في رحاب سورة المؤمنون - 8 - ختام السورة - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة - د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ - تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة المؤمنون - 8

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

تتمة سورة المؤمنين

المقدم: توقفنا في اللقاء السابق عند قول الله تعالى (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴿١٠٧﴾ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١٠٨﴾ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩﴾) ما المراد من ذكر العباد ولم يسمهم بالمؤمنين من بعد ذكر مناجاة الكافرين في إخراجهم من جهنم؟

د. المستغانمي: ذكرنا في الحلقة الماضية أن المشركين والذين يدخلون النار يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى ويصرخون ويصطرخون ولكن الإجابات جاءت في سور القرآن الكريم متنوعة حسب سياق كل سورة، في سورة المؤمنين قال (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا) فإن عدنا إلى المعاصي وإلى الذنوب وإلى ما اقترفنا (فَإِنَّا ظَالِمُونَ) فأجابهم الله جلّ جلاله (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا) وشرحنا كلمة اخسأوا - تقال لطائفة الكلاب- اخسأوا انزجروا ولا تكلمون. بعد ذلك قال –ليس من باب التعليل - أراد إغاظتهم، أسلوب إغاظة (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا) أنتم للأسف لم تكونوا منهم وكنتم منهم تضحكون وكنتم بهم تستهزئون زيادة في التقريع وزيادة في تلهيفهم وتحسيرهم يتحسرون أكثر ويتلهفون: كان فريق من المؤمنين ولم نكن نحن معهم! بالعكس كنتم منهم تسخرون وسخريتكم بهم أدّت بهم إلى الجنة صبروا وهناك آية تقول (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا) صبروا على سخريتكم فكانت سخريتكم مدعاة ومساعدة لهم وسببًا لدخولهم الجنة. يستوقفني (إنه) لم يقل إن فريق من عبادي، (إنه) هذه الهاء تسمى ضمير الشأن والتفخيم والتعظيم، الله سبحانه وتعالى عندما يريد أن يفخّم يقول (إنه) لو قيل: اخسأوا فيها ولا تكلمون إن فريقا من عبادي، الأسلوب صحيح ولكنه قال (إنه) هذا أسلوب التعظيم، ضمير الشأن يفيد التعظيم. في القرآن (يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) النمل) لما تأتي الهاء ضمير يفيد التعظيم والشأن، يعني الله سبحانه وتعالى ينوّه بعباده المؤمنين. في سورة فاطر (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) ولما رد عليهم الله سبحانه وتعالى قال (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وذكرنا سابقًا لماذا قال يعمّركم هنا لأن سورة فاطر تتحدث عن تعمير الإنسان (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر: 11]. في سورة الزخرف قال (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: 77] القرآن كل مرة يأخذ قولهم من زاوية، قالوا (يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) من شدة العذاب الموت أهون فقال (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) لماذا اختار القرآن هنا قولهم (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا)؟ لأن هذه السورة تقول (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٧٤﴾ الزخرف)

المقدم: وهذا يتنافى مع الخلود

د. المستغانمي: هم يريدون أن يبطلوا هذا

المقدم: فكأنهم يطلبون شيئا يتنافى مع ما تدعو إليه السورة

د. المستغانمي: نعم، (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٧٤﴾ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿٧٥﴾ الزخرف) لا يفتّر عنهم أي لا ينقطع (مبلسون) آيسون من رحمة الله فدعوا بالعكس فقالوا (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) (قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) ثم قال (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴿٧٨﴾) وكل السورة مبنية على الحق (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴿٢٩﴾) وكراهية المشركين للحق فلذلك يتناسب.

المقدم: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩﴾) ما علاقة هذه الآية بالمحور؟

د. المستغانمي: قلنا (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي) ونحن في سورة المؤمنين

المقدم: لم يقل لم تكونوا من المؤمنين لأن السورة سورة المؤمنين ويفهم منها هذا الكلام.

د. المستغانمي: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) سِخريا مصدر تُقرأ سِخريا وسُخريا وكلاهما حول الهُزء، من سخر، سخِر منه أي هزئ منه وليس من السُخرة العمل بدون مقابل. (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) أصل الكلام فاتخذتموهم مسخورًا بهم مستهزأ بهم استعمل المصدر بدل المفعول به للمبالغة (وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) والجواب (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿١١١﴾) كان يمكن أن يقال إني جزيتهم اليوم أنهم هم الفائزون وإنما قال (بِمَا صَبَرُوا) وهذا في البلاغة يسمى الادماج وهو أن يدخل معنى في معنى، لو قيل في غير القرآن: إني جزيتهم اليوم أنهم هم الفائزون كلام صحيح لكن قال (بِمَا صَبَرُوا) على استهزائكم وسخريتكم فزاد من إغاظتهم أنهم هم الفائزون.

المقدم: هم طلبوا أمرًا ورد الله سبحانه وتعالى عليهم بعدم تحقيق ما يطلبون وكذلك قرّعهم بأنه أنا جزيت من كنتم تستهزئون وتسخرون وتضحكون منهم بأني جزيتهم بما صبروا من سخريتكم زيادة في التقريع. ويقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ويكمل السورة (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿١١٢﴾ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴿١١٣﴾) ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟

د. المستغانمي: ما زلنا في نفس السياق الله سبحانه وتعالى يتكلم بعدما قرّعهم ولهّفهم وجعلهم يتحسرون وأنتم تطلبون الخروج كم لبثتم في الأرض؟ أم تطلبون واحد مكّنه الله في الأرض يعيش خمسين ستين مائة سنة لم يصلي لله يوما ولم يركع كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟! بعض العلماء يقولون هذا يحدث بعد إدخالهم جهنم، البعض الآخر يقول لا، هذا السؤال عندما يفيقون ويبعثهم من القبور كأن هذه الاية جواب فإذا نفخ في الصور (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴿١٠١﴾ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٢﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿١٠٣﴾ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴿١٠٤﴾) قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين. لما أفاقوا اندهشوا، كم لبثتم؟!

المقدم: كأن كل ما بينها جملة اعتراضية

د. المستغانمي: جملة اعتراضية عن طريق التفريع عن طريق الفاء (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ). الإنسان الذي كان نائمًا يعرف كم نام خمس ساعات أو ست ساعات فما بالك بإنسان مات قرونًا! هم يظنوا أن الدنيا قائمة على حسابهم وهم لا يستطيعون ضبطها، بعض المفسرين يقول: فاسأل الملائكة وبعضهم يقول اسأل من في الدنيا ظنًّا منهم أن الناس ما زالت والحياة مستمرة وهم فقط الذين أحياهم الله. هنا السؤال يبين لهم خطأهم وظنّهم الخطأ.

المقدم: (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١٤﴾) ما تفسير الآية؟

د. المستغانمي: (إِنْ لَبِثْتُمْ) هم ما ضبطوا المدة الزمنية قال (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) قال لهم (إِنْ لَبِثْتُمْ) اي ما لبثم إلا قليلا (إن) هنا نافية، لو أنكم كنتم تعلمون لعلمتم أنكم لبثم مدة قصيرة، هنا جواب الشرط محذوف. قال (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) أي إلا زمنّا مهما كان قليل (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جواب الشرط هنا محذوف كأنه يقول: لو أنكم كنتم تعلمون لعلمتم واستيقنتم أنكم لبثتم قليلًا وهذا الزمن بسيط جدًا في عدّ الله سبحانه وتعالى.

المقدم: يقول الله سبحانه وتعالى (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾)

د. المستغانمي: هذه خلاصة السورة وكما سماها أحد المفسرين روعة المقطع. عندنا في البداية براعة المطلع وفي النهاية روعة المقطع (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)

المقدم: لماذا قال الكريم؟ وفي سورة أخرى قال (العرش العظيم)

د. المستغانمي: قالها في هذه السورة (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾) وهنا قال (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) هو عرش عظيم وهو عرش كريم، الكريم من أي جنس هو ما نال أشرف صفات الجنس، عندما نقول جنس الإنسان أكرمهم (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] ما نال الصفات الحسنة من جنس الإنسان. عندما نتكلم عن الحجارة ما أنواع الحجارة؟ نقول الحجارة الركامية والبركانية وعندنا الأحجار الكريمة أكرم أنواع الحجارة التي نالت الحسن والجمال وهنا وصف العرش بصفة الحسن، أجمل شيء

المقدم: حتى كفار قريش حينما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.

د. المستغانمي: هنا قرآءتان (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) على قطع الكريم صفة لله لكن وردت (رب العرش الكريمُ) هو الكريم على القطع لكن القرآءة المستفيضة صفة العرش (الكريم).

المقدم: يذكرني هذا بآية سورة البروج (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾)

د. المستغانمي: هي (ذو العرشِ المجيدُ) وثمّة قرآءة صحيحة (ذو العرش المجيدِ) فيجوز وصف الله جلّ جلاله بأنه المجيد ووصف عرشه بأنه مجيد. لماذا في سورة البروج قال (ذو العرش المجيد)؟ لأنه ورد فيها (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ﴿٢١﴾ ) لما وصف القرآن بأنه نال صفة المجد (مجيد) فقال (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾) وهو الله أو ذو العرشِ المجيدِ. وهنا في نهاية سورة المؤمنون (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) وعلّم الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يدعو (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ). أحد الأعراب سمع قارئًا يقرأ (ما غرك بربك الكريم)؟ الأعرابي على البديهة قال: أقول له: غرّني كرمك! كرم الله واسع. هنا في سياق الدعاء الكريم أولى وفي سياق الاستدلال على الوحدانية والعظمة العظمة أولى (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾) لأنه يثبت عظمة الله فأتى بصفة العرش العظيم.

المقدم: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) لمن يدعو (به) تعود على من؟

د. المستغانمي: لا برهان له بما دعا مع الله إلهًا آخر، من يشرك به آلهة وليست له أدلة كما اسلفنا في الحلقة الماضية تكلمنا عن الدليل العقلي (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) الله دلنا في القرآن على وحدانيته هل يمكنكم أنتم أيها المشركون أن تدللوا على صحة عبادتكم ولآلهتكم المزعومة؟! لا أدلة لديكم، إذن ما الجواب؟ (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) لو شاء الله تعالى لقال: فعذابه جهنم، فعذابه سقر، قال (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) جرمه كبير وحسابه لا يعلمه إلا الله!

المقدم: ووضح بعذ ذلك (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)

د. المستغانمي: العبارة تهوّل (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) هذا الأمر حسابه على الله.

المقدم: حتى لا يهم البعض ويقول فإنما حسابه على الله ربما يكون حسابه هينا أو ربما يعفو الله عنه فرد الله سبحانه وتعالى (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)

د. المستغانمي: أبدًا. كما بدأت (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾) ختمت (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) هذه نهاية المقطع العجيبة وتعليم للرسول صلى الله عليه وسلم يا محمد قل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحين، هو تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم لنا. أعطي نكتة للمشاهد الكريم: لنا في الأنبياء قدوة كما أن لرسولنا صلى الله عليه وسلم في الأنبياء قدوة (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[الأنعام: 90] الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم فبهداهم اقتده أي اقتدي. كيف دعا الأنبياء في القرآن الكريم؟ نوح علمه الله سبحانه وتعالى قال (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29) المؤمنون) لاحظ الثناء على الله في نهاية الدعاء (وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)، سيدنا شعيب عليه السلام مع قومه مدين (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف: 89] زكريا عليه السلام قال (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) الأنبياء) والأنبياء خير من يعرفون الدعاء وأولهم نبينا عليه الصلاة والسلام.

المقدم: ولكن وردت كذلك (وأنت أرحم الراحمين)

 

د. المستغانمي: هذه لأيوب عليه السلام قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء) في سورة الأنبياء، سياق الضر والألم يقتضي الرحمة فهو يستدر الرحمة بأرحم الراحمين، دعاه بالأرحمية، لو قال وأنت خير الراحمين صحيحة لكن أرحم الراحمين أبلغ. أما النبي صلى الله عليه وسلم دعاه بالرحمة الشاملة (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) تشمل كل شيء. المرض أدّى إلى أرحم الراحمين. معظم الأنبياء موسى عليه السلام لما أخطأ بنو إسرائيل معه قال (أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) [الأعراف: 155] لأنهم أذنبوا فطلب لهم المغفرة علينا أن نقتدي بالأنبياء وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الدعاء.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل