روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الثالثة- الدرس الأول - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة

الوحدة الثالثة: قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)

الدرس الأول: قوله تعالى: (إياك نعبد)

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

كما تقدم في صورة الفاتحة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ربه أنه قال: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال الله: "حمدني عبدي" وإذا قال العبد "الرحمن الرحيم" قال الله: "أثنى علي عبدي" وإذا قال العبد "مالك يوم الدين" قال الله: " مجّدني عبدي" وإذا قال العبد "إياك نعبد وإياك نستعين" قال الله: "هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".

هذه الآية هي آية العِقد من فاتحة الكتاب (إياك نعبد وإياك نستعين) وقُدمت فيها "إياك نعبد" على "إياك نستعين" لبيان حق الله عز وجل (الذي هو العبادة) على حق العبد (الذي هو الاستعانة). وهذه الآية فيها دواء للقلب لأن "إياك نعبد" هي دواء من الرياء، ودواء من الشرك، ودواء من أمراض صرف العبادة لغير الله، وهي محققة الإخلاص الذي أُمر العبد به (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (5) البينة) وأما "إياك نستعين" فإن فيها أيضا دفع للكبر عن الإنسان، وأن يتواضع لله، ويطلب العون من الله عز وجل. وإذا أمِن الإنسان من الرياء والكبر فإنه أِمن من مرضين خطيرين من أخطر أمراض القلوب. كما أن فيها أيضًا السلامة من الشبهات والشهوات وهما من أخطر أمراض القلوب فـ "إياك نعبد" فيها السلامة من الشبهات و"إياك نستعين" فيها السلامة من الشهوات. ففي هذه الآية ما فيها، وقد صنف ابن القيم رحمه الله كتابًا من ثلاث مجلدات في تفسير هذه الآية "إياك نعبد وإياك نستعين" وأطلق على كتابه: "مدراج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين."

واليوم مع الشطر الأول (إياك نعبد). ونقول إن هذه العبارة "إياك" فيها أيضا الانتقال من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المخاطب. الآيات التي مضت معنا (الحمد لله رب العالمين (1) الرحمن الرحيم (2) مالك يوم الدين(3)) الأسلوب فيها كان أسلوب الغَيْبة، أما هذه الآية فانتقلت بنا إلى أسلوب المخاطَب، وهذا هو مقام الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه" وهذا المقام لم يكن للإنسان ليصل إليه لو لم يمر بتلك الآيات الثلاث التي أسست عنده الحال المناسب أن يتبوأ مقام (إياك نعبد). وقد سبق أن ذكرنا أن:

الآية الأولى أسست مقام المحبة (محبة الله عز وجل أو كمال المحبة)،

والآية الثانية أسست مقام الرجاء (وهي الرحمن الرحيم)،

والآية الثالثة أسست مقام الخوف (وهي مالك يوم الدين)

فإذا اجتمع في قلبك كمال محبة الله وكمال رجاء الله وكمال الخوف من الله عندئذٍ تستحق أن تقول (إياك نعبد) أما إذا كان في قلبك محبوبًا أعظم من الله أو حتى مثل الله عز وجل (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) [البقرة: 165] فأنّى يقول إياك نعبد وفي قلبه ندٌ لله يحبه كحب الله؟!! وكذلك في باب الرجاء، من كان يرجو غير الله، يرجو رحمة غير الله أو يرجو عطاء غير الله أو يرجو فضل غير الله فهذا كيف يقول "إياك نعبد" وكيف يقول "إياك نستعين" بعدها؟!! ومثلها الخوف، من كان يخاف غير الله عز وجل فكيف يقول إياك نعبد؟!!.

أيضًا، قُدمت (إياك) هنا لأنه لو لا الله سبحانه وتعالى لما استطعنا عبادته فهو الذي عرّفنا على نفسه وهو الذي عرّفنا على طريقة عبادته وهو الذي هدانا لذلك (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) [لأنعام: 125]

أيضا هذه الآية قدمت فيها لفظة "إياك" على "نعبد" مع أن أسلوب العرب أن يكون المعمول متأخرًا عن عامله فإياك منصوب وعامل النصب فيها هو الفعل الذي قبلها فالأصل: نعبد إياك، وأصل الجملة إذا أردناها باللسان العربي وترتيب العرب لكلامهم أن نقول (نحن المسلمون نعبدكَ أو نعبد إياكَ) فتكون (إياكَ) في محل نصب، والنصب لا يتقدم على الرفع لكن هنا قُدم النصب على الرفع، لماذا؟ لأن إياك إذا تقدمت أفادت الحصر، ومعنى هذا أننا حصرنا جميع معبوداتنا فيك أي لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك (إياك نعبد).

وفيها أيضًا لطيفة أخرى أنه قال (نعبد) وهذه النون نون الجمع ولم يقل (أعبد) لأنه لو قال إياك أعبد لكان المتحدث متحدثًا فقط عن نفسه لكن عندما يقول إياك نعبد فهو متحدث عن نفسه، ومتحدث عن غيره من المسلمين. ويبقى سؤال (إياك نعبد) من يدخل تحت هذه النون؟

أولًا يدخل فيها ما في بدنك أنت من الخلايا ومن الأجهزة، فعظامك ولحمك وشحمك وجميع أجهزة بدنك وما في صلبك من ذريتك إلى قيام الساعة كل هؤلئك يدخلون في قولك إياك نعبد، فتكون صلاتك معينة لأبنائك على الاستقامة من بعدك، ومعينة لك على سلامة أعضائك وجوارحك ولهذا ذكر الله الصلاة مُطلقة في باب الاستعانة فقال الله تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) [البقرة: 45]. إياك نعبد، و(إياك) عندما قُدّمت على نعبد علم أن هذه العبادة هي حق الله وهي مقدمة، ومن حقق "إياك نعبد" حقق الله له "وإياك نستعين."

وأيضًا هذه النون (نعبد) تدل على الجماعة والارتباط بجماعة المسلمين، والصلاة في جماعة المسلمين. فالارتباط بالجماعة من أكبر أسباب الثبات على الدين ولهذا الله عز وجل قال (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: 28] هؤلاء الذين يقولون إياك نعبد بالغداة ويقولون إياك نعبد بالعشي ويقولون إياك نعبد آناء الليل وأطراف النهار، هؤلاء اصبر نفسك معهم واعبد الله عز وجل معهم لأن الله عز وجل معهم. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) [النحل: 128]، (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 28] فإذا قلت إياك نعبد مع المسلمين قبلت معهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. وفي هذه الآية بيان أن كل مسلم من هذه الأمة هو مسؤول عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، عن عبادة هذه الأمة لله عز وجل، واستعانة هذه الأمة بالله عز وجل، وأيضًا مسؤول ومأمور بالدعاء لهذه الأمة لأن (إياك نعبد وإياك نستعين) جاءت بعدها (اهدنا) ولم يقل اهدني، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

يبقى معنا أن نعرف ما معنى العبادة. ما معنى إياك نعبد؟ العبادة مشتقة من الذلّ، والطريق المعبّد أي المذلل، ودابة معبّدة أي مذللة، والذلّ ضد الكبر، والعبد هو الذي يتذلل لسيده. والله عز وجل نقول له (إياك نعبد) أي إياك نذل، ونقرّ بعبوديتنا لك، ونعترف بأننا عبيد مملوكين لك، فأنت مَلِكنا وأنت إلهنا وأنت خالقنا وأنت مولانا فنعم المولى ونعم النصير.

والعبادة أيضا شاملة لجميع الأحوال، ولا تقتصر على الصلوات الخمس والصيام والحج (تلك أركان الإسلام) لكن ليست هي كل العبادة، بل العبادة تشمل كل قول وكل فعل وكل حركة وكل حال يقوله الإنسان أو يفعله. لهذا اختصر الله عز وجل لنا العبادة بهذه الآية (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام)، فكل واحد منا مسؤول عن نفسه وعن أهله وأن يكون هو وأهل بيته جميعًا عبادًا لله عز وجل يعبدونه حق عبادته لأن الله ما خلقهم إلا ليعبدوه قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات)

وخلق الله الخلق لأمرين: الأمر الأول ليعبدوه، والأمر الثاني ليعلموا أنه الله لا إله إلا هو، فانقسم توحيد الله سبحانه وتعالى إلى قسمين:

1. توحيد علم

2. توحيد عمل

 

توحيد علم وهو التوحيد الذي تتعلم فيه أسماء الله وصفات الله وما يتعلق بالله عز وجل، وتوحيد عمل هو توحيد العبادة. وهذه الآية بيّنت لنا توحيد العبادة بعدما بينت لنا الآيات الثلاث قبلها توحيد العلم فعلّمنا الله أنه هو رب العاليمن وهو الرحمن الرحيم وهو مالك يوم الدين، وهذا توحيد العلم والمعرفة والإثبات ثم بعد ذلك يأتي توحيد القصد والطلب وهذا الذي بُين في هذه الآية (إياك نعبد). وعُلم أن العلم مقدم على العمل، لأن الله عز وجل قدّم الآيات التي فيها العلم بربوبيته ورحمته وبملكه ليوم الدين على هذه الآية التي يقول فيها (إياك نعبد). والله عز وجل قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) [محمد: 19] فإذا علمت توحيده بعد ذلك فاعبد واصطبر على عبادته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل