روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الثانية - الدرس الثاني - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

من دورات منصة زادي للتعليم عن بعد (تفريغ مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة)

الوحدة الثانية: من قوله تعالى "الحمد لله رب العالمين" إلى "مالك يوم الدين"

الدرس الثاني: تفسير قوله تعالى "رب العالمين"

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا الكريم محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،،،

سبق معنا الحديث في الدرس الماضي عن قوله تعالى "الحمد لله" واليوم مع قوله تعالى "رب العالمين" وهذه الكلمة "رب" مضافة و"العالمين" مضاف إليه ما قبلها، والكلمتان صفة للفظ الجلالة "الله"، من هو الله؟ هو رب العالمين. وهنا نقف عند كلمة "رب" ما معنى الرب؟ وما هي المعاني اللغوية التي يرد بها هذا اللفظ؟

هذا اللفظ يرد على خمسة معان، وكل هذه المعاني وردت في القرآن.

يرد الرب بمعنى "الإله" ومنه قول الله عز وجل على لسان يوسف عليه السلام: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39) فالرب هنا بمعنى الإله.

ثم يأتي الرب بمعنى الملِك، ومنه قول عبدالله بن عباس رضي الله عنه "لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من ثقيف" وقصد بذلك الحجاج بن يوسف وعبدالله بن الزبير، أي أن يكون ملك علي رجل من قريش (وهو عبد الله بن الزبير) أحب إلى من أن يكون علي ملك رجل من ثقيف (وهو الحجاج بن يوسف)، فيطلق الرب على السيد المطاع. ومنه قول الله عز وجل أيضًا على لسان يوسف عليه السلام: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) (يوسف: 23) وقصد بذلك الملك أو السيد المطاع، أحسن مثواي في بيته عندما قال أكرمي مثواه، وعندما قال هذه الكلمة قصد صاحب البيت وهو السيد.

ويأتي الرب بمعنى "المالك" ومنه قول عبد المطلب "أنا رب الإبل وللبيت رب سيحميه."

ويأتي الرب بمعنى المصلِح ومنه قول الله عز وجل (وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران: 79) ومنه أيضا ما يسمى بـ "المربى" أي المصلح من الفاكهة والرُب الذي يصلح السمن وهو يكون أيضا من العسل وغيره، ويدخل على السمن فيصلحه وغير ذلك، وما يسمى روب أيضًا الذي يصلح اللبن فيدخل فيه ويصلحه، وهذا من باب الإصلاح.

إذا هذه المعاني الخمسة 1. الإله المعبود 2. الملك 3. المالك 4. السيد المطاع 5. المصلح للشيء بعد فساده.

نأتي لهذه المعاني الخمسة مع لفظ "رب العالمين" فإذا قلنا رب العالمين إله العالمين - نعم، إذا قلنا رب العالمين ملك العالمين - نعم، إذا قلنا رب العالمين مصلح أحوال العالمين - نعم، رب العالمين سيد العالمين - نعم، إذا قلنا رب العالمين الإله المعبود كذلك نعم. فهذه المعاني الخمسة وكلها صحيحة أن تضاف إلى الله جل جلاله.

ماهي الربوبية؟ ربوبية الله للعالمين ماهي علاماتها؟ ما هي أسسها؟

تقوم ربوبية الله عز وجلّ للعالم على أربعة أسس:

الأساس الأول هو الخلق (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وهذا الأساس من أعظم الأسس لأنه لا شريك لله في الخلق (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) (لقمان: 11) طبعا لم يخلقوا شيئا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج: 73) إذا هذا الأساس الأول وهو أساس الخلق.

الأساس الثاني: هو الرزق، فالله عز وجل وحده الرزاق إذا خلق رزق، وهذا الرزق يدخل في التدبير(تدبير الرزق) قال تعالى (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) (السجدة: 5) من ذلك التدبير تدبير الأرزاق فيرزق الحيتان في البحر، ويرزق الطير في السماء، ويرزق الجنين في رحم أمه، ويرزق كل مخلوق خلقه، خلق له رزقه ولذلك قال الله تعالى (سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3)) قدر الرزق فهدى له، إذا هذا الأساس الثاني وهو أساس التدبير أو أساس التقدير (تقدير الرزق).

الأساس الثالث هو الملك. إن الله عز وجل لا يخلق لغيره إنما يخلق بإرادته إذا أراد أن يخلق، ولا يمتثل أو يستجيب لأوامر أخرى – ليس هناك آمر سوى الله عز وجل – ولهذا قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس: 82) فهو وحده الذي يخلق إذا شاء ولذلك قال تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر: 24) فله الخلق وله البرء وله التصوير بإرادته وليس بإرادة غيره، يخلق ما يشاء ويختار من خلقه ما يشاء.

الأساس الرابع هو العلم (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14) (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الملك: 13) (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) ( الأنعام:59)

إذا خلقٌ تدبيرٌ، ملكٌ، علمٌ، هذه الأربع هي أسس ربوبية الله عز وجل للعالم ولا شريك له في شيء منها،لا شريك له في خلقه، ولا شريك له في تدبير شؤون خلقه، ولا شريك له في ملك خلقه، ولا شريك له في العلم المحيط بخلقه جل جلاله (ألا يعلم من خلق) سبحانه وتعالى.

أيضا هنالك خمسة كلمات، هذه الكلمات الخمسة تربط الخلق بالخالق وينبغي أن نتعلمها ونذكرها من باب ربط المخلوق بالخالق. قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) – إيجاد (والذين من قبلكم لعلكم تتقون).. (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء) – إعداد (وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) – إمداد ، وأيضا (لا تجعلوا لله أندادا) – إرشاد، وآخر شيء هو الإسعاد بمعرفة هذه، وهذا يكون بدخول الجنة، وقد ذكر الله عز وجل آخر هذه الآيات دخول الجنة بغير حساب. فهذه الخمسة أولها إيجاد ثم إعداد ثم إمداد ثم إرشاد ثم إسعاد في النهاية، وهذا لا يكون إلا بمعرفة الرب.

والرب سبحانه وتعالى هو الذي يتعرف على عباده بأفعاله، الخلق فعله، الرزق فعله، التدبير فعله، العلم منسوب إليه، ما تراه من خلق هو خلقه (أمر من الله عز وجل) وهو يدل على الله (هذا خلق الله).

هنا مسألة عظيمة في ذكر الرب بعد ذكر الإله (الحمد لله رب العالمين) لم يقل مثلا الحمد لله رحمن وكانت الرحمة من ربوبيته لأن هناك من لعنهم، ولم يقل الحمد لله ملك العالمين لأن الرب أوسع من لفظ الملك، فذكر الله الرب. ومن نظر في سورة الناس ونظر في سورة الفاتحة وجد في افتتاح سورة الناس وافتتاح سورة الفاتحة علاقة عجيبة. أول الناس (قل أعوذ برب الناس) الآية الثانية (ملك الناس) الآية الثالثة (إله الناس) رب - ملك - إله، ومن نظر في الفاتحة "الحمد لله رب العالمين (1) الرحمن الرحيم (2) مالك يوم الدين (3)"

نأتي للناس وللفاتحة حتى نعلم العلاقة بين هذه الآيات لأن فيها توضيح وبيان. رب الناس هو نفسه رب العالمين، ملك الناس هو نفسه الرحمن الرحيم، إله الناس هو نفسه مالك يوم الدين.

لماذا هناك ذكر لفظ الناس؟ وفي الفاتحة ذكر رب العالمين؟ قيل لأن الناس جزء من العالمين وهم أساس العالم، والعالم بني لهم، فالسماوات بنيت لهم والأرض بينت لهم والملائكة تتنزل عليهم والجن تبع لهم. فالناس هم خلاصة هذا الخلق وهم المكلف الذي كلف من الله عز وجل بالعبادة وخيّر أيضا في أن يختار لنفسه الطريق الذي يريد، وبُعث إليه الرسل وأنزل عليه الكتب.

هنالك ارتباط بين الأسماء (لفظ الجلالة الله ولفظ الرب ولفظ الرحمن الرحيم ولفظ الملك) هذه الأسماء (الله، الرب، الرحمن، الرحيم، الملك أو المالك) ستة أسماء (الملك في قراءة وفي قراءة أخرى مالك يوم الدين). هذه الأسماء بينها ارتباط وثيق جدا يدل عليه التسلسل، أولها لفظ الجلالة (الله) آخرها (الملك) وأسماء الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين:

·         أسماء جلالة: وهي التي تورث الخوف والوجل من الله سبحانه وتعالى

·         وأسماء جمال: وهي الي تورث الحب والرجاء والقرب والأنس بأسماء الله سبحانه وتعالى.

إذن الخوف سره أسماء الجلالة، والرجاء سره يرجع لأسماء الجمال. والله سبحانه وتعالى في القرآن يجمع بين هذه وهذه. البسملة "بسم الله" هذا لفظ الجلالة وهذا قسم يورث الخوف، "الرحمن الرحيم" يورث الرجاء، ولذلك القرآن كله لا تكاد تخرج من آية لأخرى إلا وهذه الآية تزيد نسبة الرجاء وتلك الأخرى تزيد نسبة الخوف، والخوف والرجاء هما جناحا العروج إلى الله سبحانه وتعالى، لهذا قال تعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) (السجدة: 16) وقال تعالى (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)(الأنبياء: 90)

وهذه الآيات الثلاث التي افتتحت بها الفاتحة تؤصل ثلاث أسس هي أسس عبادة الله سبحانه وتعالى:

الأساس الأول هو أساس الحب ودلت عليه الآية الأولى "الحمد لله رب العالمين" لأن الرب كما ذكرت محبوب والإله (الله) محبوب وهو الذي (رب العالمين) أي خلقهم ورباهم ورزقهم ،،،، إلخ وكل هذه تدعو لمحبته، فكانت الآية الأولى آية أساس الحب الذي هو أساس العبادة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) (البقرة: 165) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) (المائدة: 54) (قل إن كنتم تحبون الله) هذه الآية الأولى "الحمد لله رب العالمين" أساس محبة الله.

ثم بعدها تأتي آية الرجاء "الرحمن الرحيم" فتؤصل هذه الآية بهذين الإسمين أساس الرجاء الرحمن ذو الرحمة الواسعة، الرحيم ذو الرحمة الواصلة.

ثم يأتي الخوف في الآية الأخيرة "ملك" و "مالك" العجيب أنهم قراءتان صحيحتان: مالك يوم الدين، ملك يوم الدين.

 

إلى هذا الحد عندما نصل إلى قوله تعالى "الرحمن الرحيم" ونقرأ بعدها "مالك يوم الدين" وقد قرأنا قبلها "رب العالمين" فنجد في هذا أسلوب التدرج من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية إلى توحيد الأسماء والصفات وبهذا التدرج يحصل العلو والارتفاع (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل