تفسير سورة آل عمران - المجلس الثالث - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة آل عمران - المجلس الثالث - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال الله U : )لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ(قال ابن عطيّة رحمه الله: (هذا النَّهي عن الاتِّخاذ إنَّما هو فيما يُظهره المرء - يعني في الأمور الظاهرة - فأمّا أن يتخذّه بقلبه ونيّته فلا يفعل ذلك مؤمن, والمنهيّون هنا قد قرّر لهم الإيمان لقوله : ) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ(فالنَّهيّ إنّما هو عبارة عن إظهار اللُّطف للكُفَّار والميل إليهم , ولفظ الآية عامٌ في جَميع الأمصار ) [1] . وهذا من رحمة الله U, يقول الله U: )لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ( يعني أنّ الله بريء منه مثل قول النبي e: « من غشّنا فليس منّا »)إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً( يعني أن تتقّوهم بكلام فتُظهرون خلاف ما تُبطنون اتّقاء شرَّهم , وهذه كقوله تعالى : )إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ([2] فهذه الآية كَتلك )إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً( .

قال ابن عطية هنا في تفسيره كلام رائع ، لأنَّنا لو ندخل في مسائل الإكراه ، وما الذي يدخل فيه التقيّة ، وما الذي لا يدخل فيه , ما الذي يجوز أن يقوله الإنسان لطَال بنا التَّفصيلات , ولذلك أنقل لكم كلاماً نفيساً لابن عطيّة رحمه الله قال : ( مسائل الإكراه هي من النَّوع الذي يدخُلُهُ فقه الحال , يعني لكل حالة لها فقه معيّن يُفتى لكلّ حالةٍ لوحدها ، وهذا يحتاجه كثيرٌ من إخواننا في بلاد الغَرب أحياناً أو في بعض بلادنا الإسلامية يحتاجون أحياناً يُظهرون خلاف ما يُبطنون وهذا من رحمة الله I بعباده تصديقاً لقوله : قد فعلت ) )رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ([3] .

ومسائل الإكراه لها تفصيلات مُتعددة مبثوثة في كتب العقائد بالأقوال ،والأفعال ، والتَّفصيلات ، والتفريق ، لكن نقول أنَّ لكل حالة فقهٌ خاصّ .

قال الحسن البصري : التقيّة إلى يوم القيامة , يعني )إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً( إلى يوم القيامة , لكن التقيّة هذه ليست تقيّة الشيعة , تقيّة الشِّيعة ما هي ؟!

الكَذِب المَحضّ ولذلك يقولون تِسعة أعشار دينهم في التقيّة , أمّا الذي في الآية فهي التقيّة التي هي حال الإكراه ويُشترط أنّ القلب مُطمئن بالإيمان , لكن لتعلموا أنّ التقيّة رخصة وليست عزيمة , ولذلك قال الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن الذي أشرنا إليها في الدرس الماضي إذا أجاب العَالِم تقيّة والجاهل يجهل فمتى يتبيّن الحق ؟! يعني هناك مواقف تستوجب على بعض العلماء أن يقولوا كلمة الحق مهما كلّفهم الأمر لأنّ بعدم قولهم يكون هلاكُ الأتباع . لكن سائر الناس الذِّين لا يُعبأ بهم لهم في هذه الآية رخصة من الله تبارك وتعالى , ثم قال الله I)وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ( أي يُحذِّركُم نقمته , من والى أعداءه وعادى أولياءه فليحذر الله تبارك وتعالى لماذا ؟! لأنّ إلى الله المصير إليه المرجع والمنقلب فيُجازي كل عامل بعمله .

ثم قال الله I: )قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( يُخبر تعالى عباده أنَّه يعلم السَّرائر والضَّمائر والظَّواهر وأنَّه لا يخفى عليه منهم خافية بل علمه مُحيط بهم في سَائر الأحوال واللَّحظات وجميع الأَوقات لا يَعزُب عنه شيء Iوذلك لأنَّه سبحانه على كل شيء قدير فخاتمة الآية مناسبة لمضمونها .

ولذلك قاعدة في التدبّر : دائماً تأمّل خاتمة الآية ، واربطها بالآية , وذلك لأنَّ خاتمة الآية يُترجم عن مضمون الآية ثم قال الله I: )يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا( .

يقول الحسن البصري في هذه الآية : يَسُرُّ أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً وذلك مُناه , وأمّا في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذّها . لكن في الآخرة يتمنّى أن لا يلقى ذنبه لأنّه سيُحاسَب عليه . لكن أين المفرّ ؟!)وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا()وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا( أنت حاسِب نفسك هذا كتابك , عملت يوم كذا في كذا , عملت حسنة عملت سيئة , كل شيء موجود - نسأل الله العافية والسلامة وأن يَختم لنا ولكم بخير - .

)يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا()يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ(فمن رأى من أعماله حسناً سَرَّه ، ومن رأى من قبيح ساءَهُ وأَغاظه .

ثم قال الله I مرةً أخرى : )وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ( كذلك ، أيّ يُخوِّفُكُم عقابـه , ثمّ قال الله سبحانه : )وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ( لماذا قال : )رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ( ؟! المُناسب أن يقول : شديد العقـاب , )وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(لماذا خَتَمَ الآية بقوله : )وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(ولم يقل : ( والله شديد العقاب ) وهو قال : )وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ( ؟!

يعني مثلاً تقول لولدك انتبه ! أنا رحيم ! ، انتبه ترى إذا تجاوزت ! أنا رحيم ! ولا تقول له أنا شديد ؟! لكن لماذا قال الله هنا : ( وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ؟! هذا من طريقة القرآن وهو من باب الجمع بين الترغيب والترهيب , يعني أُحذّرك وتحذيري إيَّاك لأنِّي رَؤُوف بك . أنا أُحذّرك الآن وأنت بيدك الخيار , اُنظُر لخاتمة الآية , أنا أُحذّرك الآن لماذا ؟! لأنِّي رؤوف بك يا عبدي فاحذر أنا بيّنتُ لك أنَّك ستلقى عملك الخَيِّر كما ستلقى عملك الشرّ واحذرني يا عبدي , لكن لِتعلم أنّي إنَّما فعلتُ ذلك وأنّي إنّما قُلتُ ذلك لأنِّي رؤوف بك أيّها العبد الضعيف)وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(.

ثم قال الله I: )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ(بعض السَّلف يُسمِّي هذه الآية :

آية المحنة ( آية الامتحان ) , لماذا آية المحنة ؟! الله امتحن , )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ( ادّعى قومٌ محبة الله , فقيل لهم تُحبّون الله اتبّعوا محمداً e, وهذا ردٌّ على اليهود والنصارى ماذا قالوا ؟! )نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ( - لأنَّ السِّياق في الرَدّ على النَّصارى - يقولون نحن أحباب الله , قال الله لهم ماذا ؟! الآية عامّة لكن نُذَّكِر بالسِّياق , إن كنتم تُحبّون الله فاتبَّعوا محمداً لأنّ الله هو الذِّي أَرسله وهو الذِّي قال أطيعوه ولذلك قال الشَّاعر :

تعصي الإله وأنت تزعم حُبَّه ... هذا مُحَالُ في القياس بديع

لو كان حُبّك صَادقاً لأطعته ... إنَّ المُحبّ لما يُحبّ مُطيع

كيف أيّها اليهود تقولون والنَّصارى نحن أبناء الله ؟! الدَّعَاوى إن لم يُقيموا عليها بيّنات أصحابها , ولذلك السَّلف يقولوا ليس الشَّأن أن تُحِبّ , ولكنَّ الشَّأن أن تُحَبّ , الشَّأن ُكل الشَّأن أن تُحَبّ من الله , ولذلك قال الله : )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي( قال تتحقق محبَّتكم ، ولا قال ماذا ؟! قال : يُحبُّكُم الله ، لأنَّ الشَّأن أنّ الله يُحبّك .

)وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( أي باتباعكم للرسول - e- يحصل لكم هذا ثم قال آمراً لكل أحدٍ من خاصّ وعام )قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا( أي خالفوا أمر الله U والرسول )فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( هنا نكـتة بديعة )قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا( يعني تركوا طاعة الله والـرَّسول )فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( السِّياق أن يقول فإنّ الله لا يُحبّهم ، لأنَّ عادة العرب أن يُضمرون , بمعنى أنّه إذا كان هناك ضمير ما يُظهرون , فلماذا أظهر الله هنا ؟! ما فائدته ؟! يعني الأصل أنَّ الآية تقول : فإن تولوا فإنّ الله لا يُحبّهم .

بل قال )فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( هذا العُلماء يُسمُّونه - في شواهد كثيرة في القرآن ورائعة ، كل ما يأتينا أُنبّه عليه - , لكن تأمّلوها دائماً وأنتم تقرؤون يُسمّوها ( الإظهار في موضع الإضمار ) .

                : النَّص على عِلَّة السَّبب , كيف ؟! الله تعالى لو قال : فإنّ الله لا يُحبّهم لا ندري لماذا لا يُحبّهم , قال : )فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( فنَصّ على أن سبب عدم الحُبّ هو الكفر، وأنَّ تولّيهم وإعراضهم وتركهم الطاعة سببه ماذا ؟! الكفر .

ويُعطينا فائدة أُخرى أنّ الله لا يُحب كل كافر , هل رأيتم إلى بلاغة القرآن , هذه الآية فقط أظهر بلاغة القرآن ، ولأنّه أظهر في موضع الإضمار , استفدنا ماذا ؟!

الأوّل: النصّ على سبب توَلّيهم وهو الكفر .

الثاني : بيان أنّ الله لا يُحب كل كافر .

لو قال فإنّ الله لا يُحبهم لاقتصر المعنى على ماذا ؟! على المُتَولِّين هؤلاء , لكن بيّن الله )فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ( .

المقطع الثّاني

)إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ([4] .

في هذه الآيات أيّها الإخوة بدأ الآن الله U يُمّهد ويُقررّ بما سيُثبته من أنَّ عيسى عبدٌ لله وليس بإله وليس ابن الله , فقال )إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى( اصطفى يعني اختار )إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ( آدم أبو البشر حيث خلقه الله Iبيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وعلَّمه أسماء كل شيء ، وأسكنه الجنّة ، ثم أهبطه منها , ثم قال : )وَنُوحًا( فنوح u أول رسول إلى أهل الأرض لمَّا عبدَ الناس الأوثان )وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ( أي اصطفى آل إبراهيم ومنهم سيدُ البشر وخاتَم الأنبياء على الإطلاق محمد e, والآل هنا بمعنى ماذا ؟!الذُّرية ليس كما قلنا في آل فرعون )وَآَلَ عِمْرَانَ( والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى u, فعيسى uمن ذرّية إبراهيم كما بيَّنه الله U في سورة الأنعام .

خَصَّ الله هؤلاء الأنبياء آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران لأنَّ الأنبياء كُلُّهم من نَسلهم , ومعنى اصطفاهم أي اصطفاهم بالنُبّوة وميَّزهم وفضلّهم بأمور زائدة على النُبّوة - كما ذكـرنا قبل قليل - ثم قال الله I  )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ( أيّ في الإيمان والطَّاعة , وإنعام الله عليهم بالنُبّوة فهم مُتَشَابِهون في الدِّين والحَال , والذرّية : إمّا من ذرأ بمعنى خلق فيشمل الأصول والفروع أو بمعنى وذَرَى.

أو من وذَرَ , بمعنى ترك وهم الفروع وهو المُتعارف عليه أنّ ذريّة الرجل أولاده يعني فروعه .

ثم قال الله U: )إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ( امرأةُ عمران اسمها على ما قيل حَنَّة وهي أمّ مريم , وعمران هذا ابن مَاتان وليس عمران أبي موسى , فليست هذه مريم أخت موسى كما يُتوّهم , ولذلك بعض أهل التاريخ يقولون أنّ بين عيسى وموسى ألف وثمانمائة سنة .

وأم عمران هذه امرأة لا تَحمل فاشتهت الولد فَدَعت أن يَهبَهَا الله Uولداً فاستجاب الله I دعاءها , فلما تحقَّقت الحَمل نذَرَت أن يكون محرّرا )رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا(أي محرّراً من خدمتي إلى خدمة بيتك بيت المقدس , مُفرّغاً للعبادة)فَتَقَبَّلْ مِنِّي( دَعَت الله Uأن يتقبَّل منها ، وأن يتقبَّل منها هذا الولد وأن يكون مُحرَّراً من خدمتها إلى خدمة بيت المقدس .

)إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ( أي السميع لدُعَائي العليم بنيّتي , لكن كان لا يخدم إلا الأولاد الذُّكُور وهي نذرت أن تجعله محرّرا , لكن لمَّا وضَعتها اكتشفت أنها أنثى , فقالت : )فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ( هنا قراءة )وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَت ( يكون من كلام الله ، وفي قراءة أخرى وكلها متواترة )وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ( فيكون من كلام امرأة عمران أم مريم , ثم قال : )وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى( قيل أن هذا من كلام كذلك والدة مريم , تقول أنا أعلم أنّ الـذَّكر ليس خدمته كخدمة الأنثى , )وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى(في القوة والجلد وفي العبادة وخدمة المسجد الأقصى , ثم قالت : )وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ(بعضُ العُلماء استدلّ من هذه الآية على جواز تسميّة المولود يوم وَضعِهِ , وعندنا دليل من فعل النبي e حينما قال : " وُلد لي الليلة ولد وسمّيتُهُ إبراهيم " .

)وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ( فتقبَّل الله eدعاءها ولذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في الحديث الصحيح : « ما من مولود يُولَد إلاّ مسّه الشيطان حين يُولد فيستَهِلُّ صارخاً من مسّه إيّاه إلا مريم وابنها » [5] وابنها عيسى U, لماذا ؟! بسبب دعوتها , وهذا فيه حثّ للآباء والأمّهات أن يُكثِروا من الدُّعاء لأولادهم بالصلاح والاستقامة فربّما تُوافق ساعة استجابة , الله تقبّل من هذه , كيف كانت مريم ؟! كيف كان عيسى ؟! نفع الله بهم هذا النفع العظيم بدعاء الوالدة )وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ( فأعاذها الله وذريَّتُها من الشيطان الرجيم . ثم قال الله U)فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا( فتقبّل من ؟! مريم عليها السلام )بِقَبُولٍ حَسَنٍ( أي تقبّلها من أمها نذيرة )وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا(أي جعل شكلها مليحاً ومنظراً بهيجاً ويسَّر لها أسباب القَبُول وقرنها بالصَّالحين من عباده ، بل جعل لها من الولد ما رَفَعَ الله بِه ذِكرها وذِكره الذي هو عيسى u.

وقال بعض المفسرّين وهذه من الإسرائيليات التي تُروى لا تُصدَّق ولا تُكذّب , يقولون )وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا( أنّها تشِبّ في اليوم كشباب غيرها في سَنة والعلم عند الله تبارك وتعالى .

ثم قال : )وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا( هذه قراءة )وَكَفَّلَهَا ( بالتشديد )زَكَرِيَّا( وزكريّا مفعول , أيّ أنّ الله كفّلها زكريا , وهناك قراءة

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل