روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الأولى - الدرس الثاني- د. محمد علي الشنقيطي

مساق روائع تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

من دورات منصة زادي للتعليم عن بعد (تفريغ مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة)

الوحدة الأولى مقدمات حول تفسير السورة

الدرس الثاني: أسباب النزول والمكي والمدني

بسم الله الرحمن الرحيم  والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله ‏وأصحابه أجمعين.

لقاؤنا اليوم حول أسباب نزول هذه السورة، وترتيب نزولها، ونزلت قبل ماذا، وبعد ماذا، وهل هي مكية ‏أو مدنية، أو مكية مدنية، وما مناسبتها مع السورة التي بعدها، وما مناسبتها أيضًا وعلاقتها مع سائر سور القرآن. ‏

فبادئ ذي بدء أذكر ما يتعلق بسبب النزول، ليست كل سورة من القرآن لها سبب في نزولها، فهنالك سورة نزلت ابتداء من غير معرفة سبب، وهنالك سور نزلت بعد معرفة سبب، وقد تتعدد الأسباب وتنزل سورة واحدة لأسباب متعددة، وقد تنزل الآيات لأسباب متعددة، وقد يتوحّد السبب وتنزل سور متعددة لذلك السبب، وآيات متعددة لذلك السبب. لكن هذه السورة بما أنها في ترتيب نزولها تعتبر الأولى نزولًا من حيث الكمال فهي أول سورة كاملة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لم تنزل سورة كاملة قبلها، كما أن سورة النصر آخر سورة كاملة على النبي صلى الله عليه وسلم. فّإذا قلنا أول ما نزل من القرآن فاتحة الكتاب وآخر ما نزل من ‏القرآن سورة النصر، فإننا بهذا القول نقتضي أنها أول سورة كاملة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كما أن آخر سورة كاملة نزلت عليه هي سورة إذا جاء نصر الله والفتح، والعلاقة واضحة بين فاتحة الكتاب والنصر ‏والفتح. ثم لو قلنا على حسب النزول أول ما نزل من القرآن "اِقرأ باسم ربك الذي خلق" وآخر ما نزل ‏من القرآن (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) فإن هذا على اعتبار أول ما نزل من القرآن مطلقًا – يعني ‏من آيات القرآن – فأول آية نزلت من القرآن "إقرأ باسم ربك الذي خلق" وآخر آية نزلت من ‏القرآن "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" فيكون النزول هنا باعتبار الآيات لا باعتبار السور. وأما حديث جابر عن عائشة رضي الله عنها أن أول ما نزل من القرآن "يا أيها المدثر" فإن هذا أيضا لا يتعارض مع ما ذكرناه فقد ورد عن جابر أن أول ما نزل من القرآن "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (‏1‏)‏قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ ‏فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)‏" وهذا لا يتعارض مع حديث عائشة، حديث عائشة ‏رضي الله عنها أن أول ما نزل "اِقرأ باسم ربك الذي خلق"، وحديث جابر أن أول ما نزل "يا أيها المدثر" ‏والجمع بين القولين أن يقال ما نزل مطلقًا هو ما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها وهو ما ابتدئ به ‏النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي "اِقرأ بايم ربك" وأول ما نزل في حديث جابر يعني بعد الرسالة، ‏فيحمل حديث ‏عائشة على أول ما نزل بعد النبوة، وحديث جابر رضي الله عنه على أول ما نزل بعد الرسالة. طبعا، هذه السورة ‏نزلت بعد الرسالة، فهي في ترتيب نزولها تعتبر السورة السادسة، وأول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم سورة العلق أو فواتح سورة العلق "إقرأ باسم ربك الذي خلق" ثم بعدها فواتح سورة المدثر يا أيها ‏المدثر" ثم بعد ذلك سورة الضحى، وبعد ذلك سورة "نون والقلم وما يسطرون" أو فواتح السورة ‏وفاتحة الكتاب تعتبر هي السادسة في ترتيب النزول وقيل الخامسة في ترتيب النزول.‏

وهي مكية، يعني نزلت بمكة ولا خلاف في ذلك، وقيل مدنية لأنها نزلت مرة أخرى في المدينة، والصحيح أنها مكية، ولو نزلت في الميدنة  لحديث "أبشر بنورين أوتيتهما " الذي سبق ذكره، وهذا ‏الحديث والحدث حصل في المدينة، فذلك دليل على نزول الفضل. وأكبر دليل على أنها نزلت في مكة ما ‏ورد في آية الحجر (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (الحجر:87) وسورة الحجر مكية، ‏وآتيناك على صيغة الماضي فدل على أنها فعلا نزلت قبل نزول الحجر، وذلك ما حصل في مكة لأن سورة ‏الحجر كلها مكية.‏

أما مناسبتها مع السور فيه أم لسائر سور القرآن، ولسائر آيات القرآن، ولو قرأتها قبل أي سورة من ‏القرآن لوجدت المناسبة بينها وبين السورة التي تقرأ، ولو قرأتها قبل أي آية من آيات القرآن لتبين لك ‏أيضًا مناسبة بينها وبين الآيات التي قُرئت بعدها، لذلك كانت في فاتحة القرآن في أوله وكانت مناسبتها ‏مع أول سور القرآن وهي أيضًا السبع الطوال. وقيل إن السبع الطوال هي السبع المثاني، والصحيح أن ‏السبع المثاني هي فاتحة الكتاب وأما السبع السور الطوال التي افتتح القرآن بها فهي البقرة وآل عمران ‏والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال، هذه السبع الطوال، وكل واحدة منها لها علاقة وطيدة ‏بفاتحة الكتاب إلا أن البقرة وآل عمران آكد في العلاقة من غيرهما وذلك أن خواتيم سورة الفاتحة ذكر الله ‏عز وجل فيها (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ‏الضَّالِّينَ (7)) آمين. وهذه الآيات فصّلت وبيّنت في السورتين معًا، فقوله " اهدنا الصراط المستقيم.*. ‏صراط الذين أنعمت عليهم " فسرته فواتح سورة البقرة في قوله تعالى "ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ‏هدى للمتقين" اقرأ "اهدنا الصراط المستقيم" واقرأ "هدى للمتقين" ليتبيّن لك معنى الصراط المستقيم، ‏وأن الصراط المستقيم هو القرآن، وأنه هدى للمتقين، وأن المتقين هم الذين أنعم الله عليهم، وأن صفاتهم ‏كما ذكرت سورة البقرة (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ‏وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ ‏هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(5) ‏) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ ‏الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فهدى للمتقين، أولئك على هدى، هذا مناسب لقول " اهْدِنَا ‏الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ‏" وقوله " الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " يناسبها " وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " المفلحون بإنعام ‏الله عز وجلّ عليهم. فهذا بالنسبة للعلاقة بين الفاتحة وبين فواتح سورة البقرة. " غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " ‏تفسرها وتبينها "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6)‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ‏وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)" فبين في هاتين الآيتين أن هؤلاء غُضب ‏عليهم فلم ينتفعوا بالمواعظ ولم ينتفعوا بالزواجر وسواء عليهم أأنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرأن أو بالسنة ‏أو لم ينذرهم أصلًا.‏

أما قوله تعالى (ولا الضالين) فذلك ما فسرته الثلاثة عشر آية التي وردت في المنافقين بعد ذلك في قوله ‏تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ‏وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)‏فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا ‏كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)) فبيّن في هذه الآيات صفات المنافقين وهم أشبه بالنصارى لكون ‏الجميع يجمع بينهم قاسم مشترك وهو الضلالة بينما المشركون أشبه باليهود وذلك لكونهم يجمع بينهم ‏قاسم مشترك وهو الغواية وهي الطغيان فأهل الكتاب اليهود خاصة يعلمون أنه الحق من ربهم وكذلك ‏المشركون يعلمون أنهم على باطل فاجتمع الذين كفروا في قوله المغضوب عليهم واجتمع المنافقون ‏والنصارى في قوله ولا الضالين وكان ذلك ما انفردت به البقرة وآل عمران، فكانت البقرة لتفصيل غير ‏المغضوب عليهم وكانت آل عمران لتفصيل ولا الضالين.‏ فاشتملت البقرة على أوصاف اليهود من قوله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ‏وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)) إلى آخر ما تحدثت عنه من قصص بني إسرائيل ‏من قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ‏يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ... (102)) إلى خواتم تلك الآيات التي اشتملت على جزء ‏وزيادة وكلها تتحدث عن بني إسرائيل. بنما النصارى تحدثت عنهم سورة آل عمران في قوله تعالى (قُلْ ‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا ‏أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ (64)) وكما قال تعالى أيضًا في قصة عيسى ابن مريم (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ‏الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ... (52)) فتجد أن البقرة اشتملت على قصة موسى وقومه، وأن آل ‏عمران اشتملت على قصة آل عمران التي هي مريم ابنة عمران وأمها وابنها كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ ‏اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ‏عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ ‏الْعَلِيمُ (35)) فمن قرأ البقرة بعد قرآءة الفاتحة فكأنما شرحت له البقرة معنى (غير المغضوب عليهم)، ومن قرأ آل ‏عمران بعد قرآءة الفاتحة فكأنما شرحت له آل عمران معنى (ولا الضالين)، فكانت علاقة الفاتحة بالبقرة ‏واضحة وعلاقتها آل عمران واضحة، وبهذا يتبين لنا ولكم المناسبة بينها وبين سور القرآن.‏

 

أسأل الله أن يفتح علينا وعليكم فتوح العارفين به. ‏



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل