روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الثانية - الدرس الأول - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

من دورات منصة زادي للتعليم عن بعد (تفريغ مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة)

الوحدة الثانية: من قوله تعالى "الحمد لله رب العالمين" إلى "مالك يوم الدين"

الدرس الأول: تفسير قوله تعالى "الحمد لله"

بسم الله الرحمن الرحيم .الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

في هذا اللقاء نتناول وإياكم الشطر الأول من الآية الأولى من فاتحة الكتاب وهو كلمة "الحمد لله" وهذه الكلمة من أعظم الكلمات، بل هي الكلمة الجامعة للعبادات كلها: عبادة أهل السماء، وعبادة أهل الأرض، وعبادة أهل الدنيا، وعبادة أهل الآخرة.

قال الله سبحانه وتعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)(الحشر:1) وقال (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء:44) وقال عن حملة العرش (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُون) (غافر:7) وقال عن أهل الآخرة (وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )(الزمر:75) وقال عن أهل الجنة (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) (الزمر:44)

فما هو الحمد إذن الذي هذا شموليته في الدنيا والآخرة؟ ما معنى كلمة الحمد؟

الحمد كلمة جامعة لكل معاني الشكر، لكل معاني الثناء، لكل معاني المدح، وهي كلمة عامة شاملة لجميع المعاني التي يستحقها ربنا جل جلاله وهذه الكلمة إذا أضيف الألف واللام قبلها أفادت الاستغراق، ولا يمكن أن يستغرق الحمد لمخلوق البتة، بل كل مخلوق فيه كمال من جهة ونقص من جهة إلا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي له الكمال المطلق فله الحمد المطلق، لذلك جاءت الحمد بالألف واللام الدالة على الاستغراق وقيل بعدها (لله) أي الحمد المطلق لا يكون إلا لله عز وجل.

ولهذا فإنه سبحانه وتعالى يحمد على كل حال، على السراء والضراء، يحمده الغني ويحمده الفقير، يحمده القوي والضعيف والسقيم والسليم إلى غير ذلك. إذن، الحمد كلمة شاملة عظيمة. فما هو إذن الفرق بين الحمد والشكر ما دام الأمر من باب الذكر والثناء؟

فالشكر يكون على النعمة والحمد يكون على النعمة والنقمة، لذلك الفرق بينهما أن الحمد يكون باللسان (مصدره اللسان) ويكون على كل شيء، والشكر يكون من القلب واللسان والجوارح وعلى شيء واحد وهي النعمة. فبينهما عموم وخصوص كما يقول الأصوليون، فالحمد أعمّ من جهة ما يقع عليه وأخصّ من جهة المصدر (لأن مصدره اللسان) والشكر أخصّ من جهة ما يقع عليه (لأنه يقع على النعمة) وأعمّ من جهة المصدر (لأن مصدره القلب واللسان والجوارح)

لهذا قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة    يدي ولساني والضمير المحجبا

أشكر نعمتكم هذه بيدي عملا وبلساني قولًا وشعرًا وبضميري.

وأما الحمد فإنه مرتبط باللسان، ولهذا لا تجد في القرآن لفظ الحمد إلا مع القول "وقل الحمد لله" ، "وقالوا الحمد لله" ، "وقيل الحمد لله" إلى غير ذلك. ولهذا ذكر الله الحمد في القرآن في مواطن كثيرة، فذكره على ربوبية الله للعالمين كما في هذه الآية "الحمد لله رب العالمين" وذكره على إنزال الكتاب كما في قوله تعالى "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) وذكره في باب التوحيد (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) وذكر أيضا على نعمه الخاصة والعامة فمن النعم الخاصة كما ذكر إبراهيم (الحمد لله الذي وهبني على الكبر إسماعيل وإسحاق) هذه نعمة خاصة، وكذلك على النعم العامة كما قال سبحانه وتعالى (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله) فنعمة الهداية من أعمّ النعم التي يتذكرها أهل الجنة عند دخول الجنة.

إذن الله عز وجل مستحق للحمد ولذلك حمد نفسه ولذلك أيضًا جعل الحمد من أبرز وأعظم عباداته، فهو عبادة الملائكة، وهو عبادة السماوات، وعبادة الأرض، وعبادة من في السماوات ومن في الأرض، وهو الدعاء الذي يذكر في الدنيا والآخرة، بل هو الدعاء الشامل لجميع الأدعية لأنه من قال (الحمد لله رب العالمين) فقد استكمل الدعاء، وعلى هذا فهو شكر وهو ثناء وهو مدح وهو أيضًا تمجيد لله سبحانه وتعالى.

والله مستحق للحمد ولا أحد يستحق الحمد المطلق إلا الله فهو الذي يُحمد على كل حال، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحمد الله عز وجل على السراء والضراء ويحمد الله على كل حال وفي كل يوم من أيام الدنيا يحمد الله عز وجلّ على جميع نعمه فكان يقول إذا أصبح وإذا أمسى "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر" وقد يجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الحمد والشكر وهذا من باب ذكر الخاص بعد العام من باب أهميته، فالشكر أخصّ من الحمد والحمد أعمّ من الشكر وقد يذكر الخاص بعد العام لبيان أهمية الخاص كذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة (مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) (البقرة: 98) فجبريل وميكال من الملائكة لكن ذكروا بالخصوص بعد عموم الملائكة لبيان فضلهم. كذلك قد يذكر الشكر بعد الحمد لبيان فضل الشكر، وقد يذكر الثناء بعد الحمد من باب فضل الثناء، وقد يذكر التمجيد بعد الحمد من باب فضل التمجيد. ولذلك فاتحة الكتاب استفتحت بالحمد الذي هو الأعمّ ثم ثني بالثناء الذي هو أخصّ من الحمد ثم ثني بالمجد الذي هو أخصّ من ذلك، فقول الحمد لله رب العالمين يقول الله في الحديث " حمدني عبدي" ثم إذا قال الرحمن الرحيم يقول الله "أثنى علي عبدي" فإذا قال مالك يوم الدين يقول الله "مجدّني عبدي" ومعلوم أن الثناء والمجد كلاهما من أفراد الحمد، فالحمد هو الأعم والحمد هو الأشمل ولذلك ذكر مقدمًا ثم ما بعده كان من باب الخصوص بعد العموم كقوله تعالى (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر(2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر(3)) فالإيمان أصل (وعملوا الصالحات " فرع من الإيمان "وتواصوا بالحق" فرع من العمل الصالح "وتواصوا بالصبر" فرع كذلك من العمل الصالح، فذكر الفرع بعد الأصل لبيان أهمية هذا الفرع.

أما الفرق بين لفظة "الله" ولفظة "الإله": فلفظة "الله" هي اسم الجلالة الخاص بالله سبحانه وتعالى ولفظة الإله قد تطلق على غير الله كذبًا وزورًا ولذك الله عز وجل يقول "أإلـه مع الله" وكلمة إله هنا نكرة وكلمة الله معرفة فعلى ذلك "لا إله إلا الله" أي لا إله ( لا يوجد) أما "الله" بالتعريف فهو عَلَم على الذات وهو اسم الجلالة وهو الاسم الأعظم وقد اختلف العلماء في لفظة الجلالة أهي مشتقة من أصل أم أنها كما هي من غير اشتقاق، فمنهم من يقول هي اسم جامد لا أصل له غير مشتق (لا أصل له في اللغة العربية اشتق منه) ومنهم من يقول إن له أصل اشتق منه وهو لفظة الإله وأنه مشتق من لفظة الإله فعلى ذلك يكون لفظة الإله ثقل الهمز الذي فيها (ال –إ- لا-ه) فحذف الهمز والتقى اللام بالام فأصبح لفظ الجلالة (الله) ومن هنا بدل من أن تقول (لا إله إلا الإله) تقول (لا إله إلا الله) وهذا من باب التسهيل على الناس حتى ينطقوا لفظ الجلالة وهذا سائغ في اللغة العربية ووارد فيها.

أما الألوهية فقد اختلف العلماء في معنى الألوهية ومن أي شيء اشتقت: قيل إنها اشتقت من الألَه، والأله الحب، ومنه قول الشاعر:

لله در الغانيات المدّهي       سبّحن واسترجعن عن تألهي (أو من تألّهي)

الغانيات: الفتيات الغانيات، المدهي، سبّحن واسترجعن من تألهي أي من محبته، عندما يرونه يذكرن هذا الحب ويذكرن اسمه ويرددن اسمه حبًا له. ومن أحب شيئا أكثر من ذكره لذلك الله عز وجل هو محبوب خلقه فجميع خلق الله يحبونه ويرددون أسماءه محبة له، ولذلك (إقرأ باسم ربك)، (سبح اسم ربك)، (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).

فدعاؤنا لله عز وجل بأسمائه وذكرنا لأسمائه هو دليل محبتنا له، ولهذا تعددت أسماؤه سبحانه وتعالى التي هي تشتمل على صفاته وصفاته تدل عليه وهذه الأسماء وهذه الصفات تزيد محبة العباد فيه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الصحابي الذي كان يكرر سورة الإخلاص في صلاته قال: "ما حملك على هذا؟ ألا تحفظ غير هذه السورة؟ قال: بلى يا رسول الله أحفظ غيرها لكنها سورة فيها اسم ربي وصفة ربي وإني أحب صفة ربي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة."

فالله هو المحبوب، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى لعموم الخلق "قل إن كنتم تحبون الله" على دعوى أنكم تحبون الله، فاليهود يقولون والنصارى يقولون والمشركون يقولون كلٌ يقول أنه محب لله.

كل يدّعي وصلا بسلمى     وسلمى لا تقرّ لهم بذاك

أي هذا الحب لا بد له من برهان لهذا قال تعالى "قل إن كنتم تحبون الله" كما تزعمون، "قالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه" وكذلك المشركون قالوا عن عبادتهم للأصنام (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فيقول الله عز وجل (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) لأن محبتكم لله فطرية، فطر الله خلقه على محبته فلا يوجد مخلوق إلا وهو يحب الله سبحانه وتعالى، ولكن هل الله عز وجل يحب كل عباده وكل خلقه؟ لا، فالله عز وجل لا يحب الجهر بالسوء من القول، لا يحب المسرفين، لا يحب المشركين، ولا يحب الظالمين، لا يحب أصحاب أعمال وأصحاب صفات معينة، بل لا يحب الله عز وجل من هذه الأمة إلا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) العجيب أن الله عز وجل ربط الحب باسمه بلفظ الجلالة "الله" تحبون الله ولم يقل تحبون الرب أو تحبون الإله وإنما قال تحبون الله لأن هذا اللفظ الذي ارتبطت به الألوهية وارتبط به الحب الكامل.

والفرق بين محبة العباد لله ومحبة الله لعباده فرق شاسع. فمحبة العباد لله قد جبلوا عليها وكل مخلوق كما ذكرت -النفوس جبلت على محبة من أحسن إليها - ولا يوجد محسن إلى النفوس أكثر من خالقها وبارئها ولذلك ذكّر الله الإنسان بخلقه وبفضل الله عليه فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّك بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) الإنفطار).

الله محمود سبحانه وتعالى في ألوهيته، ومحمود في ربوبيته، ومحمود في رحمانيته، ومحمود في ملكه، محمود بكل لسان وفي كل زمان، ولذلك ما علينا أن نقول إلا (الحمد لله رب العالمين) في جميع أوقاتنا وأحوالنا وعلى جميع فضله علينا ونعمه ولو كررنا مدى الحياة وعلى قدر الأنفاس (الحمد لله رب العالمين)، (الحمد لله رب العالمين) ما كان ذلك على قدر نعم الله عز وجل علينا بل نعمه أعظم "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " لكن فضل الله علينا أننا إذا حمدناه وذكرنا هذه الكلمة كتبنا من الحامدين ففي حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ربه أنه قال: ("قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال الله: "حمدني عبدي".

 

كلمة وهي من الله أصلا ثم تكررها انت وتردها إلى الله وتكتب بها من الحامدين وهذا مثل الكلمة التي تلقاها آدم وكان بها من التائبين (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) ونحن الآن نتلقى الفاتحة ونكررها ونقرؤها ويتلقاها الله منها ويتقبلها ويكتبنا من الحامدين، ويكتبنا من المثنين عليه، ويكتبنا من الممجدين له، ويكتبنا من العابدين، ويكتبنا من المستعينين، ويهدينا بعد ذلك إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل