روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الثانية - الدرس الخامس - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

من دورات منصة زادي للتعليم عن بعد (تفريغ مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة)

الوحدة الثانية: من قوله تعالى "الحمد لله رب العالمين" إلى "مالك يوم الدين"

الدرس الخامس: تفسير (مالك يوم الدين)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقاؤنا حول أعظم سورة في كتاب الله سورة الفاتحة وقد وصلنا إلى الآية الثالثة من هذه السورة وهي قول الله عز وجلّ (مالك يوم الدين) وفي قرآءة (ملك يوم الدين) وهذه الآية فسرتها آية أخرى من القرآن في قوله تعالى (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿١٧﴾ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿١٨﴾ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴿١٩﴾ الإنفطار) ومن العجيب أن هذه الآية فسرت القرآءتين معًا فإذا قلت (مالك يوم الدين) فهذا تفسيره قول الله عز وجلّ (ي يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) وإذا قرأت (ملك يوم الدين) فهذا تفسيره (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) لأن المالك هو الذي يملك الأشياء والملك هو الذي يملك الأمر ويوم القيامة لا مالك ولا ملك، فلا مالك يملك شيئا ولا ملك يملك أمرا وإنما المالك حقيقة هو الله والملك حقيقة هو الله والملك والمالك هما معنى المُلك ولهذا قال تعالى (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16] وقال (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴿١٩﴾ الإنفطار). أما ملك الله سبحانه وتعالى فهو ملك عام للدنيا والآخرة لكن كيف خصص الآخرة بالذكر دون الدنيا مع أنه مالك الدنيا ومالك الآخرة؟ قالوا لأن في الدنيا ما يكون شبه ملك للناس، هنالك من يملك السيارة ومن يملك عمارة ومن يملك أمرًا ومن يملك نهيًا لكن يوم القيامة لا أحد يملك شيئا ولا أحد يملك أمرًا. هذا بالنسبة لاختصاص لفظ (يوم الدين) بالمُلك.

وأما مسألة الفرق بين ملك ومالك فقد بيّنا أن الملِك هو الذي ملك الأمر بينما المالك هو الذي يملك الأشياء فليس كل مالك ملك وليس كل ملك مالك فقد يكون الملك لا مال عنده كما حصل للملك الذي جعله الله ملكًا على بني إسرائيل وكان منهم من هو أغنى منه (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) [البقرة: 247] فدلّ على أن الملك هو الذي يملك الأمر ولو قلّ ماله بينما المالك هو الذي يملك الأشياء ولكن لا يملك الأمر والملك والمالك حقيقة في الدنيا والآخرة هو الله سبحانه وتعالى.

أما يوم الدين فالدين في القرآن يطلق ويراد به أمرين اثنين:

الأمر الأول الدين بمعنى العمل كما قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19] أي إن العمل المقبول عن الله الإسلام

والدين المراد به الجزاء على العمل يوم القيامة ولهذا قال (مالك يوم الدين) و(ملك يوم الدين) ومنه قول العرب كما تدين تدان، كما تعامل الناس يعاملوك والدين بمعنى الجزاء والجزاء من جنس العمل ولا جزاء إلا على عمل فكأن يوم الدين لا بد أن يسبقه يوم به عمل وذلك حتى يكون الدين على ذلك السابق الذي سبق في اليوم الذي غبر وانتهى. فكانت الدنيا هي اليوم الغابر الذي عمل فيه العاملون وترك العمل فيه التاركون وكان يوم الدين يوم الجزاء لمن عمل ويوم الجزاء على من ترك.

أما يوم الدين فيقوم على أركان خمسة إذا اجتمعت هذه الأركان الخمسة فإن هاهي أركان الإيمان باليوم الآخر ومن لم يؤمن بها لا يُعدّ مؤمنًا بيوم الدين وهذه الأركان الخمسة:

1.      أولها الموت وهو أول أيام الدين وفيه أيضًا لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله كما قال تعالى (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴿٨٤﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾ الواقعة) وكما قال (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴿٢٦﴾ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴿٢٧﴾ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ﴿٢٨﴾ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿٢٩﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴿٣٠﴾ القيامة) هذا يوم الدين الأول الذي هو الموت وهو الركن الأول من أركان الإيمان باليوم الآخر,

2.      الثاني: البرزخ وفيه القبر، القبر وهو ما بين الدنيا والآخرة ويسمى البرزخ لأنه ليس بالضرورة أن يدفن الميت، قد يغرق في البحر وقد تأكله السباع وقد وقد فالقبر هو ما بعد الموت سواء دفن أو لم يدفن، هذا القبر وفيه نعيم وفيه عذاب وفيه فتنة..

3.      الأمر الثالث: البعث بعد الموت بعدما يموت يبعث وهذا الركن الثالث من أركان الإيمان باليوم الآخر.

4.      الركن الرابع: الحساب. يحاسب على ما فعل

5.      والركن الخامس والأخير الجزاء بعد الحساب

فهذه الأركان الخمسة لعامة الناس إلا أن الله عز وجلّ بلطفه قد يخفف على بعض عباده فلا يحاسبهم فيكون عنده موت وبعث ثم حشر ثم جزاء ومنهم من يكون موت وبعث وحشر وحساب وجزاء. هذه أركان اليوم الآخر الخمسة موت، بعث، حشر بعد البعث، حساب بعد الحشر وجزاء بعد الحساب.

أما أن هذا اليوم له أسماء في القرآن وصفات نعم، قد ذكر في القرآن ما يربو على اثنين وثمانين اسمًا وصفة لهذا اليوم العظيم منها القارعة ومنها الصاخة ومنها الطامة ومنها الواقعة ومنها الحاقة ومنها أيضًا الآزفة ومنها القيامة ومنها أوصاف يوم يفر المرء من أخيه، يوم الفرار، يوم التلاق، يوم التغابن، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي اشتمل عليها هذا اليوم.

وإذا قرأت (ملك يوم الدين) و(ملك يوم الدين) فأنت تتذكر يوم لقاء الله الذي هو أخصّ خصائص الإخلاص لله عز وجلّ كما قال تعالى (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) ص) فالذين أخلصوا أعمالهم لله هم الذين يتذكرون الدار الآخرة وعلى قدر تذكرك للدار الآخرة يكون عملك الذي يرضي الله عز وجلّ عنك ويوصلك إلى جنته. قال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ الماعون) هذا الذي كفر بيوم الدين لكن من آمن بيوم الدين فإنه يطعم المسكين ويطعم اليتيم ويحنّ على الفقراء والمساكين ولهذا قال تعالى عن أولئك المؤمنين بيوم الدين الخائفين منه (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿١١﴾ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿١٢﴾ الإنسان).

 

ومن نظر في هذا اليوم وعظمته علم أن هذا اليوم خاف له كل شيء الملائكة تخاف من هذا اليوم والإنس والجن والسموات ومن فيها والأرض ومن فيها وله علامات يعرف قرب هذا اليوم بها وهذه العلامات هي علامات الساعة وعلامات يوم الدين وتنقسم إلى قسمين علامات صغرى وعلامات كبرى والصغرى تنقسم إلى قسمين علامات انقضت وانتهت وعلامات لم تأتي بعد بينما الكبرى هي القسم الأخير وهي عشر علامات إذا جاءت قامت الساعة بعدها فورًا كنظام قطع سلك فتتابع ولا شك أننا اليوم نعيش في آخر عمر الدنيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين ابصعيه السبابة والتي تليها. وهو أيضًا عليه الصلاة والسلام علامة من علامات الساعة ووقعت علامات كثيرة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وأنها من علامات الساعة وقعت وانتهت وانقضت ومنها ما حصل للصحابة وما حصل بينهم ومنها ومنها ومنها أيضًا النار التي خرجت من شرقي المدينة تضيء لنا أعناق الإبل لبصرى وحدّث النبي صلى الله عليه وسلم عن علامات كثيرة وهي الآن موجودة كزخرفة المساجد وتكلم الحديد وتقارب البعيد وغير ذلك من العلامات التي هي بين يدي الساعة. فنسأل الله عز وجلّ بأسمائه وصفاته وكلماته التامة أن يجعلنا وغياكم من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون من الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالديهم ولمن ولدوا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل