دورة الأمثال في القرآن - سورة النحل (المثل السادس) - د. مساعد الطيار

دورة الأمثال في القرآن الكريم

الأمثال في سورة النحل

 

د. مساعد بن سليمان الطيار

تفريغ مدونة في رحاب التنزيل

المثل السادس

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه والتابعين . وقفنا قبل صلاة العصر في حصة هذا اليوم من الأمثلة القرآنية التي ابتدأناها بالأمثلة في سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وانتهينا من المثال الخامس وسنبتدئ الآن بالمثال السادس من سورة النحل وهو :

/ قوله سبحانه وتعالى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }

هذا هو المثال الأخير من أمثلة سورة النحل آية مئة واثني عشر.

كما سبق أيضا في تنويع أو أنواع  الأمثلة نلاحظ أن هذا المثال على غير الأمثلة السابقة ، يعني موضوع آخر وجديد وموضوع يرتبط بقضية الإيمان والكفر يعني يمكن أن نقول ثمرة الإيمان والشكر وثمرة الكُفران والمعصية يعني هذا المثل يحكي هذا الموضوع.

 الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يقول :{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً } ولاحظوا أيضاً قضية الأسلوب القرآني في عرض الألفاظ لمَّا قال قرية على ماذا ؟ على التنكير ، لو قلت أي قرية في هذا الموطن مجاز، ولو قلت إنه قصد قرية معينة فنبحث عنها لجاز ثم يدخل فيها غيرها من القرى ، فلننظر ماذا قال المفسرون في موضوع هذه القرية وما المراد بهذا المثل؟

 ابن عباس ومجاهد وقتادة وكثير أيضاً من المفسرين قالوا : إن القرية مكة ، السورة كما تلاحظون - سورة النحل - سورة مكية فكأن الله سبحانه وتعالى ضرب المثل لأهل مكة وكذلك لأهل الإسلام بما حصل من أهل مكة فهم قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم هم أكثر العرب أمناً بل كانوا أكثر أهل الدنيا أمناً فكما تعلمون دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقدَر الله لهذا البلد الذي هو مكة أن يكون بلداً آمناً ، وكذلك يُجبى إليه ثمرات كل شيء بدعوة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فلما جاءت الرسالة - رسالة محمد صلى الله عليه وسلم - وكفروا بها تبدّل حالهم من الأمن إلى الخوف ولذلك قال سبحانه وتعالى : { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } وسيأتينا إشارة إذا كانت في مكة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا عليهم بسبع سنين كسنيّ يوسف وتحققت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وجاؤا إليه صلى الله عليه وسلم يطلبونه أن يرفع هذه الغُمة عنهم كما هو معلوم في السيرة .

/ في قول آخر: أن المراد بالقرية قرية أوسعَ الله على أهلها بدون تعيين وذكروا طبعاً في هذا أنها يعني مطلق قرية ليست محددة وإن كان ذكروا نوع من الأكل الذي كانوا يختصون به وهو الخبز .

/ وقول ثالث رُوي عن أم المؤمنين حفصة قولها يشير إلى أن القرية الأمنة هي المدينة وذلك أنها كما رُوي عنها أنها لما صدرت من الحج وكان عثمان رضي الله تعالى عنه محصورا في المدينة قال : فرأت راكبين فسألتهما عنه فقالا : قُتِل فقالت والذي نفسي بيده إنها للقرية - تعني المدينة - التي قال الله تعالى في كتابه :{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّة }

قال ابن الجوزي : " تعني حفصة أنها كانت على قانون الاستقامة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ } عندما قتلت عثمان رضي الله عنه ومعنى { كَانَتْ آمِنَةً } أي ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يُغارعليهم، {مُطْمَئِنَّة}

 أي ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق".

 طبعاً قول حفصة هنا أيضاً لا يعني أن القرية المراد بها تلك القرية دون غيرها حتى لو كان قصدها أن القصد الأول للقرية هي تلك القرية، فإذاً نحن عندنا الآن في تحديد القرية نظران :

- إما أن ننطلق من أن القرية اسم جنس فكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو يدخل في قول الله سبحانه وتعالى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّة }.

- وإما أن يُراد بها قرية بعينها فإما أن تكون مكة على قول الجمهور، وإما أن تكون المدينة على قول حفصة.

 والقول بإنها مكة أو المدينة لا يعني عدم دخول غيرها فيها يعنى إن قلنا : إن المراد بها أولاً مكة او المدينة لا يعني هذا القول عدم دخول غيرها فيها، ودخول غيرها فيها من باب القياس فكل قرية حصل منها ما حصل من أهل مكة أو ما حصل من أهل المدينة فإنه ينطبق عليهم هذا الوصف المذكور في القرآن. وهذه قاعدة تُجريها في أغلب العمومات التي في القرآن وأعيدها لكم لتأكيدها .

العمومات التي في القرآن: إما أن يُعمم اللفظ مباشرة فيدخل فيه كل من ينطبق عليه هذا اللفظ، إما أن يُعمم اللفظ فينطبق عليه كل من  يدخل تحت هذا اللفظ ، وإما أن يكون اللفظ عام والمراد به خاص ويدخل غيره من باب القياس وإما أن يكون عاماً والمراد به خاص فيدخل غيره من باب القياس.

 طيب أنت باعتبار عملية التفسير هل تعمل بالأول أم تعمل بالثاني؟

 الجواب نقول : نعم بالجميع حسب السياق، يعني الذي يجعلنا نقول بأحدهما دون الآخر السياق والأحوال يعني بالنظر إلى السياق والأحوال .

 هذا الذي اختصره لكم في فكرة العام في القرآن تضعونه ويكون منكم على بال لأهميته أهمية قصوى في علم التفسير. وأنا ان كنت استطردت في بعض القضايا لأهميتها فارجوا أن تعذروني في هذا فأنبهكم مرة أخرى ما ذكرته لكم مُهم بالغ الأهمية في التفسير لأن من لا يدرك الفرق بين التعميم من جهة اللفظ والتعميم من جهة القياس يقع عنده الغلط في حمل بعض الآيات التي لا تحتمل عموم اللفظ فيحملها على عموم اللفظ وهي ليست كذلك وإنما عمومها يكون من باب آخر، ومن أدرك هذا يُدرك أنه - في الغالب - لا فرق بين من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ لأن الذي يقول إن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ لا يرى أن هذا اللفظ لا يدخل فيه غير هذا السبب فقط وإنما قُصارى أمره أن يقول : إن هذه الآية الأصل فيها الخصوص ودخول غير هذا الخاص فيها من جهة القياس وليس من جهة عموم اللفظ ، لو طبقناها الآن على هذا إذا قلنا : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً } قلنا قرية عامّ يدخل فيه أي قرية تتصف بهذا الوصف، فمكة اتصفت بهذا الوصف فتدخل - في ذلك الحين - ، والمدينة - في ذلك الحين - الذي تحدثت عنه حفصة دخلت في هذا الوصف وانطبق عليها هذا الوصف فتدخل، ولو انطبق الوصف على أي قرية أخرى يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ثم حصل لها كُفر بأنعم الله فإنه يحصل أن الله يذيقها لباس الجوع والخوف ..الخ فيكون عامّ تدخل فيه أي قرية.

 نحن إذاً الآن أنطلقنا من تعميم ماذا ؟ اللفظ ، من أول الأمر جعلنا اللفظ عاماً .

على قول الجمهور - الذي نسبه ابن الجوزي لهم - أنها مكة نقول الآية نزلت أولاً في أهل مكة يعني على وجه الخصوص القرية أول ما نزلت هذه الآية على وجه الخصوص المراد بها أهل مكة ثم يدخل معهم كل من اتصف بهذه الصفة.

نحن الآن لاحظوا وجه التعميم في الأول جعلنا اللفظ من أصله عامّاً ، في الثاني قلنا لا اللفظ عام يراد به الخصوص يعني القرية لفظ عام يُراد به أهل مكة خاصّة ثم يدخل مع أهل مكة من اتصف بصفتهم .

أيهما الأقرب إلى طريقة التفسير ؟

الثاني، الأقرب إلى طريقة التفسير الثاني، طبعاً أنا أعرف بعض الناس قد يستغرب هذه لكن أنا أقول لكم من خلال الخبرة التي خبرتها في كتب التفسير أن القاعدة هذه التي يذكرها بعض العلماء أن [العبرة بعموم اللفظ] لا تتناسق مع جميع عمومات القرآن، وتطبيقات المتقدمين من الصحابة أو بعض تطبيقات المتقدمين من الصحابة والتابعين وأتباعهم قائمة على الثاني وهي أنه لفظ عام أريد به الخصوص ، فإذا أردنا أن نحمل كلامهم على عموم اللفظ فإننا كأننا نعترض أو نستدرك على كلامهم، مثل ما ثبت في الصحيح عن كعب بن عُجرة لما سُئل عن آية الفدية قال : "هي فيّ خاصة ولكم عامة" يعني إذاً آية الفدية يقول لي خاصة يعني أنا سبب نزولها هي مُختصة بي لا أحد شاركني فيها لكن لكم عامة ، فمعنى كلامه أنها نفس القضية كما قلنا ماذا ؟ لفظ عام أُريد به الخصوص ودخول غير هذا الخاص يكون من باب القياس. هذا النوع أو هذا الأسلوب هو المناسب لطريقة التفسير.

 أما التعميم هكذا بدون قيد أو ضابط يعني مجرد أن لفظ صورته صورة العموم نقول هذا عام والعبرة بعموم اللفظ هذا يستخدمه أحياناً وليس دائماً يعني في بعض المواطن التي تصلح له يستخدمه من ضعُفت آلة التفسير عنده ظناً منه أن هذه الآية مُنطلقها العموم ابتداء يعني من ضعفت آلة التفسير عنده في بعض المواطن التي لا تصلح أن تُعمم من جهة اللفظ إذا أطلق عليها عموم اللفظ فهذا يدل على ضعف مهارته وضعف آلته في التفسير فيكون أو يصلح - ينطبق عليه - ما يقوله المحدِثون من تضعيف بعض الرجال بأنه سلك الجادَّة يعني سلك الشيء المُعتاد ، فهنا نقول أنه سلك الجادة ظناً منه أن هذه الآية من العام من جهة اللفظ وإنما هي عموم ويأتي من جهة القياس.

 إدراك المُفسر أن العموم يأتي من جهة القياس هذا دال على براعته في التأتي لمعاني الآيات، وأما إن جعلها من العموم اللفظي فهذا دلالة على ضعف آلته - كما قلت لكم - ليس في كل المواطن لكن في بعض المواطن التي هي من هذه الصورة.

 طبعاً المقام أو مقام تقرير هذا مقام آخر لكن أشرت إليه لأنه تكرر عندنا كما تلاحظون ألفاظ عامة والمفسرون يذكرون خصوصات ، هل هذا من باب الخصوص أو من باب التمثيل ؟ نحن إن جعلنا اللفظ من أصله عامّاً قلنا هذا من باب التمثيل، فأهل مكة مثالٌ للعموم وأهل المدينة في ذلك الحال مثالٌ للعموم وأي قرية يحصل لها مثل هذا الأمر فهي أيضاً تدخل في هذا العموم .

 نرجع الآن إلى قوله سبحانه تعالى أو نفس المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى وهو قوله : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّة } لاحظوا أن الطمأنينة أثر من آثار الأمن فصحّ تقديم الأمن هنا لأن الطمأنينة أثره وقوله سبحانه وتعالى : { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } هذا ذكر للمقام الآخر أو الحال الآخر لأن عندنا الآن حال الأمن وحال الأكل - الشِبع والرِّي - يعني الإنسان إذا لم يكن آمناً فأكله هل يكون سليماً ؟ الجواب: لا، ولاحظ نفسك أنت في بعض الحالات التي تكون فيها في حالة فزع أو في حالة انشغال أو غيره يعني تريد أن تُدرِك رفقة أو شيء وأنت جائع وتأكل، في هذه الحالة لا تستمتع في أكلك ولا تهنأ به بل قد لا يكون مُشبعاً إن لم يكن ضاراً ، فالله سبحانه وتعالى يذكر لنا هذه القرية أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليها إنعاماً تاما، لا من جهة الأمن ولا من جهة الطمأنينة ولا من جهة الأكل والشرب قال : { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } يعني قرية يمكن أن نُسميها قرية مدللة لا يتعب أهلها لا يذهبون ويأتون بالطعام هي يأتيها رزقها، يعني لاحظ الآن الألفاظ وما تؤدي إليه قال : { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } واضح الآن ، فإذاً الآن هذه القرية أهلها لا يتعبون في البحث عن الرزق كثيراً ثم قال عنهم الله سبحانه وتعالى : { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون } يعني أبدلهم من بعد أمنهم خوفاً ومن بعد شِبعِهم جوعاً يعني الان قال الله سبحانه وتعالى : { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } ولاحظوا هذا: بدأ في الأول بالأمن ثم بدأ في الثاني بالجوع الذي هو مُرتبط بالأكل والشرب لأن الجوع بعد حصول الخوف فالإنسان مع حصول الخوف يبحث عن ما يسد رمقه عما يأكله فتجده دائماً هائم الذهن فالمقصود عموماً أن الله سبحانه وتعالى يذكر لنا هذه القرية كيف تحول حالها تبدّل .

وذكر لنا الله سبحانه وتعالى أمثلة يعني مثلاً قصة سبأً يعني قوم سبأ وما حصل منهم هي مثال من أمثلة القرية الآمنة المطمنئة وما حصل منهم من تبديل فأذاقهم الله سبحانه و تعالى من بعده لباس الجوع والخوف مثال.

 كذلك سيأتيكم مثل أصحاب الجنتين، أمثلة كثيرة جداً موجودة في القرآن نظير هذه الآية، بل إنك اليوم تجد قريباً منك قُرى كانت هذه الأوصاف موجودة عندهم وتحولت إلى الوصف الآخر، ولهذا ما فائدة هذه الأشياء التي تأتينا من الله سبحانه وتعالى بضرب الأمثال نحن مشكلتنا مع الأسف أننا نقرأ القرآن وكأنه لا يخاطبنا نحن كأنه يخاطب أقوام آخرين يعني الواحد منا يقرأ وتجد أنه يُقصِّر فيما يقرأ يعني هو عرف المعنى لكنه مقصر وكأن المخاطب إنسان آخر، مباشرة حينما تقرأ القرآن على أن الذي يُخاطب إنسان آخر اعرف أنك لن تتأثر بالقرآن، يعني هذه أحد موانع التأثر بالقرآن أن تقرأ القرآن وتنظر في زواجره وأوامره وكأن المقصود بها غيرك طبعاً إما بلسان الحال وإما بلسان المقال يعني بصراحة لسان الحال أكثر -أحياناً- لأن لسان المقال صعب لكن لسان الحال أكثر يعني حالنا نحن ونحن نقرأ القرآن ونسمع مثل هذه الزواجر والنواهي أننا لا نُطبقها ولا ننتهي عن النواهي فهذا دليل أكيد على أننا نقرأ القرآن وكأن المراد غيرنا وليس نحن ، فأي واحد منا يقرأ القرآن بهذه الصفة فليعلم أنه لا ينتفع بالقرآن أبداً ولا يحصل له الانتفاع، إنما يحصل الانتفاع حينما تقرأ القرآن على أنه يخاطبك أنت أولاً وتنظر إلى قلبك كما قال سبحانه وتعالى :{ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } فهو يخاطب القلب فتنظر إلى قلبك كيف يفهم هذا الكتاب.

 ونقول هذا لماذا ؟ لأنك إذا نظرت لحال الناس عندنا اليوم ستجد أن الآية تُخاطبهم وتُنبههم وتُحذِّرهم وتُنذرهم ولكن أحوال الناس اليوم تُخالف هذا التحذير، يعني أحوالنا اليوم تُخالف هذا التحذير، وتأمّل أنت الناس من صغيرهم إلى كبيرهم يعني ليس المقصود فلان من الناس أو جهة معينة من الناس لا .. هذا القرآن لا يُخاطب الناس بطبقاتهم، يُخاطب الإنسان باعتباره إنسان بغض النظر عن وصفه يعني ملِك أو وزير أو أمير أو دكتور أو مُمرض أو طبيب يعني كل هذه الأوصاف هذه ليست هي المرادة الآن المراد أنت أن تنظر كمسلم ما هو مقامك مع هذه الآية بغض النظر عن مرتبتك في هذه الأمور الدنيوية والحال كما تلاحظون نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا.

/ ذكروا في قوله : { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } طبعاً بعض المفسرين قال: أصل الذوق إنما هو بالفم وهذا استعارة منه يعني أنه لما أقول أذاقها لباس الجوع والخوف هذه يقع فيها إشكال علمي - تحتاج طبعاً إلى بحث لكن أنا أشير إليها كمسألة علمية-

 ما الدليل على أن الذوق لا يكون إلا بالفم ؟ صحيح أن المُتعارف عليه عندنا والموجود في بعض الكتب هذا لكن ما ذُكِر في القرآن وما ذُكر في السنة وما ذُكر في كلام العرب يُشعِر بأن مفهوم الذوق أوسع من أن يكون باللسان قال صلى الله عليه وسلم : ( ذاق حلاوة الإيمان ) لا يلزم أن يكون هذا الكلام - كما ذكر ابن الجوزي - أنه استعارة، لماذا لا يكون أصلاً ويكون مفهوم الذوق أوسع فيكون { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } وأنه يكون ذوق حقيقي بدل أن يقال أنه استعارة ، ولهذا أصحاب المجاز - يعني من يرون المجاز - يجعلون هذا من أمثلة المجاز. عموماً هذا فقط مجرد الكلام عنه كمسألة .

 أيضاً من الفوائد المرتبطة بالآية أن الله قال : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً } هل المراد القرية هي بنيان القرية ؟ إذاً المراد أهلها. وأيضاً نفس الفكرة العرب حينما تقول اسأل القرية، اذهب إلى القرية واسألهم ، لا يتصور العرب عندما يقول لواحد اذهب إلى القرية واسألهم المراد أن يسأل البنيان لأنه لا تسمى القرية قرية إلا إذا كان أهلها فيها، إذا هذا مِما تُعورف فيه بينهم دون أن تنطق به ألسنتهم ، فحمل بعض هذا الكلام على المجاز أو التوسع فيه أيضاً هذا فيه نظر في بعض الأمثلة، لا يعني ذلك أنه لا يوجد المجاز، المجاز يوجد لكن بعض الأمثلة فيه اعتراض عليها في هل ينطبق عليها المجاز أو لا ينطبق. عموماً هذه الآية يعني من يرى المجاز يذكر مجاز في قرية ويذكر مجاز في { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ } يعني في "فَأَذَاقَهَا" وفي " لِبَاسَ" الجوع والخوف .

/ نأتي الآن إلى مسألة وهي ارتباط هذه الآية بالسياق وكما قلت لكم نحن اعتمدنا في هذا على الكلام الطاهر بن عاشور.

 الطاهر بن عاشور يقول : "عطف عِظة على عظة والمعطوف عليها هي جُمل الامتنان بنِعم الله تعالى عليهم من قوله : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } وما اتصل بها إلى قوله : { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ }"

 

قال : "فانتقل الكلام بعد ذلك بتهديد من قوله : { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } فبعد أن توعَّدهم بقوارع الوعيد ولهم عذاب أليم وقوله : { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } إلى قوله : { لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ } عاد الكلام إلى تهديدهم بعذاب الدنيا بأن جعلهم مضرِب مثل لقرية عُذبت عذاب الدنيا أو جعلهم مثلاً وعظة لمن يأتي بمثل ما أتوا به من إنكار نعمة الله" ثم قال : "ويجوز أن يكون المعطوف عليه جملة ..." إلخ كلامه. لكن المقصود الآن معرفة مقام هذا المثل في هذه السورة ، وهذه السورة يسميها بعض العلماء سورة النِعم، وهنا الآن تلاحظ قوله فكفرت بأنعم الله وكما ذكر الطاهر قبلها ذُكرت النِّعم { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } يعني مجموعة من النِعم بل السورة منذ أن بدأت وهي تتكلم عن النِعم فالارتباط بين هذا المثل ومرتبط بالنِّعم وما ورد في السورة واضح جدا لأنه منذ أن بدأت وهي تناقش موضوع النِّعم .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل