روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الثانية - الدرس الرابع - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

من دورات منصة زادي للتعليم عن بعد (تفريغ مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة)

الوحدة الثانية: من قوله تعالى "الحمد لله رب العالمين" إلى "مالك يوم الدين"

الدرس الرابع: تفسير قوله تعالى (الرحمن الرحيم) – 2

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

ما زلنا مع فاتحة الكتاب ومع الآية الثانية من فاتحة الكتاب وهي قول الله عز وجلّ (الرحمن الرحيم) وهذا الاسمان من أسماء الله سبحانه وتعالى متفقان أو مشتملان على صفة واحدة من صفات الله وهي صفة الرحمة ولذلك قد تجد الصفة التي هي واحدة واشتُق منها أسماء وقد تجد الصفات المتعددة في الاسم الواحد. مثلًا نأتي للرحمن الرحيم فنقول ذلك صفة اشتمل عليها الاسمان وهي صفة الرحمة وهناك صفات أخرى تضمنها الاسمان غير الرحمة: وهي العلم لأنه كيف يرحم من لا يعلم! وأيضَا الحياة كيف يرحم من ليس بحيّ! وأيضًا القدرة كيف يرحم من لا يقدر؟! وغير ذلك من الصفات التي تضمنتها هذه الأسماء.

ونرجع هنا للحديث عن أسماء الله سبحانه وتعالى ودلالاتها وكذلك الواجب علينا تجاه أسماء الله سبحانه وتعالى. الواجب على كل مسلم ومسلمة عندما يأتي في القرآن أو في السنة إلى اسم من أسماء الله أن يقف مع هذا الاسم ثلاث وقفات. أن يقف مع كل اسم من أسماء الله ثلاث وقفات:

الوقفة الأولى تسمى وقفة التحقيق يتحقق فيها أن هذا الاسم فعلًا اسم من أسماء الله عز وجلّ. وكيف يتحقق؟ يرجع للكتاب وهو القرآن فإن وجد الاسم قد سمّى الله عز وجلّ به نفسه فليعلم أنه فعلًا من أسماء الله كالرحمن، كالرحيم، كالملك، كالمالك، كالقدوس، كبقية أسماء الله الواردة في القرآن. وهذا التحقق إذا لم يجده في القرآن يبحث عنه في السنة فإذا وجده في السنة الصحيحة تحقق منه لأن السنة مثل القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أوتيت القرآن ومثله معه. ولأن السنة وحيٌ يوحى كما قال الله عز وجلّ (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴿٤﴾ النجم). إذن (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾)

الوقفة الثانية: بعد التحقق نأتي للوقفة الثانية وهي وقفة التعلّق، تحققت أنه اسم لله فتعلّق به، كيف تتعلق به؟ أولًا تحبه حبًا جمًا، تحب هذا الاسم لأنه اسم ربك، لأنه اسم الله وأنت أصلا تحب الله فيزيد معرفتك بأسمائه حبًا له لأن كل اسم من أسماء الله يعطيك بابًا من العلم عن الله عز وجلّ فالرحمن الرحيم تفتح لنا باب رحمة الله الواسعة، مالك يوم الدين تفتح لنا باب ملك الله الواسع وأيضًا باب قدرة الله عز وجلّ، الملك القدوس تفتح باب  قداسة الله عز وجلّ ونزاهته عن كل ما لا يليق به وكذلك جميع أسماء الله عز وجلّ وصفاته تفتح لك أبوابًا من العلم عن الله عز وجلّ، هذه الأبواب معرفتها تزيد من محبة الله سبحانه وتعالى فيكون ذلك دافعًا لزيادة حبه سبحانه وتعالى ولذلك الله عز وجلّ يقول (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 180] أي اعبدوه بها. والدعاء ينقسم إلى قسمين دعاء مسألة ودعاء عبادة. فدعاء المسألة تقول رب أعطني وأعطني ودعاء العبادة أن تعتقد أن هذا اسم من أسماء الله عز وجلّ، أن هذه صفة من صفات الله عز وجلّ فتحبه على ذلك العلم الذي بلغك عنه والله عز وجلّ يقول (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة: 256] فإذا شاء الله لك أن تتعلم من أسمائه وتتعلم من صفاته فهذا فضل من الله عز وجلّ عليك. هذه الوقفة الثانية وهي وقفة التعلّق أي المحبة ودلّ على هذا الحال، حال التعلق حديث الصحابي الذي تعلّق بالأسماء الواردة في سورة الإخلاص وهي قول الله عز وجلّ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾ الإخلاص) فذكر فيها من الأسماء: الله، الأحد، الصمد وهي ثلاثة أسماء وذكر فيها من الصفات: لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فاشتملت على ثلاثة أسماء وثلاث صفات لله سبحانه وتعالى فأحبّها هذا الصحابي وكان لا يقرأ في صلاته إلا هذه السورة وكان أميرًا على قومه في سرية فلما كلموه أن يقرأ عليهم في صلاتهم غير الإخلاص لأنه يقرأها في كل ركعة فقال والله لا أقرأ إلا هي فإن شئتم صليت بكم وإلا قدموا غيري وكان أعلمهم بالقرآن فأبوا وقالوا أنت أميرنا ولا نقدم غيرك فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تلك السرية اشتكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ألا تحفظ غيرها؟ قال بلى، قال فما حملك على ما تفعل من قرآءتها؟ قال إن فيها صفة ربي وإني أحب صفة ربي فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم له أن قال: حبّك إياها أدخلك الجنة. إذن الوقفة الثانية وقفة التعلق والمحبة لأسماء الله سبحانه وتعالى إذا تحققنا من كونها فعلًا أسماء لله سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ذُكرت في كتابه أو ذُكرت في سنة نبيّه.

أما الوقفة الثالثة فيه وقفة التخلّق وهذه الوقفة ينقسم الحال فيها إلى قسمين: أن ننظر إلى الاسم نفسه فإن كان من أسماء الجلالة كان التخلّق بالضدّ وإن كان من أسماء الجمال كان التخلّق بالموافقة والمتابعة والمشابهة ومن معاني ذلك مثلًا: إذا وجدت في القرآن اسم الجبار المتكبر، الجبروت والكبرياء هذه من صفات الله عز وجلّ صفات الجلال فالتكبر يبغضه الله عز وجلّ فأنت كيف تتخلّق بهذه الصفات؟ هل تكون متكبرا جبارًا؟ لا، تكون متواضعًا وتكون أيضًا متذللًا. عندما تجد في القرآن الملك القدوس السلام المؤمن، هذه أسماء جمال فتسلّم وتؤمّن غيرك وإلى آخره. وعندما تجد لفظ الله فتكون أنت عبد لأن العبودية ضد الألوهية وهكذا. فبضدّها التي هي أسماء الجلالة يُتعبد الله عز وجلّ بضدّ تلك الأسماء، بينما أسماء الجمال بموافقتها يُتعبد الله سبحانه وتعالى فالله عز وجلّ رحمن رحيم، إذن يحب الرحمة في عباده "الراحمون يرحمهم الله" "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وهكذا بينما الصفات الأخرى يُتخلق بضدّها.

وجود الرحمن الرحيم بين لفظة رب العالمين ولفظة مالك يوم الدين كما قال ابن القيم أن فيها رحمة للمؤمنين حتى لا تطيش عقولهم خوفًا من الله (رب العالمين) (مالك يوم الدين) وفي ذلك خوف عظيم، لكن رب العالمين من صفاته الرحمن الرحيم وأيضًا هذا الرحمن الرحيم هو مالك يوم الدين فيرجو الإنسان رحمته في الدنيا ويرجو رحمته الواسعة في الآخرة وهذه الرحمة لا ييأس منها إلا القوم الخاسرون ولذلك نادى الله المسرفين في الذنوب من عباده (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ الزمر) وقد اختلف العلماء في مسألة مغفرة الذنوب جميعًا لأن من الذنوب ما نصّ القرآن على عدم مغفرته كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وكما قال تعالى في القتل (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾ النساء) وغير ذلك من الوعيد الشديد في بعض الذنوب إذا اقترفت، فكيف نجمع بين هذا الوعيد في عدم المغفرة وعدم الرحمة وبين (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف: 156] وبين (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)؟ هل هنالك تعارض بين هذه النصوص؟ الجواب: لا تعارض بين هذه النصوص، لأن هذه النصوص التي تنفي المغفرة مقيدة بعدم التوبة (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 116] ما دون ذلك يغفره لمن يشاء. المشرك إذا أراد أن يتوب إلى الله من شركه هل يغفر الله له؟ نعم، وجميع الصحابة كانوا مشركين قبل أن يكونوا مسلمين وقد تاب الله عز وجلّ من الشرك ودخلوا الإسلام وتقبلهم الله عز وجلّ وأمدّهم في هذا الدين ورفع ذكرهم وشأنهم حتى جعلهم أئمة يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر,

هذه عن الرحمن الرحيم، أيضًا هنالك مسألة مهمة جدًا في باب أن ذكر الرحمن الرحيم في هذا الموطن الذي هو موطن الرجاء على ذلك الموطن الذي هو موطن الخوف يدل على أن اللفظة نفسها مشتملة على الخوف والرجاء، كيف اشتملت على الخوف والرجاء ؟ يقول ابن القيم رحمه الله: إن الحب والخوف والرجاء هذه الثلاث هي مقومات عبادة الله عز وجلّ عبادة القلب، أن يكون حب فإذا ضعف الحب ضعفت العبادة، أن يكون خوف فإذا ضعف الخوف ضعفت العبادة، أن يكون رجاء فإذا ضعف الرجاء ضعفت العبادة فكلاها مع بعض (الرحمن الرحيم) هذا عنوان الرجاء الواسع وإذا فرقنا بينهما كانت الرحمن تفيد الخوف والرحيم تفيد الرجاء.

عندما نأتي إلى (الحمد لله رب العالمين) نجد نفس المعنى (الحمد لله) تورث الخوف (رب العالمين) تفتح باب الرجاء (الرحمن) تورث الخوف (الرحيم) تفتح باب الرجاء (مالك يوم الدين) تورث الخوف. إذن أصبح عندنا كم نسبة الخوف؟ وكم نسبة الرجاء؟ (الحمد لله) تورث الخوف (الرحمن) لوحدها تورث الخوف (مالك يوم الدين) تورث الخوف (ملك يوم الدين) تورث الخوف، فهذه أربع آيات تدفع للخوف من الله عز وجلّ. ننظر إلى الجانب الآخر التي هي الكلمات في هذه الآيات التي تدفع للرجاء (رب العالمين) تدفع للرجاء (الرحيم) تدفع للرجاء (ملك يوم الدين ومالك يوم الدين) لأنه رب العالمين ولأنه رحيم فيدفع ذلك للرجاء فكان الخوف سابق والخوف لاحق والرجاء بينهما. (الحمد لله رب العالمين) فيها خوف ورجاء، (مالك يوم الدين) فيها خوف ورجاء (الرحمن الرحيم) فيها خوف ورجاء لكن الخوف يسبق الرجاء ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا وإن سلعة الله غالية ألا وإن سلعة الله الجنة.

هنالك دلالات في أسماء الله الحسنى تدل على جميع أسمائه فمثلًا عندما تقول: اللهم إني اسألك بأني أشهد أن أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم إذن أنت قد دعوت الله بجميع أسمائه لأن جميع الأسماء متعلقة بهذين الاسمين: الله، الرحمن. فمن دعا الله باسم الله لفظ الجلالة (الله) وباسم الرحمن فقد دعا الله بجميع أسمائه ولذلك هناك ما يسمى الاسم الأعظم والاسم الأعظم هو كل اسم من أسماء الله عز وجلّ ذُكر بعد توحيده مثلًا: لا إله إلا أنت رب العالمين، لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، لا إله إلا أنت مالك يوم الدين، لا إله إلا أنت الملك القدوس، لا إله إلا أنت الحيّ القيوم، ومن ذلك قول ذي النون (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [يونس: 87].

 

أسأل الله بأسمائه وصفاته وكلماته أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ويتجاوز عنا وعنكم سيئها وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل