحرَّف ) هذا كلام وهب بن مُنبّه ذكرناه هنا لغرابته ، ونُوجّهه إن كان وهب يقصد أنّ كتب الله لم تُحرَّف أثناء إنزالها وأنّها محفوظة فهذا صحيح ، لكن نحن نقطع يقيناً أنّ التوراة والإنجيل الآن التي بين أيدينا بل على وقت النبي أثبت القرآن تحريفها ، ولذلك لابُدّ أن يُوجّه كلام وهب بن منبّه أنّه يقصد ماذا ؟ أنّها حينما أنزلت كانت صافية.

ثم قال الله U : )مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ(سبب نزول [8] هذه الآية - كما قَال أبو رافع القُرظي - حِين اجتمعت الأحبار من اليَّهُود والنَّصارى من أهل نجران عند رسول الله e ودعاهم إلى الإسلام ، قالوا أتريدُ يا محمد أن نعبُدك كما تعبد النَّصارى عيسى بن مريم ؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يُقال له الرئيس : أوَ ذاكَ تُريدُ منّا يا محمّد وإليه تدعُونا ؟ فقال رسول الله e : معاذَ الله ، أن نعبدَ غير الله أو أن نأمُرَ بعبادة غيره . ما بذلك بَعَثني ولا بذلك أَمَرني - أو كما قال e فأنزل الله U : )مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُ

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل