تفسير سورة آل عمران - المجلس الرابع - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس الرابع - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

الآن هذه نعمة ، فما الواجب على مريم ؟! مثل ما أمروا زكريا u ، فقال الله )يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ( أمروها بكثرة العبادة ، لأنّ القنوت هو طول العبادة )وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(من العلماء من قال : إنَّ هذا مقام شُكُر فأُمِرَت به .

ومن العُلماء من قال : أنَّ مريم عليها السلام سيُقبِل عليها أهوال عظيمة ، ولا بدّ لها من كثرة العبادة لتقوى لها لأنّها سَتَحمل بولد بلا أبّ وستُتَّهم , ولذلك لن يَشُدّ من عزمها إلا قوة العبادة , وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا حزبه أمر فَزِع إلى الصلاة .

لكن نقول الوجه الأول أولى - مع أنَّ المعنى الثاني صحيح - لأنّه لم يأتي الآن البِشارة بعيسى عليه السَّلام إنّما البشارة الآن أنّه اصطفاها وطهَّرها واصطفاها على نساء العالمين .

قال )يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ( لماذا قدَّم السُّجُود على الركوع ؟ الرُّكوع قبل السجود , من العلماء من قال أن الواو لا تقتضي الترتيب , ومن العلماء من قال أنّه كان في زَمَانهم السُّجُود قبل الركوع . لكن ابن القيّم رحمه الله يقول : هذا ضعيف, وقد ذَكَر الإمام ابن القيّم سبب ذلك فقال - في كلام جميل له ( اشتملت هذه الآية على مُطلق العبادة فذكرت الأعمّ وهو القُنوت )اقْنُتِي لِرَبِّكِ( ثم الأخَصّ منه ، وهو السُّجُود ، السُّجُود يُشرَع في الصَّلاة ، ويُشرع خارج الصلاة مثل سجود التلاوة ، سجود الشكر إلى آخره , ثم ذُكِرَ الركوع الذي هو أخصّ ولا يُشرع إلاَّ في الصلاة , فهو ترتيب من الأَعمّ إلى الأَخصّ إلى ما هو أخصّ منه ) يقول ابن القيم فهذا هو سبب تقديم السُّجُود على الركوع . يقول : ( وكما رتَّب الله عز وجل , هناك في مكان آخر عكَـس , الـترتيب من الأخصّ إلى الأعمّ فقال : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا( هذا أخصّ )وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( ) [1] إذاً هذا الجواب عن تقديم السُّجود على الركوع .

ثم قال الله U: )ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ( أيّ يا محمد هذا من أنباء الغيب , أنت لا تدري - ويُشير ويُعرّض بالنَّصارى الذين يدَّعون أنّ محمداً ليس بنبيّ , يقول : أنت يا محمد أمّيّ لا تقرأ , قد علَّمناك ، فمن أين أتاك ؟ )ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ( يعني ما كنت عندهم يوم تخاصموا , هم يعرفون النَّصارى أنهم قد اختلفوا فيمن يكفل مريم عليها السلام قبل أن يكفلها زكريا وتخاصموا فيمن يكفلها فألقوا أقلامهم في البحر فذهبت أقلامهم وقام قلم زكريا فكَفَلها .

يقول الله U: أنت لم تكن لديهم , ولم تكن معهم , من أين جاءك العلم وأنت رجل أمّي ؟ ففيه إثبات لنُّبَوة النبي eوأنّه أيُّها النَّصارى كما أخبركم محمد بهذه الأمور وأنتم تعلمون أنّها موجودة في كتبكم, فاعلموا أنّ محمد نبّي مرسل .

وقوله : )إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ( فيها استعمال القُرعة وهي سُنَّة ، وكان النبي eإذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه [2] , )إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ( أتت البشارة , الله Uبَشَّر مريم بأنّه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير بكلمةٍ من الله , أي وجوده بكلمةٍ من الله , قال له كن فيكون , وهذا تفسير لقوله تعالى : )مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ( اسمه مـاذا !؟ ) الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ( يعني سُمِيَّ قبل أن يُحمَل به سُمّي ابن مريم دلالة على أنّه لا أب له ، أي يكون مشهوراً بها في الدنيا ابن مريم , عيسى ابن مريم نُسب إلى أمّه يعرفه المؤمنون .

وسُمي المسيح :

قال بعض السلف : لكثرة سياحته يعني عبادته .

وقيل لأنّه كان مسيح القدمين أي لا أخمص لهما .

وقيل لأنّه كان إذا مسح ذوي العاهات بِرئ بإذن الله تعالى .

ثم قال الله عز وجل مزيد من البشارة : )وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا( له وجاهة ومكانة , ليس في الدنيا فقط وإنَّما )وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ( إلى ربِّه U, وكلُّها بشارات , وتختلف بشارة مريم هنا عن بشارة عيسى لأنّ هذه البشارات مّما يُهوّن عليها ما سيأتيها , يقول يعني أنتِ سيأتيك صعاب , سيأتيكِ اتهامات لكن لما تتذكري أنَّه بكلمةٍ من الله , أنّه وجيه في الدنيا وفي الآخرة ومن المقرّبين , ويُكلّم الناس في المهد ويُكلّم الناس كهلاً يعني كبيراً, ومن الصَّالحين , هذه بشائر عظيمة

)قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ( اُنظروا ، مريم ماذا عُرفت به ؟! بالعبادة , هل يُتصّور من عابدة أن تخرُج من المسجد وتقول هذا ولدي ! وهم يعرفون أنّها ما تزوجت ؟ وُلد لي ولد ؟! اُنظُروا لهذا الامتحان العظيم لمريم عليها السلام )قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ( ماذا قالت الملائكة ؟! )قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ( في زكريا قال ماذا ؟! )يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ( وهنا قال : )يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ(لماذا ؟! للردّ على النصارى أنَّ عيسى مخلوق وليس بإله )إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ( والله تعالى على كل شيء قدير , قابلتُ أحد النصارى العرب فدار بيني وبينه حوار طويل لا يسع الوقت الآن لذكره , لكن من عرض الاستطرادات

هو يقول : إنَّ عيسى ابن الله ونحن ندعو ابن الله - إلى آخره تُرَّهاته - . فقلت : أسالك سؤال : أنت بشر أليس كذلك ؟ تمرض ، وتحتاج إلى الوظيفة وتريد أشياء ؟! قال : نعم . قلت له : سأسألك أنت إذا مرضت فإنّك تدعو من ؟! الولد ولا أبوه - كما يدَّعي - . قال : بل أدعو الله . قلت له : إذاً أفرد العبادة لله تعالى . الله أخبر أنّ عيسى عبد مخلوق بنصّ القرآن .

وقد ذكر أحد الإخوة الأفاضل أنّ نصرانية ركبت مع سائق أجرة عربي , وكان صاحب الأجرة قد وضع تسجيلاً لسورة مريم , فلمّا وصل إلى قول الله تبارك وتعالى : )تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا( يقول صاحب التاكسي أنَّ هذه المرأة وكانت نصرانيه عربية , يقول انتفضت فقالت : سبحان الله ! سبحان الله ! بلا شعور , السماوات يتفطّرن ، والأرض تخِرّ أن تدعو لله ولد !! وأنا أدعو لله ولد في الصَّباح والمساء !! فأسلمت, اُنظُروا للمطر إذا أتى على قلب وأراد الله له الهداية .

حقائق القرآن كثيرة جداً على تقرير قضية عيسى u، وأنّه عبد وبشر كسائر الناس .

ثم قال الله مُخبراً عن تمـام البشارة الملائكة لمريم : بأنَّ هناك أشياء أخرى أنه )وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ( الكتاب هو الكتابـة )وَالْحِكْمَةَ( هي الفَهم في الدين )وَالتَّوْرَاةَ( وهو الكِتاب الذي أنزله الله عز وجل على موسى )وَالْإِنْجِيلَ( أنَّه سيُعطيه كتاباً خاصَّاً به اسمه الإنجيل )وَرَسُولًا(أيَّ يا مريم هذه قضية كبيرة , هذا الولد عظيم ، فاصبري )وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ( أي يجعله رسولاً إليهم قائلاً لهم )أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ(بعلامة على أنّي رسول )أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ( يعني كان يُصوّر الطين على شكل طير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ,

)وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ(الأكَمَه :

قيل الذي يُبصِر نهاراً ولا يُبصر ليلاً .

وقيل : العكس , والصَّحيح هـو الذي يولَـد أعمى يجعله مُبصراً , وهـذا أبلغ في المعجزة وأقـوى في التَّحـدي )وَالْأَبْرَصَ( معروف )وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ( الله أكبر أشياء عظيمة أيّدها الله بعيسى , ولذلك العلماء يقولوا إنّ الله يؤيّد كل نبي بما برع به قومه , عيسى uقومه بماذا برعوا ؟! بالطبّ , كانوا آية في الطبّ فأتاهم بما لا يستطيعون ، يمكن أن يعالجون بعض الأمراض وبعض العاهات , ولكن إذا كان هناك أعمى من يوم أن وُلد يرجع بصير ، هذا لا يقدر عليه الطِبّ , يُحيي المَوتى هذا لا يُمكن , موسى u بَرَعَ قومه بالسِّحرفأرسل الله Uله العصا تلقف ما يأفكون , النبي eبرع قومه بالفصاحة فأيّده الله بهذا القرآن , قال : )وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ( يقول أخبركم ماذا أكلتم الآن ؟! أكلت الآن كذا , وأُخبِرك بالذِّي في بيتك أنَّك ادَّخَرت ليوم الغد كذا وكذا , كل هذا تأييد من الله Uأنه كما قال : )وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ( يعني أتيتكم بآية أنّي رسول لكم من عند ربكم )وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ(

وفيه دلالة على أنّ عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة موسى عليه السلام .

ومن العلماء من قال أنّه لم ينسخ , وإنّما أحلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا .

وأنا أقول والله تبارك وتعالى أعلم أنّه لا مانع من كلا القولين , هذه الآية : )وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ( دليلُ على النسخ , وآية الزخرف : )وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ([3] الذي اختلفوا فيه , فبيّن لهم وجه الصواب )وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ( والله لو سمعوها النصارى حقيقة وأتوها بقلبٍ صافي )إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ( فاعبدونـي ؟! بل )فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( وغيره صراطٌ معوج, طريقٌ معوج , الصراط المستقيم )إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ( ما دام أنّه ربي وربكم نعبد من ؟! نعبد الله )فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ( استشعر منهم التصميم على الكفر , القرآن طوى , الآن وهو يبشّر مريم - عليها السلام - طوى هذه الأشياء كلها وانتقل إلى أنّ عيسى وُجد , وتفصيل كيف وُجِد عيسى في المهد في سورة مريم عليها السلام , )فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ( استشعر التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال )قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ( أي من يتبعني إلى الله ؟! كما كان النَّبي eيذهب في مواسم الحجّ قبل أن يُهاجر يقول : من رجلٌ يُؤويني حتى أُبلّغ كلام ربي , تتشابه الأنبياء)ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ( .

)قَالَ الْحَوَارِيُّونَ( الحواريّون قيل : أنّهم كانوا قصّارين يُقصّرون الثياب ويصبغونه بالبياض ، والحواريِّ في الأصل يٌقصد به البياض , من الحَوْر وهو البياض , لكن الصحيح في هذا السياق الناصر , )قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ( يعني نحن الذين سننصُرك ، كَمَا في الصَّحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا ندب الناس يوم الأحزاب انتدب الزبير , ثم لمّا ندبهم فانتدب الزبير فقال « إنّ لكل نبيّ حواريّ وحواريِّ هذه الأُمّة الزبير بن العوّام » [4] أيّ لكل نبيّ نصير , فإذاً الحواريّ معناه في هذا السياق هو ( النصير ) , وهذا من تفسير القرآن بالسنة وقد ذكرنا هذا أثناء شرحنا لمقدمة التفسير كما لا يخفى عليكم .

ثم قال الله عز وجل )رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ( هذا من كلام ؟ الحواريون )فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ( أيّ اكتبنا مع أمّة محمد eكما قال ابن عباس ثم أخبر الله Uعلى ما مكروا , قال : )وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(وقد أخذ العلماء من صفات الله تبارك وتعالى المكر وهي من الصفات الفعلية , لكن لا يُسمّى الله - عز وجل - الماكر , فإنّه لا يُؤخذ من الصفات الأسماء ولذلك قال : )وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ( والمكر في موضعه حسن بخلاف الخيانة كما قال الله Uفإنها صفة ذمّ في جميع أحوالها , قال الله : )وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ( قال : فخانهم ؟! مـاذا قال ؟! )فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ( لأنّ الخيانة في محل ذمّ في كل أحوالها بخلاف المكر , المكر إذا كان في محله فهو حسن , ولذلك قال : )وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(أي أنّهم أرادوا قتله , أَتَوا في ظلمة الليل ، يريدون أن يَقتُلُوا عيسى uأتباعه من بني إسرائيل قتلة الأنبياء , فلمَّا أحاطوا بمنزله أوقع الله شَبَهه

قيل : على كبيرهم الذي أتى معهم .

وقيل : إنّ عيسى - عليه السلام - قال لأحد أتباعه من يرضى أن أُلقي عليه شَبَهي وله الجنة ؟! وهذه من أحاديث بني إسرائيل ولا أعرف فيها حديثاً مرفوعاً .

ثم قال الله U: )إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ( وهذه من الآيات المُشكِلة عيسى عليه السلام أين الآن ؟! في السَّماء ، إذاً ما معنى )مُتَوَفِّيكَ(؟! يعني أنّ عيسى uتوفّي ثم رُفع ؟!

القول الأول : قال بعض العلماء إنَّ هذا من المُقَدَّم والمُؤَخَّر , يعني إنِّي رافعك ومتوفّيك , الآن رفعتك ومتوفّيك في آخر الزمان هذا قول .

القول الثاني : أني مُمِيتُك حقيقة ، وهذا قولٌ ضعيف يردّه قول الله U: )وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا([5] .

القول الثّالث : ومنهم من قال : أماته الله قليلاً ثم أحياه ورفعه .

والصَّحيح والذِّي عليه أكثر المفسّرين على أنَّ المراد بالوفاة هنا النَّوم.

)إِنِّي مُتَوَفِّيكَ( أيّ مُنيِمُكَ ثم رافِعُكَ , حيث أنامه الله , والنَّوم يُطلق على الوَفاة كما قال الله : )وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ( هل نحن نموت كل يوم ؟ ننام ، لكن أطلق الله على النوم وفاة , قال الله : )اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا([6] ولذلك السُّنة إذا صحونا من منامنا أن نقول : الحمد لله الذي أحيانا بعدَ ما آماتنا وإليه النشور . وهذا هو القول الصحيح أنّ المراد بالوفاة هنا وهو الذّي عليه أكثر المفسّرين : النوم .

)وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ( هذه كذلك مُشكِلة من هم الذين اتبعوه ؟! ومن هم الذين كفروا ؟! قولان لأهل العلم :

من المُفَسِّرين ومنهم عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم من جعل الذين اتبّعوه النصارى والذين كفروا اليهود , وأنّ الآية مُخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم وأنّ النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة , فخصّص المتبّعين والكفار وجعله حكماً دنيوياً لا فضيلة فيه .

أمّا جمهور المفسرين فقالوا بالعموم , والجمع بين القولين )وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا( نحن من أتباع عيسى , لماذا ؟! لأنّنا من أتباع محمد e, وعيسى uسيأتي في آخر الزمان ويحكم بماذا ؟! بشريعة النبي eولذلك العلماء يقولون أنه على العموم وأنّ من أتباع عيسى عليه السلام أمّة محمد

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل