روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الأولى - الدرس الثالث - د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

من دورات منصة زادي للتعليم عن بعد (تفريغ مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة)

الوحدة الأولى مقدمات حول تفسير السورة

الدرس الثالث: مناسبات السورة

بسم الله الرحمن الرحيم  والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله ‏وأصحابه أجمعين.

سنتحدث عن مناسبات آيات الفاتحة بعضها لبعض، وعن مقاصدها بإذن الله تعالى.‏

وإذا أردنا أن نتحدث عن مناسبات الآيات فلا بد أن نبدأ بالبسملة على فرض أنها آية من فاتحة الكتاب ‏والعلاقة بينها وبين آيات الفاتحة على قول من قال أن البسملة آية وسنأتي للبسملة بإذن الله تعالى بشيء ‏من التفصيل. ولكن على فرض أنها آية فما العلاقة بين البسلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" والحمدله ‏‏"الحمد لله رب العالمين" ؟‏

إن العلاقة واضحة بين البسملة والحمدله، فالبسملة هي استعانة باسم الله على قراءة كتاب الله امتثالا ‏لأمر الله الذي قال "اِقرأ باسم ربك" ولم يقل "اِقرأ بحمد ربك" ولو قال "إقرآ بحمد ربك" لكان الافتتاح ‏بالحمد لكل سورة، ولكن لما قال "اِقرأ باسم ربك" كان افتتاح السور باسمه سبحانه وتعالى لكن أي أسماء ربك تفتتح ‏به القراءة؟ الاسم الذي ترتب الخلق عليه: الاسم الذي ذكره الله عز وجلّ ثم ذكر الخلق بعده وهذا الاسم هو ‏‏(الرحمن) لأن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن "" الرحمن.. علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان) ولما كان ‏العلم مترتب على هذا الاسم وهو أثر من آثار رحمة الله عز وجلّ كانت القراءة باسم الرحمن أولى من القراءة ‏بأي اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى "الرحمن * علم القرآن" ولقوله تعالى (رينا وسعت كل شي ‏رحمة وعلما فرتب العلاقة بين رحمته وعلمه ولقوله تعالى "فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة منا ‏وعلمناه من لدناعلما" فجمع الله سبحانه وتعالى بين رحمته التي اشتمل عليها اسمه الرحمن الرحيم وبين العلم.‏

فلما كانت صفة الرحمة من أخص صفات الله، وكتبها على نفسه، واستوى بهذه الصفة على عرشه ‏‏"الرحمن على العرش استوى" كان كلامه أيضا يقتضي رحمته حتى يفهم، وحتى يُعلم، وحتى يحفظ، لإنه ‏لولا رحمة الله لما استطعنا أن نسمع كلامه لأن الله سبحانه وتعالى إذا تكلم صعق الملائكة وهم من هم ‏في عظمتهم وقوتهم، لكن الله سبحانه وتعالى يسر برحمته هذا القرآن للذكر، حتى يقرأه الإنسان بسهولة ويسر وهو ‏كلام الله العزيز الحكيم، وهو كلام الله الجليل العظيم جل جلاله. إذ، المناسبة بين قوله "بسم الله الرحمن ‏الرحيم" وبين قوله "الحمد لله رب العالمين" واضحة إذ باسمه الرحمن الرحيم استطعنا أن نقرأ القرآ، ‏وباسمه الرحمن الرحيم استطعنا أن نفهم القرآن، فالحمد لله رب العالمين على إنزال هذا الاسم الذي به ‏حصل الفهم وحصل العلم وحصل الدخول إلى أعماق آيات القرآن كما قال تعالى "فبما رحمة من الله لنت ‏لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" فبرحمة الله لان النبي صلى الله عليه وسلم وبرحمة الله أيضًا تيسر ‏القرآن للذكر وبرحمة الله قرأ القارؤون القرآن واستمع المستمعون له وتدبر معانيه المتدبرون فالحمد لله ‏رب العالمين على رحمته التي وسعت كل شيء.‏

هذا بالنسبة للمناسبة بين البسملة وهي الآية الأولى على فرض كونها الآية الأولى وبين قوله الحمد لله ‏رب العالمين. أما المناسبة بين قوله " الحمد لله رب العالمين" وقوله تعالى "الرحمن الرحيم" فهي ‏واضحة بينة لأن الله سبحانه وتعالى لما قال "الحمد لله رب العالمين" دخل في هذه الآية جميع خلق الله من ملائكة ‏وجن وإنس وغير ذلك ودخل في الملائكة كبارالملائكة وعظماؤهم مع بقية أفراد الملائكة الذين لا ‏يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فإذا كان ربهم الله هو نفسه ربنا وقارنّا بين أعمالنا وأعمالهم ‏فإننا سنحقر أنفسنا لإنهم هم لا يعصون الله ما أمرهم ونحن نعصي الله إذا أمرنا في بعض الأحيان، وهم ‏يفعلون ما يؤمرون ونحن قد لا نفعل ما نؤمر به كذلك، فعندئذ عنما يقارن بين أفعالنا وأفعالهم فإن ‏النار ستجب علينا جميعًا وإن الجنة ستكون خاصة بملائكة الله لأن كل ابن آدم خطاء، فلما كان الإنسان ‏بطبيعته الخطأ كان الله عز وجل يقابل ذلك الخطأ بالرحمة الواسعة فقال "الحمد لله رب العالمين * الرحمن ‏الرحيم" حتى يطمئن قلوب المؤمنين على رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء.‏

أما المناسبة بين قوله "الرحمن الرحيم" وقوله "مالك يوم الدين" فهي واضحة جدا لأنه قال " الحمد لله ‏رب العالمين * مالك يوم الدين لهلك الذين يخافون الله عز وجلّ ويعرفونه ولا يأمنون مكره لأنه إذا كان هو ‏رب العالمين وهو مالك يوم الدين يوم الجزاء، والدين هو الجزاء والجزاء من جنس العمل فعامل الملائكة ‏على ما عملوا وعامل الانبياء والرسل على ما عملوا فالذين أخطأوا من بني آدم سيعاملون على مقتضى ما ‏عملوا يوم الدين فعندئذ يستحقون النار جميعا فجاءت "الرحمن الرحيم" واسطة بين قوله "الحمد لله رب ‏العالمين" وقوله "مالك يوم الدين"‏.

كما أن من المناسبة بين قوله تعالى "الحمد لله رب العالمين" وقوله "الرحمن الرحيم" وقوله "مالك يوم ‏الدين" مناسبة واضحة في طريق السير إلى الله عز وجلّ ومناسبة أخرى في ترسيخ الأسس التي تقوم عليها ‏أعمال القلوب، فقوله "الحمد لله رب العالمين" أصلٌ بُنيَ عليه كمال المحبة لله رب جل جلاله، وقوله ‏‏"الرحمن الرحيم" فهو أصلٌ بُنيَ عليه كمال الرجاء في ما عند الرب جل جلاله، وأما قوله "مالك يوم ‏الدين" فهو أصلٌ بُنيَ عليه كمال الخوف من الله سبحانه وتعالى فكأن الله بهذا الترتيب يقول لعباده يا عبادي إذا ‏أحببتموني حبا عظيما فأحسنوا الرجاء فيما عندي، أحسنوا رجاءكم وأحسنوا ظنكم فيما عندي فإني ‏أحبكم كما تحبونني وأكثر مما تحبونني وأذكركم كما تذكرونني وأكثر مما تذكرونني فيفتح الله باب ‏الرجاء بسعة رحمته ثم بعد ذلك لا ينقطع ذلك الرجاء ولكن يأتي الخوف لأنه ثمة يومٌ للجزاء وهو يوم ‏الدين، وعندما يكون الجزاء من جنس العمل فكل عامل سيشعر بالتقصير حتى الملائكة يوم تقوم ‏الساعة يقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فإذا كان هذا قول ملائكة الله فمن باب أولى قول غير ‏الملائكة من الذين يعصون الله من عباد الله. فعلى ذلك يكون قوله "مالك يوم الدين" أصلٌ أيضًا للخوف ‏من الله، وبهذا تأتي أصول الأعمال –أعمال القلوب ككمال المحبة في قوله "الحمد لله رب العالمين" ‏وكمال الرجاء في قوله "الرحمن الرحيم" وكمال الخوف في قوله "ملك يوم الدين" وإذا أصّلتَ هذه ‏الأصول الثلاثة لأعمال القلوب فإنه بعد ذلك تتوجه القلوب إلى الله مُحبة وراجية وخائفة فيحسُن عندئذ أن ‏تقول "إياك نعبد" لأنها قد حصل بها كمال المحبة المحضة التي لا شريك لله فيها، وكمال الرجاء المحض ‏الذي لا شريك لله فيه، وكمال الخوف من الله المحض الذي لا شريك لله فيه، وبهذه الثلاثة تكمن العبادة ‏قيقول العبد "إياك نعبد." ‏فإياك نعبد حقيقة وإياك نستعين بك على عبادتك فنستعين بك على كمال محبتك في قلوبنا، ‏ونستعين بك على كمال رجاء ما عندك في قلوبنا وفي حياتنا، ونستعين بك على كمال الخوف منك فيكون ‏بذلك عبادتك ويكون بك الاستعانة على ذلك حتى نعبدك حق عبادتك ولا يمكن لنا أن نعبدك حق عبادتك ما ‏لم تهدنا فيقول الله عز وجلّ بعد "إياك نعبد وإياك نستعين" "اهدنا الصراط المستقيم" ‏

والمناسبة بين قوله "إياك نعبد وإياك نستعين وقوله "اهدنا الصراط المستقيم" واضحة إذ لو لم تخلص ‏النية لله عز وجلّ ويعلم الله في قلبك إرادة الخير لما وُفّقت للهداية لقول الله عز وجلّ "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ‏يؤتكم خيرا" فكان الترتيب في آيات هذه السورة ترتيب واضح المناسبات، ففي قوله "إياك نعبد وإياك ‏نستعين اهدنا الصراط المستقيم" أي لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك وأول ما تعيننا به هو ‏الهداية لأن الله عز وجلّ جعل الهداية هي سر انشراح الصدر لقوله تعالى "من يرد الله أن يهديه يشرح صدره ‏للإسلام" وإذا انشرح صدرك للإسلام زاد حبك للإسلام وحبك لله عز وجلّ وحبك لملائكته وحبك لأنبيائه وحبك ‏لأمره وكراهيتك لما نهاك عنه وهكذا "وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكرّه إليهم الكفر والفسوق ‏والعصيان). "اهدنا الصراط المستقيم" وهذه الهداية بعد قوله "إياك نعبد وإياك نستعين" شاملة لهداية ‏التوفيق ولهداية الإرشاد ولهداية الإلهام وغير ذلك من أنواع الهدايات. "اهدنا الصراط المستقيم" أي ‏علمنا الصراط المستقيم الذي هو القرآن، "اهدنا الصراط المستقيم" أي ألهمنا السير على هذا الصراط ‏المستقيم، "اهدنا الصراط المستقيم" أي ثبتنا على هذا الصراط المستقيم "صراط الذين أنعمت عليهم غير ‏المغضوب عليهم ولا الضالين"‏

وهذه واضحة لأن الصراط المستقيم اسمع جامع للطريق المستقيم الموصل إلى الله لكن هذا الصراط سار ‏عليه كثير منهم من تعثر في سيره ومنهم من ضلّ في سيره ومنهم من واصل استقامته في سيره حتى ‏وصل إلى منتهى الصراط، وعلى رأس أولئك النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك ‏رفيقا لقوله تعالى (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) (غير المغضوب عليهم) وهؤلاء الذين ‏غضب الله عليهم من اليهود والنصارى وكذلك المجوس والمشركين كلهم غضب الله عليهم إلا أن الغضب ‏على اليهود أخص، "ولا الضالين" يدخل اليهود أيضا في الضالين والنصارى في الضالين والمشركون ‏كلهم في الضالين لكن النصارى بها أخص فشمل الغضب اليهود ومن تبعهم من الذين كفروا، كما شملت ‏الضلالة النصارى ومن تبعهم، فالنصارى دخلوا في جزء من الغضب مع اليهود واليهود دخلوا في جزء من الضلالة ‏مع النصارى ونجّى الله المؤمنين الذين هداهم إلى الصراط المستقيم نجاهم من ضلالة هؤلاء ومن غضبه ‏على هؤلاء، فكانت المناسبة واضحة إلا أنه أيضًا من نظر في هذه السورة وأولها ووسطها وآخرها علم ‏أن أولها رحمة وأن وسطها هداية وأن آخرها نعمة ليبين أنه لا هداية إلا برحمة لا هداية إلا لمن رحمه الله وأيضًا لا نعمة إلا لمن ‏هداه الله فتكون الرحمة أساس الهداية والهداية أساس النعمة والنعمة أساس الاستقامة على الدين.‏

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن أنعم عليهم وهداهم واستقاموا على شرع الله عز وجلّ حتى يلقونه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل