تفسير سورة البقرة - المجلس الخامس عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الخامس عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال الله: ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ([1]هذه الآية واردة في ماذا؟! هذه الآية واردة في إباحة التجارة في الحج ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (لكن لماذا قال: ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ (ولم يقل: وابتغوا من فضل الله في الحجّ؟! لأنّه كانت أسواق العرب قائمة مِجنَّة، وعكاظ وغيرها كانت قائمة، بل مواسم التجارة عند العرب هي في الحجّ، قبل الحجّ وبعد الحجّ، مواسم التجارة عند العرب قبل الحجّ إلى يوم ثمانية موزّعه على أيام، وبعد الحجّ كذلك، فكانوا يُقيمون فيها البيع والشراء ويتنافسون فيها بأبيات الشعر والقصائد وذكر آبائهم وأجدادهم وغير ذلك، كأنّ المسلمون هُنا تحرّجوا من أن يُخالطوا الكفار في أسواقهم وهم أتوا إلى الحجّ، هم يُريدون وجه الله فكيف يَغشَوَن أسواق الكافرين؟! لكنّ الله Uبحكمته وبعظيم شرعه أباح لهم البيع والشراء، لماذا؟! لئلّا يكون المسلمون في ضعف من أمرهم ومالهم وتزودّهم فيكون للكافرين عليهم منّة وفضل، فأباح التجارة في الحجّ ليتزودّوا فيها، وليكون لهم عزّة وقوّة، ووجود في التجارة، وهذه الآية دالّة على مشروعية التجارة في الإسلام لاحظوا مع أنّها في آيات الحجّ إلاّ أنّها دالّه على مشروعية التجارة من حيث أنّ الله تعالى شرع التجارة في وقت فريضة، وقت أداء فرائض وقت الحجّ، وإن كان ليس في أيام الحجّ نفسها لكن قبلها وبعدها، فدلّ ذلك على مشروعية التجارة في الإسلام لتكون للمسلمين قوّة واقتصاد، هذا من رعاية الله للبلد المسلم أو للأمّة المسلمة، للدولة المسلمة، ألسنا نقول كثيراً أنّ هذه السورة في إعداد الأمّة، وتقويتها وتمكينها وإعدادها، هذا من إعدادها، فالله U قال: ) أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (. ولهذا أخذ بعض العلماء من هذه جواز أنّ الإنسان إذا ذهب للحجّ أن يُتاجر، وأخذوا منه أنّه يجوز للإنسان أن يعقد الحجّ عن غيره ويأخذ على ذلك دراهم، الذّي هو الحج بالإنابة، لكن حرمّوا على من قصد بحجّه المال، من كان قصده بالحجّ ذاته المال فلا يجوز له أن يأخذ هذا المال، لكن لو قال أنا حاجّ لكن هذه السنة لن أَحُجّ عن نفسي سأغتنم هـناك فضائل الأيام والأوقات بالذكر والطاعة وأحُجّ عن غيري، قال الله بعد ذلك: ) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ (لماذا لم يذكر عرفات أصلاً قال: ) فَإِذَا أَفَضْتُمْ (يعني رجعتم، فالإفاضة هي الذهاب أو المنطلق بكثرة وسَعة، وهذا واضح في إفاضة الحجّ سيلان الماء بكثرة وسَعة، لماذا لم يذكر عرفة؟! لأنّ السِّياق في إبطال ما كان عليه الجاهلية وأمّا ما كان أصله مستقرّا على الحجّ الذي كان عليه إبراهيم فلم يذكره الله هنا، فلذلك لم يذكر عرفة مع أنّ عرفة هي الحج « الحج عرفة » [2]كما قال النبي e, فبعض الناس يقرأ يقول أين عرفة، لماذا لم يذكرها الله؟! ذكرها الله U وأقرّها على ما كان عليه إبراهيم، وإنّما ذكر) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ( لماذا؟! لأنّ المشركين لم يكونوا يُفيضون من عرفات، كانوا يفيضون من مزدلفة لأنّهم كانوا كما يُسمّون أنفسهم بالحُمُس، كانوا يخصّون أنفسهم بغير العرب، يقولون نحن لا نخرج من الحرم نحن أهل الحرم نبقى في أدنى الحرم في مزدلفة، أمّا غيرنا فيخرج، فلمّا أتى النبي e خالفهم على ما كان عليه إبراهيم عليه السلام. [3]

فقال الله هنا:) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (. في هذه الآية في الجملة عدة أحكام ودلالات:

منها وجوب الإفاضة من عرفة بعد زوال الشمس لها دلالة عليها لأنّه قال: ) فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ(والمشعر الحرام إنّما يجوز الإفاضة إليه بعد غروب الشمس لأنّه ذكر لله تعالى فيه، ما يُشرع من الذكر.

 لماذا قال الله عرفات ولم يقل عرفة؟!) فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ( للدلالة على المكان لا على اليوم، كأنّ هذا إشارة إلى الاسم الأصلي في عرفات، عرفة أنّه عرفات وإنّما سُمّي عرفات لأمرين: ذكرهما بعضهم وهي روايات:

* قيل:لأنّ جبريل عرّف فيها إبراهيم بمواضع الحجّ، ولماّ أتى عرفة قال: عرفت الآن؟! قال: عرفت.

*وقيل:وهذه رواية ضعيفة أنّ آدم عرف حواء في عرفة، وعلى كل حال هذه روايات الله أعلم بصحتها، الأول أصحّ وأظهر لعلاقته بإبراهيم فعرفة مُتعلّق باليوم يوم عرفة، وعرفات مُتعلّق بالمكان وهو الأرض.

وهذا يدلّ على أنّ الوقوف يشمل عرفات كلّها كما قـال النبي e: « وقفت هاهنا وعرفة كلّها موقف » [4] قال الله: ) فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ( والمشعر الحرام هو مزدلفة هنا وليس المسجد، وهذا يُؤكدّ على أنّ المشعر الحرام كلّه موقف لدلالة المشعر الحرام، وذَكَرَ الله تعالى فيه ليس الوقوف والمبَيت, وإنّما الذِّكر للإشارة إلى أنّ هذا الذكر ممّا عطّله أهل الجاهلية كانوا يأتون إلى مزدلفة فلا يذكرون الله، فقال الله:) فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (فتصريحٌ بذلك، وقد ورد عن النبي e أنّه كان إذا صلّى الفجر ذكر الله حتى يُسفر النّهار قبل أن تطلُع الشمس [5]. ولهذا قال: ) وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ (كما هداكم لماذا؟! كما هداكم للأصل الحجّ الذي كان عليه إبراهيم، وأبطل ما أحدثه هؤلاء المشركون فجرّده لكم، والله إنّها نعمة عظيمة أنّ الله تعالى بيّن لنا الحق وبيّن لنا الحج وجرّده ممّا أحدثه هؤلاء فيه، وبيّنه على ما كان عليه إبراهيم ) وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (.

ثم قال الله: ) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ([6]الإفاضة هنا المقصود بها معنيان:

قيل:أنّ المقصود هنا الإفاضة هي الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة.

قيل:ومن مزدلفة إلى منى. فدلّ ذلك على الإفاضتين جميعاً.

وإنّما قال هنا: ) أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ (للدلالة على الإفاضة، ما المقصود بالنَّاس هنا؟! قيل المقصود بالناس الأمم السابقة، ومنهم إبراهيم عليه السلام كأنّه قال أفيضوا من عرفات كما أفاض إبراهيم، فهو تعريضٌ وإشعارٌ بما أحدثه هؤلاء المشركون، فهذا ما ذكره بعض المفسّرين، وهذا الظاهر والله أعلم أن الآية تشمل الإفاضتين جميعاً, كأنّ الله تعالى يقول أفيضوا كما كان عليه إبراهيم واتركوا مـا أحدثه هؤلاء المشركون) وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ( ولهذا قـال: ) وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ( ما دلالتها؟! كأنَّها إشارة إلى الخطأ الذي أحدثه هؤلاء المشركون في الحجّ كأنّه إشعارٌ لهم إلى أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه ممّا أحدثوه ويكونوا على ما كان عليه إبراهيم والله تعالى أعلم، وفي هذه الآية دليل على مـاذا؟! في قوله:) وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ (؟! على مشروعية الاستغفار بعد العبادة لمظنّة النقص فيها ولأمرٍ آخر ما هو؟! طرد العجب وإنفاء العجب من النفس بأني أدّيت هذه العبادة وأكملُتها، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يفخر بعد الحجّ بمظاهر تدلّ على فخره بأنّه حجّ وممّا يتعلّق بذلك، وإن كان البعض في غير بلادنا الكثير يحتفون بالحاجّ ويضعون له احتفال، لماذا؟! لأنّ الحجّ عندهم صعب، من يأتي إلى الحجّ إلاّ بعد سنين من العمـر وبعد أن يجمع ما يجمع من الـدراهم، فهـذا المظهـر ليس مشروعاً حقيقة منحيث أنّه فيه أمران:

أولاً: كأنّ فيه عجبٌ لهذا الشخص أنّه أدّى هذه العبادة.

ثانيا:وأيضاً إقامة هذا الاجتماع والاحتفـال لم يـرد عن النبي e.

ثم قال الله U: ) إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (. ثم قـال الله: ) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ([7]) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ (يعني انتهى الحـجّ، وهـذا يـدلّ في قضيّة) قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ (على جميع منـاسك الحجّ بعـد ذلك، ما هي البـاقية؟! ما هي المناسك الباقيـة بعد الإفاضة من مزدلفة؟! أيام العيد ومـا فيه من أعمـال الحجّ، وقد ذكرها الله في سورة الحجّ في قوله تعالى: ) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ([8]. فإنّ الذبح في أيام العيد هو أعظم الشعائر ذلك اليوم وأعظم النسك، فذكره الله في سورة الحجّ لإقامته على التوحيد، ثم قال الله:) فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (ما مناسبة قوله: ) كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (؟! يعني كان المشركون بعد الحجّ يُقيمون الأسواق فيذكرون آباءهم بالأشعار، والثناء، والتفاخر وغير ذلك، انتهى ذكر الله عندهم, بعد الحج انتهى، فيُقيمون الأسواق لذلك، فقال الله U: ) فَاذْكُرُوا اللَّهَ (بعد الحجّ، وهذا فيه مشروعية الدوام على ذكر الله وأنّ الإنسان لا ينقطع عمله حتى بعد أداء الفريضة والنُسك، ينبغي أن يُتابِع الحسنة بالحسنة، بعد ذلك قال:) رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً (ممّا يُؤكدّ ذلك، فهذه الآية دليلٌ على متابعة الحسنة بالحسنة، وإقامة ذكر الله بعد العبادة بكل ما فيه ذكرٌ لله U, قال: ) كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (يعني كأنّ الله تعالى يقول ينبغي أن تذكروا الله Uهنا ولا تذكروا آباءكم، لأنّ الله تفضّل عليكم بإقامة الحجّ ويسّره لكم، أليسَ الأولى أن تذكروه؟! وهذا مِثَل قوله: ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ([9]فكأنّ الله تعالى يقول الأولى بكم أن تُقيموا هنا ذِكر الله لا تُقيموا ذِكَر آباءكم، ما علاقة الآباء بالحجّ والتفاخر فيها؟!.

ثمّ ذكر الله تعالى حال الناس بعد الحجّ إشارة إلى حال المـؤمنين وحال الكافرين، حال الكافرين بعد الحجّ ماذا يقولون؟! كانـوا يقولون يا ربّنا ارزقنا، أمطـرنا، ارزقنا غنماً، ارزقنـا مالاً، ارزقنا كـذا وكذا من أمور الدنيا، هذا بعد الحج أهذا شكر الله؟! أمّا المؤمنون قال الله U عنهم، بعد أن قال عن الكافرين) فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا (ربّنا ارزقنا مالاً، غنماً، زرعاً، إلى غير ذلك، ) وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (أي الآخرة ليس هي همّه وليس هي طلبه، وهذا نأخـذ منه فائدة عظيمة أنّ الإنسان إذا كان همّـه في دعائه فقط يُرزق مالاً يُـرزق ولداً، يرزق كذا، ولا يدعو للآخرة هذا يشابه المشـركين، فإنّ المشركون يدعون الله، لكنّهم لا يدعون الله إلا في أمور دنياهم، فمن شابه هؤلاء فقد شابه المشركين من هذا الوجه يعني تعريضاً بالذمّ وليس هو محرّم، كيف تنسى آخرتك وهي أعظم؟! فالأولى والأكمل للإنسان أن يدعو في الحالين جميعاً وهو حال المؤمنين الذين قال الله فيهم: ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ([10]هذه الآية أو هذا الدعاء يجهله كثير من الناس في معناه مع فضيلته وعظمه، والنبيّ e جعله في أفضل مكان في الطواف بين الركنيين، يعني شَرع ذكر هذا الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود لفضيلته ولأنّه يجمع خير الدنيا والآخرة كيف ذلك؟! ذلك إلى أنَّ قول الله U: ) رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً (تُفيد كلّ حسنة في الدنيا، كل أمر حسن.

ما هي الأمور الحسنة في الدنيا؟! ذكر بعض السلف هنا أنواع: الزوجة الهنيئة، والمال الوفير، والولد الصالح، والبيت الواسع، السلف عددّوا فقولك: ) رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً (يشمل كل أمر تحسن فيه حياتك، ألستَ تُـريد أن تحسن حياتك كلّهـا في مالك، وزوجـك، وولـدك، وبيتك، وعملك، اجمعهـا في هذا الدعاء.

ولذلك أنس لا يدعو بدعاء إلاّ ختمه بهذا الدعاء، وهذا مشروع أن يختم الإنسان دعاءه بهذا الدعاء ونأخذه من هذه الآية، لأنّ الله خَتَم بها الحجّ فيُشرع في ختـام كلِّ دعاء

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل