تفسير سورة البقرة - المجلس السادس عشر - د. محمد بن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة من الآية _ (204 ) إلى الآية (274 )

د. محمدبن عبدالله الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( .

ابتـدأَت هذه الآيات بقول الله I : ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ([1] . وقبل الشُّروع في الحديث عن الآية أُريد أن أتحدَّث حديثاً مجملاً عن سورة البقرة، أرجو أن يكون لنا مزيدٌ من التأمُّل حول هذا الربط بين هذه الآية ، والسورة كلها. ونحن في هذا المقطع) وَمِنَ النَّاسِ (ولعلكم لاحظتم أنه في المقطع السابق جاء قول الله I) فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ([2] . فتكرَّر في هذه السورة عدد من المواضع يتبيَّن فيها حالُ الناس في عباداتهم، وفي قَبُولهم للأمر والنهي، وحالهم مع البعث . وهذه السورة - وأرجو أن نلتفت إلى هذا - أُفتُتِحت بقول الله I) الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ([3] ، بدأت في ذكر أصناف الناس منالمؤمن بالغيب ، والمتقي ، ثم ثنت بعد ذلك ولم تُطِل في أحوال الكافرين ، ثم أطالت وفصَّلت في أحوال المنافقين .ثم سَارت الآيات أيضاً ، ومرَّ بعد آيات قليلة ضَربُ المثل للناس ، فكان الناس في هذا المثل على شِقين : منهم من يقول ماذا أراد الله بهذا مثلا  ومنهم من آمن بهذا المثل ثم بعد ذلك أيضاً سارت الآيات لتُبين لناقصة آدم ، وموقف الملائكة ، ثم موقف الشيطان ، وكلها أحوال ..ثم أيضاً جاءت قَصَص أخرى في بيان حال بني إسرائيل، وجاءتقصة بني إسرائيلواستغرقت ما يَقرُب من بقية الجزء الأول إلى نهايته في بيان قَبُول بني إسرائيل ، وأحوالهم في قَبُولهم لأمر نبيهم ، ونهيِهِ ، وشرعِهِ ، وتردده ، ومعارضتهم له . كل هذا في بيان تلك القصَّة التي كُرِرَّت - قصة موسى وبني إسرائيل ، ثم جاءت تلك السُّورة المُشرقة في الامتثال لأمر الله U وهي قصة أبونا إبراهيم) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ([4]كيف أنَّ إبراهيم وإسماعيل في طاعتهم لله عز وجل وهم القدوة . ثم سارت بعـد ذلك الآيات ، وفي ثنـاياها جـاء الأمـرببداية الجزء الثانيمن قـوله I) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ([5] . شغب ، واعتراض كثير من المنافقين على تولِّي القِبلة ثم قال الله I في ثناياها) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ([6] . إذاً السُّورة كأنها تُعالج ، وتُبيِّن قضية في أحوال الناس ، في قَبُولهم ، وردِّهم ، وتلكُئهم في الأمر والنهي، وخاصةً أنَّ السورة سورة مدنية ، وجاء فيها كثير من التفريعات ، والتَّشريعات ، فجاءت بتلك المقدمات، وبيان لأحوال الناس وأصنافهم .بل إنَّ السُّورة أيضاً تسير لِتُبيِّن أحوال الناس أيضاً في محبة الله، يقول الله I: ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ([7] .

ثم ذكرت أيضاً صِنف من أصناف الناس وهم العلماء ، وأمرتهم بالبلاغ والبيان في هذا الأمر ، وحرمة كتم العلم . ثم بعد ذلك جاءت جملة من التفريعات والتّفريعات على نوعين :

* جاءت تفريعات عامة في النصف الثاني من الجـزء الأول من ذكـر القصاص ، وذكر الحج والصيام، والوصية .

* ثم بعد ذلك ثنَّت في الجزء أو في أواخر الجزء الثاني على جملة من أحكام الأسرة من الإيلاء ، والطَّلاق ، وغيرها من الأحكام .

كأنَّ الآية تُـرشد يقول الله سبحانه وتعالى بعد أن ثنَّت - وإن كان كثير من المفسرين قال هي تعود لأقرب مذكور وهو) فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (لكن الحقيقة أن تتبُع السورة ، بل حتى لو تأملنا في قصص الذين حاجُّوا فيمن أنكر البعث ، أو من تردد ، أو من كان قلبه مطمئن أيضاً وفي قصة المُتلكِئين في أمر الجهاد ، وكيف تميزوا على فريقين ، بل أختم ذلك أيضاً بحال الناس مع المال ، خاصة في السُّبعُ الأخير من السورة،ما هو حال الناس مع المال ؟

*إما إنفاق وإما منفق لله عز وجل وإما متاجر مع الله ، وإما مرابي ، وإما تاجر للدنيا آية الدين وكأن أيضاً بينها تقارب وكأنَّ بينهما تقارب إما إنفاق وتجارة مع الله .

*وإما ربا وحرب - وكلٌ في مقام المال ، أحوال الناس في المال .

*وكذلك الأخير وهو حال آية الدين ، والمُداينة ، والبيع والشراء .

فإذاً لو تأملنا ونظرنا إلى ما في السورة من وحدة ، نجد هذه الوحدة الموضوعية التي يمكن قلَّ من يُلتفت إليها ، وبالذات في هذه السورة التي كثر فيها التشريعات ، والتفريعات .

إذاً أعود إلى ما يكون الحديث فيه وعنه: يقول الله I) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ () وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( ولا حظوا أن الإعجاب هنا وقد ذكر في الآية بيان أن هذا المُتحدث كلامه استُحسن ليس استغراباً فقط، بل يزيد عليه أنَّه استُحسن؛ ولذلك من شدة بلاغته كما قال I) وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ([8] . فمن شِدة الإعجاب به أنه استُحسن كلامه) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ( ، لكن هذا الإعجاب إنَّما هو في الحياة الدنياوأمّا في الآخرة فعند الله تظهر الحقائق ، ويتجلَّى صدق الكلمات .

) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ (أي : أنه وهو يتكلم ، وبهذا المنطق العجيب من الإقناع ، ومن حلاوة اللسان ، وقوة البيان ، كأنَّه يَشعُر في نفسه ، لأن قلبه فيه ما فيه ، فيشهد الله على ما في قلبه ، يُشهد الله كأنَّه يُقسم للنَّاس ويقول لهم إني قلت هذا ، وأنا عندي من الغيرة على الدين ، ومن الحب للدين ، ومن الخير ، ومن ومن ...فيقسم لهم بالله أنه صادق ؛ لأنه يَشعُر أنَّ منطوق اللسان غير منطوق القلب ، فيأتي بهذه الشهادة ليؤكِّد ما عنده أيضاً من البلاغة والقوة .

ولذلك يقول أهل العلم عند هذه الآيةأنه ينبغي للمؤمن أن لا يغتر بالظَّواهر ، ولذا ذهب أهل العلم أنه ينبغي الاختبار، والنَّظر ، والتدقيق في أحوال الشُّهداء ، وأنه لا يُصَدَّق القول إلا إذا تُبِع بالعمل . ولذلك قال الله عز وجل إذا أردتم أن تعرفوا أنَّ هذا الذي يُعجبُ قوله في الحياة الدنيا انظروا في أفعاله .

قال الله عز وجل في صفته ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (

والصفة الثانية أنه ) وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ (

وإن كان بعض المفسرين قال) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ( أن المراد : أنه إذا تكلم في أمور الدنيا يُحسِنُها كل الإحسان ، وإذا تكلم في أمور الآخرة لا يعرفُ شيءٌ منها " ) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ([9] . لكن هذا المعنى بعيد .

ولنبقى مع المعنى القريب :وهـو أنه يُعجِب من يسمعه لقوله ، فيخدع النَّاس بحسن منطقه ، وغـيرته ، وحبه للدِّين ، لكن - عياذاً بالله - هو إذا قال الله U.

صفته الثالثة :) وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( اللَّدد بمعنى : ليست الخصومة العادية ، إنما شدة الخصومة - شديد الخصومة - هذه الصِّفة من صفاته ، يعني فإذا خاصم كما قال النبي e . فجر [10] .

فهذه أيضاً فيه خصومة ؛ لأنه لا يريد لأحد أن يغلبه) وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (

الصفة الرابعة :التي ينبغي أن نضبط بها ، وينبغيأن يكون أهل الإيمان عندهم حِسّ ، وبصيرة ونظر ثاقب ، وفِراسة أن ينظروا مع قوله في فعله) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ ([11] .

( تَوَلَّى ) من ظاهر الآية أنَّ معناه :

*انصَرف أو أدبر ، أدبر انتهى القول ، فأدبر إلى العَمل

* وقيل كما رَجَّحه بعض المفسرين : وقد يكون له شيءٌ من القوة .كما رجَّحَهُ محمد عبده في المَنـار في تفسيره ، ونقله عنه رشيـد رضا في المنـار ، ونقله أيضاً عنه القـاسمي – في محاسن التأويل -

) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ (أنَّ الولاية هنا بمعنى السُّلطة ، أنه إذا تولى الوِلاية ليست التَّولي إنما الذَّهاب ، إنما هي إذا تولى وأمر ونهى وصارت له السُّلطة والأمر والنَّهي - عياذاً بالله - ظَهر ما يخالف ذاك القول الجميل ، والغيرة ، والمنطق الذي أُعجب به الناس .

نعُود للمعنى الأول ، وهو الأشهر ، والأكثر عند المفسرين :

) وَإِذَا تَوَلَّى (أدبر . وإذا تولى سعى ، العجيب " سعى " وليس " ذهب " . والسَّعي معناه : الإسراع الحثيث - عياذاً بالله - ) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى (أسرع في الفساد ، ليس مسيراً عادياً ، يعني مع هذا المنطق الجميل لكنّه لَدِدٌ في خُصُومته . ) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ (إذاً أفعالُه تُخالف أقواله ، بل تُخالِفها في مقابلةٍ عجيبة بين قول في غاية الحُسن ويأخُذ بالألباب ، وبين فِعلٍ فيه من الانحراف بل والسَّعي للانحراف والإفساد .

) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ( .قيل في سبب نزولها أنها نزلت في الأخنس الثقفي أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام ثم

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل