تفسير سورة البقرة - المجلس الرابع عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة البقرة - المجلس الرابع عشر - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

ثمّ قال الله U:) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ([1]. ما علاقة هذه الآيات بآية الصِّيام؟ علاقتُها أنَّ الحُكم هُنا داخل في المحظورات فهو لَمَّا ارتقت النُّفوس بالتَّقوى صَفَّاها هُنا بالنَّهي عن الأكل ولذلك عَبَّر بالأكل هنا أكل الأموال، وليس المقصود الأكل هو الأكل المباشر، وإنّما عبّر بالأكل لأنّه أكثر المنافع في الأموال، والمصالح المتعلّقة به هو الأكل، فبدونه تنتفي وتقلّ منافع الإنسان من المـال لأنّه أعظم منفعة في المـال هو حصول الأكل منه. فهذه الآية تشتمل على قاعدة وأصل من أصول الـدّين وهـو حفظ الأموال والحقوق والمنع من الظّلم فيها والتعدّي وهـذا كما ذكـره ابن القيّم رحمه الله. [2]  ويدخل في هذه الآية -بركة هذا القرآن وكيف أنّه أصول- ويدخل في هذا القمار والخداع والغصب وجحد الحقائق بما يشملها وما لا تطيب به نفس مالكه أو حرّمته الشّريعة وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي، وحلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك كلُّـه داخِلٌ في هذه الآية العجيبة لأنّه قال: ) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (فيدخل فيها كل أكل للمال بالباطل ربا، وقمـار، وبيع وشـراء محـرّم إلى غـير ذلك، فلهـذا قلنـا لكم أنّهـا أصلٌ من أُصـول الـدّين في الأمـوال. قال تعـالى:) وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ (المقصود بها هُنا ماذا؟ الحِيلة، فاتخاذ المال وسيلة وحِيلة للحرام ولأكل أموال النّاس بالباطل، فهذه الآية أصلٌ في تَحريم الحِيل، والوَسائل المؤدّية للحرام، وإنّما خصّها لأنّها من عمل من؟ اليَهُود، فالله تعالى أبطلها الأحكام في إبطال وإزالة ما جعله وأضافه وحرَّفه اليهود والمشركون.

ثمّ قـال الله U: ) يَسْـأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّـةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِـرُّ بِأَنْ تَأْتُـوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ([3]هذه الآية إلى قوله: ) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ( كُلُّها تهيئةٌ للحجّ. فلَّعلَّنا نختصِرُ الحديث عنها لندخل في الحديث عن الحج.

أوّلاً: قال: ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ (يعني الصَّحابة - رضوان الله عليهم - سألوا النّبي e أوّ في رواية أنّ السّائل هنا المشركون، فكأنّهم أرادوا أن يُعجِزوا النّبي e أو أن يُريدوا أن يسألوا ما يسألوا والله أعلم هل السّائل هنا هو الصَّحابة أو المشركين كُلُّ ذلك في روايات. [4]لكن سَألوا عن الأهلة لماذا هي تبدو صغيرة ثمّ تكبُر فالله عزّ وجل صَرَفهم عن ذلك إلى ما هو أَهم وهو مقصود الأَهلّة وهو قوله U: ) قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ( لم يُجبهم على سؤالهم أجابهم على الحكمة ولو أجابهم عن سؤالهم قال إنّها تبدو لأنّها كذا، ثمّ تكبُر لأنها كذا، ثم تصغُر لأنّها كذا، وفصَّل في بيـان أحوالها لكنّه انتقل إلى الحكمة، وهذا يجعلنا نقول أنّ الشريعة تعتني بالحِكَم لا تعتني بالمظاهر فقط والأمور النَّظرية الذّي لا طائلَ ورائها ولا عمل تتضمنّه.

قال الله U: ) قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ( هذه الآية هي أصلٌ من أُصول الدِّين فيها بيان أصل من أصول الدِّين في إقامة نِظام أحكام الشَّريعة على المواقيت، وبِنائِها عَلى الأهلّة، تمهيداً لِمَا سيأتي من ذكر الحج، وفيه إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من الخَلل في إحرام الحج، وإبطال المظاهر التعبُّدّية والتَّصُورات الجاهلية المنافية لحكمة التشريع.

لكن هُنا سؤال جميل ومُهِم: مَا عَلاقة الأهلة بالتشريع؟لماذا الله ربط الأهلة بالتَّشريع في الصِّيام في الحج، وربط الصّلاة بالأوقات الشَّمس وغيرها لماذا؟ هنا مسألةٌ عظيمةٌ نفيسةٌيجب أن ننظُرها في كثير من الأحكام الشَّرعية، ربط الآيات الشّرعية بالآيات الكونية للدَّلالة على وَحدانية مُوجِدِها Iومُشَّرعها، يعني هذا التَّشريع رُبِط بالأهلّة ورُبطَ بالشَّمس للدلالة على أنّ خالق الكون هو المُشَّرع الواحد Iلا يأتي أحد فيُشَّرِع ما شاء فخالق الكون هو الذّي يُدَّبر الأمر، آية في كتاب الله تدل على ذلك قال الله U: ) وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ ([5]وَتفصيل الآيات هنا يدخُل فيها تفصيلالآيات الشَّرعية) لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (، فهنا ملحظٌ مهمٌ جِدّاً في ربط الآيات الشَّرعية بالكونية للدَّلالة علىأنّ مُسيِّر الكون هو مسيِّر الشَّرع وحده I.

ما مُناسبة ذكر تخصيص الحجّ هنا) قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ (يدخل فيها الحج، لكن لماذا ذكر الحجّ؟ انظروا إلى التّرتيب البديع هُنا بعد آيات الصيام، بعد انتهاء الصيام ماذا يأتي شوّال، فيأتي هلال شوال الذِّي به نهاية رمضان وبداية أشهر الحج لاحِظُوا، فجاءت آياتُ الأهلة هنا بعد الصيام مباشرة إشارةً إلى هلال شوال للدَّلالة على أنّ أشهر الحج تدخُل بهلال شوال، فأشهر الحج شوّال وذو القعدة وذو الحجّة. فتأمَّلوا هذا في ذكر تخصيص الحجّ هنا في الآية.

قال الله U: ) وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (ما مناسبة هذه للمواقيت؟ مُناسبُتها أنَّ هذه الجملة تدلُّ على إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من اعتقادٍ باطل في الإحرام وهو ما دلّ عليه سبب النزول وما أخرجه البخاري بسنده عن البراء بن عازب tقال: " كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أَتوا البُيوت من ظُهورها " ولا يدخلون الباب لئلا يُغطِّيهم السَّقف، اعتقاداً منهم أنّه بتجرّد الإنسان من المخيط، وتجرُّد شعره، وانكشاف شعره، لا يُغطّيه عن السَّماء شيء فكانوا يعتقدون أنّ الإنسان ما دام محرِماً لا يُغطّيه حاجب ولا جـدار فلذلك لا يدخلون البيوت من أبوابها " فأنـزل الله:) وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ( " [6].

ليست المسألة بالمظاهر، ولذلك ما نراه مما يفعله الرَّافضة من بدعٍ ظَاهرة اليوم أنّهم يكشفون بعض باصاتهم وأتوبيساتهم زعماً أنّ هذا تعبُّداً وتقُرَّباً هذا بدعةٌ وضلالٌ في الدِّين، ولهذا قال الله: ) وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ( أي أطاع الله كمـا أمَرَ الله وآمن وصَـدَّق وامتثل بما أمـر الله تعالى قال الله: ) وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (وهذه قاعدةٌ من قواعِدِ الدِّين عامّة ليس المقصود هنا الأبواب فقط أبواب البُيوت. كما ذَكَرَ السِّعدي رحمه الله ذكر لفتة جميلة مهمّة في قوله: ) وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (أنَّ هذا قاعدة في الدّين أنّ الإنسان يأتي الشيء من بابه يعني ما يذهب يتحايل على الشّيء ولا يذهب يمين ويسار، ائتي الأمر من بابه.[7]  وهذه قاعـدة يقولها النّاس) وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ( فهي قاعدة في مشروعية إتيان الأمور على وجهها المعروف، حتى لا يُظنّ بالإنسان ريبة أو شيء من ذلك، فما أعظم هذه الدَّلالة، وأيضاً تدُلّ هذه الآية على ترك الغُلوّ، والتشّدد والابتداع في الدِّين، وهـذا أصلٌ من أصول الدِّيـن ومقصد من مقاصد الإسلام قال فيه النّبي صلى الله عليه وسلم: « يسِّروا ولا تُعسِّروا » [8]، « وما خُيِّر النبي صلى الله عليه وسلّم بين أمرين إلا اختار أيسرهُما ما لم يكن إثماً ». [9]

ثمّ ذكر الله تعالى القتال) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ([10] ما مناسبة ذكر القتال؟ لاحظوا الآن الآيات تجـري على الواقع على عهد النّبي e، فما هُـو الواقع؟ الآيات واقعـة في أيِّ قصّة؟ هذه الآيات نازلة في عُمرة القَضاء - قضاء الحُديبية - أن النَّبي e لمّا مُنِعَ من البيت جاء في السنّة الماضية ليقضي عُمرته، لأنه كان من عهده بينه وبين قريش أنه يقضي عمرته في السنّة القادمة فأَتى هو وأصحابه وكانوا يستَّعدون وهم لا يَدرُون ماذا سيُفاجِئُونهم قريش - ربّما يخونونهم، أو ربّما يبغتونهم - فكانوا مُتهيئِين بالسِّلاح ومتهيئين للقتال. [11]  فالله سبحانه وتعالى ذكر هنا آيات القتال كيف أنزل الله آيات القتال، أنزل آيات القتال في حال أنَّ النُّفوس متهيئة له، يعني هم الآن مستعدُّون للقتال لأنّهم أَتَوا يُريدون العمرة يخشَون أن يصُدَّهُم المشركون كما صدُّوهم من قبل في السَّنة الماضية، فلمَّا كانت نفوسهم متهيئة للقتال أنزل الله تعالى تلك الآيات وليست هي تشريعٌ للقتال على وجه العموم، وإنّما إحكام القتال في أشهر الحج.

ولذلك قال الله U:) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا (فقط الذِّينَ يُقاتلونكم) إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (ليس هو تشريـع القِتال عُمومـاً لأنّه سيأتي تشريع القتـال في قوله: ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ([12]أمَّـا هذا القِتال إذا وَاجَهكم المشركون، ) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ([13]إذا ابتدءوكم في القتال. ) وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ( ما هي الفتنة؟ الصَّد عن سبيل الله، الصَّد عن المسجد الحرام، منع المسلمين عن العمرة، هذا أشّد من القتال لأنّه منعٌ للدِّين) وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (إذا دخلتم وقاتلوكم عند المسجد الحرام لا تقاتلوهم) حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ (لأنّه خشية أن يأتي المسلمون فيدخُلوا مكّة فيكون بينهم وبين المشركين جدال وشِقاق بسبب المخالطة فيما بينهم فيكون هُناك قتال فمنعهم الله من أن يقاتلوا ويبتدئوا بالقتال) فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ([14]. قال في سورة الأنفال) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ([15]لماذا؟ لأنَّ هذه الآية نازلةٌ ابتداءً وتلك نازلة بعد أن أكمل الله تعالى الدين في تشريع القتال عموماً وغزوة بدر لنشر الدّين.

ثم قال:) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ([16] ما المقصود الشَّهر الحرام بالشهر الحرام؟ يعني الشَّهر الحرام هذا الذِّي أنتم فيه وقاتلتم فيه - لو حصل قتال - مثل الشّهر الحرام الذّي جِئتم فيه ومُنعتم يعني يوماً بيوم كما جاء في بعض الروايات) وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ (إن قاتلوكم فاقتلوهم. ) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ( وهذه قاعدة أصلية من قواعد الدّين في أنَّ الاعتداء لمن اُعتديَ عليه له حقُّ الاعتداء لكن لابد أن يكون بتنفيذ الوليّ أو الحاكم) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (.

ثم قال: ) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ([17]ما علاقة آيات الإنفاق بآيات القِتال قبل قليل، وبآيات الحجّ بعدها في قوله: )

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل