دورة الأمثال في القرآن - سورة النحل (المثل الرابع والخامس) - د. مساعد الطيار

الأمثال في القرآن الكريم

الأمثال في سورة النحل

د. مساعد بن سليمان الطيار

التفريغ لموقع إسلاميات جزى الله من قام به

المثل الرابع: وهو قوله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- في سورة النحل آية 75: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[النحل: 75].

طَبْعًا لاحظوا أنه في سورة إِبْرَاهِيْمَ ذُكر ثلاث أمثلة، وعندنا الآن في سورة النحل عندنا هذا المثال، وسيأتينا مثال آخر في الآية التي بعدها فهما مَثَلان، وفيه مثال ثالث الذي هو آخر مثل في آية 112.

أنا الآن يعني ظهر في ذهني يعني مسألة أَيْضًا، وهي ممكن نقول: خارطة الأمثلة في القُرْآنِ، يعني ممكن نجعل خارطة للأمثلة في القُرْآنِ.

يعني كل سورة وكم احتوت من مثل، ثم لو رسمت أنت هذه الخارطة للأمثلة يمكن أن تجعل أَيْضًا روابط، يعني تجعل روابط بين الأمثلة بناءًا على الأقوال، يعني بمعنى أنك تجعل خارطة لها والمثل وما قيل فيه.

ثم تجعل روابط بمعنى أنه ممكن في لوحة واحدة نعرف الأقوال التي في الأمثال، يعني سور هذه الأمثال والروابط بينها التي هي النظائر التي تكلمنا عنها قبل قليل.

يعني هذه أَيْضًا فكرة الآن ظهرت، ممكن لو واحد منكم بعد الدورة يعمل بها أو يقوم بها، بحيث أنه يذكر السور يعني يوزع السور التي ذُكرت فيها الأمثال.

 ثم كل سورة ما هي الأمثال التي ذُكرت فيها، كل مثل ما هي السور التي ذكرت فيه، ثم يربط بين السور هذه مع الآيات الأخرى من الأمثال.

ممكن يخرج يعني بلوحة واحدة، جميع هذه الأمثال مع الأقوال، مع النظائر مرةً واحدة، وهذا لاشك ولله الحمد والمنة الآن يعني أمر متيسر وهو مفيد.

يعني مثل هذا العمل مفيد لو كانت بين أيدينا الآن مثل هذه الخارطة، كنا نشرح عليها ونبينها فهذه توضع لمن يسّر الله له ذلك، يعني توضع لدوراتٍ قادمة.

طيِّب؛ هذا المثل عندنا الآن في قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا)، نأتي الآن إلى المثل، عندنا مثلان متجاوران مثل المثلين السابقين في سورة إِبْرَاهِيْمَ.

نبدأ بالمثل الأول الذي هو قوله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، هذا العبد المملوك؛ مقابل له: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا).

الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- يقول: في عقولكم -يعني أيها الكفار، وحتى في عقول غيرهم- هل يستوون؟ الجواب: لا، يعني: هل يمكن أن يسوِّي العقل -عقل الإنسان المحايد- بين عبد مملوك لا يقدر على التصرف، وبين إنسان وهبه الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- الرزق الحسن، هو ينفق منه سرًا وجهرًا؟ الجواب: قطْعًا لا يستوون.

ولهذا الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- قال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، لماذا ذكرهم لا يعلمون؟ لأنه ليس المراد هذه الصورة، المراد ما يقابلها في الواقع، بمعنى أنهم لو فهموا هذا المثل وامتثلوه؛ لعَلِموا العلم الذي يوصلهم إلى الهداية.

طيِّب؛ عندنا الآن كما قال صاحب "زاد المسير"، قال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، أي بيَّن شبَهًا في بيان المقصود، يعني هذا الآن تفسيره: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا)، يعني بيَّن شبهًا في بيان المقصود.

ثم ذكر لنا فيه قولان:

الأول: أنه مثلٌ للمؤمن والكافر، فالذي لا يقدر على شيءٍ هو الكافر، لأنه لا خير عنده؛ يعني ما عنده شيء ينفق منه، قال: وصاحب الرزق هو المؤمن لما عنده من الخير، وهذا قول لابن عباس وقتادة، هذه الآن الصورة الأولى التي تنطبق عليها المثل.

الصورة الثانية: القول الثاني: أنه مثلٌ ضربه -اللَّهَ تَعَالَى- لنفسه وللأوثان، لأنه مالكُ كل شيءٍ وهي لا تملك شيئًا، وهذا قول مجاهد والسُدِّي.

طيِّب؛ لاحظوا الآن هاتين الصورتين، وهذه تتكرر في بعض الأمثال، سنجد أنها تتكرر، أنه هل هو ضُرب في المخلوق أو ضُرب في الخالق؟ يعني: هو مثلٌ للمخلوق أو مثلٌ للخالق.

وهذا أنا ذكرت لكم قضية النظائر، هذا الآن مثال لو نحن جعلناه في الشجرة، جئنا سورة النحل المثل الأول كذا، المعنى الأول فيه كذا المعنى الثاني فيه كذا.

السورة الثانية: أنه ضُرب مثلٌ للخالق، سنجد مَثَل آخر أَيْضًا ضُرب للخالق، فنجمع بينه وبين هذا المثل، وسنجد نفس القضية أنه ضُرب في المخلوق، نجمع بينه وبين المثل.

وهذا سيفيدنا في الترتيب الموضوعي، الذي ذكرت لكم بداية كلامي، أن الموضوعات كما قلنا: ما هي الأمثلة المضروبة في الكافر؟.

 الأمثلة المضروبة في المؤمن؟

الأمثلة المضروبة في المنافق؟

الأمثلة المضروبة في الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-؟، ستجد أن الأمثلة صارت واضحة عندك من خلال هذه الخريطة.

طيِّب؛ أَيْضًا الذين قالوا: بأن المثل ضُرب بالمؤمن والكافر، ذكروا تعيين؛ يعني عيَّنوا أشخاصًا، فبعضهم قال: إنه ضُرب بقومٍ كانوا في زمن الرسول ، والذين قالوا بهذا اختلفوا على قولين:

أحدهما: أن المملوك أبو الجِوار، وصاحب الرزق الحسن سيِّده هشام بن عمرو، وهذا روي عن عكرمة عن ابن عباس، يعني رواية عن ابن عباس، ومقاتل قال: أبو الحواجِر يعني سمّاه هكذا، يعني خلاف في اسمه.

والقول الثاني: أن المملوك أبو جهل بن هشام، وصاحب الرزق الحسن أبو بكر الصديق -رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْه-، وهذا قاله ابن جُريج من أتباع التابعين.

الآن في مثل هذا المثال، إذا جئت إلى مِثل هذه الأمثلة، وهذا تنبيه لكيفية التعامل مع الأقوال في التفسير، هذه الآن أقوال تفسيرية، ما الذي يَلزمك الآن لكي تطبق المثل على هؤلاء؟.

انطباق صورة المثل على أحوال هؤلاء الأشخاص، إذا أردنا أن نطبق المثل الآن على المملوك وعلى سيِّده هشام، يعني الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- يقول: أنا أضرب لكم مثلًا بمملوك لا يستطيع أن يعمل شيئًا، لا يقدر على عمل شيء، لأنه لا يستطيع العمل إلا بأمر سيده، وسيِّدُه هذا الذي يستطيع أن يتصرف، وينفق كما يشاء ويفعل ما يشاء، هل يستوي عندكم أيها الكفار هذا بهذا؟ الجواب: لا، فكذلك لا يستوي الخالق بالمخلوق.

طيِّب؛ أَيْضًا المملوك أبو جهل إذا قلنا: المملوك أبو جهل طَبْعًا هو مملوكٌ بماذا؟بما فيه من الشرك، أبو بكر الصديق مقابل الذي ينفق سرًا وجهرًا، وأبو جهل ماذا يصنع؟ لا ينفق.

يعني هذا قابضٌ وذاك منفق، هل يستوي هذا القابض لماله الذي ليس فيه خير، مثل هذا الذي يعني ينفع الناس وينفق سرًا وجهرًا؟ الجواب: أَيْضًا لا.

طيِّب؛ إذًا هؤلاء الذي ذُكروا هل المراد أنهم هم المرادون دون غيرهم؟ هذا سؤال، يعني: المراد هم دون غيرهم؟! الجواب: لا، ما داموا ليسوا هم المرادين دون غيرهم، إذن هم أمثلة لمن ذُكر في هذا المثل.

إذا قلنا: إن المثل مضروبٌ بماذا؟ بالمخلوق، فذكر بعض الأشخاص من باب التمثيل لا التعيين، طيِّب؛ نأتي الآن إلى علاقة المثل أو مناسبته في السياق:

الطاهر بن عاشور -رحمه اللَّهَ تَعَالَى- أَيْضًا قال يقول: (أَعْقَبَ زَجْرَهُمْ عَنْ أَنْ يُشَبِّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، أَوْ أَنْ يُشَبِّهُوا الْخَلْقَ بِرَبِّهِمْ، بِتَمْثِيلِ حَالِهِمْ فِي ذَلِكَ بِحَالِ مَنْ مَثَّلَ الله عَبْدًا بِسَيِّدِهِ فِي الْإِنْفَاقِ، فَجُمْلَةُ (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا.. إِلَى آخْره) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ)[سُورَة النَّحْل: 73].

قال: فَشَبَّهَ حَالَ أَصْنَامِهِمْ فِي الْعَجْزِ عَنْ رِزْقِهِمْ بِحَالِ مَمْلُوكٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَصَرُّفٍ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُ مَالًا، وَشَبَّهَ شَأْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي رِزْقِهِ إِيَّاهُمْ بِحَالِ الْغَنِيِّ الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ بِمَا شَاءَ مِنْ إِنْفَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْحَالَيْنِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهَا الْمَقَامُ، وَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ مُمَاثَلَةَ أَصْنَامِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَلِذَلِكَ أُعْقِبَ بِجُمْلَةِ هَلْ يَسْتَوُونَ).

يعني: إذن مُحصّلة المثل ذهبت إلى التوحيد، سواءً قلنا: إنه مَثَل ضُرب بمخلوق أو ضُرب بخالق، فإذن محصلة المثل ونهايته: أنه إذا كان العبد المملوك لا يساوي سيده عندكم، فكيف تُسوّى هذه الأصنام بالله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-؟.

ولاحظوا إن هذا خطاب؛ هل هو خطاب للوجدان -يعني خطاب عاطفي- أو خطاب للعقل؟ هذا خطاب للعقل؛ كيف خطاب للعقل؟.

الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- يعني: يذكر لهم أمور منطقية يدركونها هم من ذاتهم، أشياء محسوسة عندهم ويمارسونها في يومهم، فما كان يومًا من الأيام العبد في مقام سيده عندهم أبدًا، ما كان العبد في مقام سيده، فكانت هذه الأصنام مخلوقة، وهم يعني يقرون بأنها مخلوقة لأنهم هم يصنعونها؛ هم يفعلونها، فكيف يُسوّى بين الخالق والمخلوق في العبادة؟.

 ولهذا الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- قال: (لا يستوون)، وهذا تعجيب من حالهم، يعني: قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، يعني: بمعنى أنهم قد جهلوا جهلاً شنيعًا.

كيف جاءهم هذا الجهل الشنيع؟ هذه صورة من صور الجهل الشنيع عندهم، ولذا لماذا سمي عصرهم عصر الْجَاهِلِيَّةِ؟ إلا لمثل هذا الأمر الذي يلغي فيه العربي العاقل عقله.

يعني: هم أصحاب عقول؛ لكن هذه العقول -سبحان الله- يعني أُلغيت هذه العقول، يعني: أغْلقوا المنافذ مع أنهم أصحاب عقل، الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- لم ينفي عنهم العقل الموجود عقل التصرف، لكن العقل الذي يوصلهم إلى الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- سبحان الله أغلقوه؛ وقالوا: (لو كنا نسمع أو نعقل)، يعني: عقل السماع؛ هذا عقل الاستجابة: (ما كنا في أصحاب السعير).

ولهذا أقول لكم من باب الفائدة -انتبه لها استطرادًا هذا-: بعض المخالفين لأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ من كثرة ما يُردِّد من الأباطيل، ومن كثرة ما هو فيه من غياهب الظلمة والشرك، سبحان الله تنطمس بصيرته، حتى يرى أن ما هو فيه حق، وهذا -والعياذُ بالله- يعتبر تمام الانحدار في الشرك، سواءً كان هذا من الطوائف التي تتنسب إلى الإسَّلَام، أو كان حتى من الكفار، خصوصاً الذي يكون له بصر ومعرفة، يعني: يستطيع يفكر ويقرأ عن الإسَّلَام، أو يقرأ عن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ؛ ولكنه لا يهتدي إلى الحق، هذا تعلم يقينًا أنه مثل حال أبي جهل، يعني: يعلم ولكنه سدَّ منافذ العقل الذي يوصله إلى الاهتداء -والعياذُ بالله-، ولهذا لا تستغربوا هذا الأمر، يعني: حينما تنظرون إلى بعض هؤلاء، نحن نستغرب لأننا -ولله الحمد والمنة- يعني ما مارسنا هذه الأشياء، تتعجب واحد أمامه ألوف مؤلفة يتكلم ويكذب في الحين يكذب؛ يعني: في الحين يُخرِج الكِذبة وكذبة وراء كذبة  واستدرار للعواطف وهؤلاء يصدقون.

يعني هؤلاء يصدقون فأنت تتعجب؛ لكن لم يُمارَس عليك هذا الأسلوب، احمد الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- أنه لم يمارس عليك هذا الأسلوب، تصوَّر لو كان من صغرك ويمارس عليك هذا الأسلوب، قصص مكذوبة واحدة تلوا الأخرى تلوا الأخرى، خلاص تنطمس عندك البصيرة، وهو هذا مع ما عنده من العقل الذي يمكن أن يدرك به أَيْضًا تنطمس عنده -والعياذُ بالله-.

وكذلك هؤلاء الكفار الذين ضَرب الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- فيهم المثل، ولذلك قال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، يعني: انطمست عندهم أبواب العلم، العلم الذي يوصلهم إلى الحق -والعياذُ بالله-.

المثال الخامس: مرتبط بالمثال السادس، وهو في الآية التي بعدها، عندنا في قوله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ)، يعني: لاحظ الآن في الآية التي قبلها قال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا).

طَبْعًا فيه تفاصيل في الألفاظ وكذا، والوقت لا يسمح بها، فنحاول نشير إشارات سريعة، يعني الضرب هناك بعبد، وهنا الضرب برجلين: (رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم).

طَبْعًا لاحظ الآن كيف صورة المثل، الآن رجلين؛ الرجل الأول أبكم، إذًا سيكون مقابله الرجل الثاني مُتكلِّم، لأن البُكم هو انعدام آلة الكلام.

طيِّب؛ قال: (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، بسبب هذه الآفة التي عنده؛ لكن المتكلم عنده -إذن- القدرة، هذا المقابل له؛ طَبْعًا لم يُذكر لكنه يُفهم من الخطاب.

قال: (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ)، يعني: ثقيل؛ يعني: مُتعِب لمولاه، إذن الثاني لا، ليس كذلك: (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ)، والآخر بخلافه أينما وجهه سيأتي بخير، يعني هذه صورة.

أَيْضًا هل يستوي هذا وهذا؟ لا يستوي، ولذلك قال الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-: (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ)، ما قال: صفته كيت كيت كيت، قال:(هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم).

فاخُتزل الأوصاف المقابلة وذُكر وصف آخر وهو: الأمر بالعدل وأنه على صراطٍ مستقيم، لأن هذا هو المراد، يعني: هذا هو النتيجة، نأتي الآن ندلو في المثل؛ نفهم كيف يعني رُكب هذا المثل.

يقول ابن الجوزي -رحمه اللَّهَ تَعَالَى-: ومعنى: (لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، أي من الكلام لأنه لا يَفهم ولا يُفهم عنه، ولهذا حالة الأبكم حالة صعبة جدًا، يعني لا يدركها إلا الأبكم، أو من يكون في حالة مثل حال الأبكم، متى يكون في حالة مثل حال الأبكم؟ لا ما هو لازم مرة، لو أرسلناك إلى كوريا وأنت ما تعرف أي شيء من كلامهم ماذا يحصل؟.

يعني الإشارة، ما هو الأبكم يشير، فهذه صورة يعني ممكن أن تكون مارستها يومًا ما، لتشعر بإشكالية المثل هذا، فأنت تقول له: جب لي ماء يجيب لك ما أدري إيش، وتطلب شيء فيأتيك بشيء أخر، وتسأل عن شيء فيأتيك، يعني: (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ)، طيِّب؛ هذا فقط بمجرد أَيْضًا تقريب هذه الصورة في المثل.

قال: (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ)، قال ابن قتيبة: أي ثِقلٌ على وليه وقرابته، ثم قال: فيمن أريد به المثل من هو المراد به المثل؟ على أربعة أقوال:

أولًا: أنه مثلٌ ضربه -اللَّهَ تَعَالَى- للمؤمن والكافر، فالكافر هو الأبكم، والذي يأمر بالعدل هو المؤمن، وهذا مروي عن ابن عباس.

الثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان هو الذي يأمر بالعدل، وفي مولّىً له كان يكره الإسَّلَام، وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله وهم الأبكم، وهذا أَيْضًا روي من طريق ابن عباس.

والثالث: أنه مثلٌ ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن، مثل الآية السابقة قبل قليل، فالوثن هو الأبكم، واللَّهَ تَعَالَى هو الآمر بالعدل، وهذا قول مجاهد وقتادة ومحمد بن السائب الكلبي ومقاتل.

والرابع: أن المراد بالأبكم أُبي بن خلف، وبالذي يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون، وهذا قاله عطاء.

قال: فيَخرج عن هذه الأقوال في معنى مولاه قولان:

أحدهما: أنه مولىً حقيقي إذا قلنا: إنه رجلٌ من الناس.

والثاني: أنه بمعنى الولي إذا قلنا: إنه الصنم.

فالمعنى وهو ثِقلٌ على وليه الذي يخدمه ويزينه، ونأتي الآن إلى تلخيص الأمثال مثل ما ذكرنا قبل قليل، يعني: الآن كان صار بيننا المثل، إما أن يكون في الخالق وإما أن يكون في المخلوق.

-       فإن كان في المخلوق: فهو مثالٌ بين المُؤْمِنِ والكافر، وما ذُكر من الأشخاص فهو على سبيل التمثيل لا التعيين، فإذن الأقوال في أنه عثمان والقول بأنه كذا، هذه أمثلة لمؤمنٍ ولكافر.

فإذن بناءًا على ذلك نقول ماذا؟ نقول: إن هذه مجرد أمثلة وليست تخصيصًا لأن المراد بها فلان دون غيره، فصار إذن الأمر بيِّن مثل ما قلنا في المثل السابق: إما أن يكون في الخالق وإما أن يكون في المخلوق.

طَبْعًا الآن إذا كان في الخالق فإنه الآن تشبيهٌ لولي الصنم وما يُتعب نفسه فيه، يعني: هذا الآن الذي يعبد صنم أينما يوجه هذا الصنم لا يأتي بخير أبكم (كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ) يتعب في تنظيفه وتطييبه وتزيينه، وينقله من مكان إلى مكان ويعتني به ويخاف عليه، إذن هو ثِقَل على مولاه؛ لكن الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- ليس كذلك، فالله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- أرحم بعباده، يحب عباده، يرأف بعباده أينما أرادوه وجدوه -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-، يعني: ليس بينك وبين الله إلا أن تدعوه، أو تنشئ الصلاة فتفتح الباب الذي بينك وبين الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-، ليس عندك شيءٌ أكلف من هذا، أن تتوضأ وتدعوا الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-.

 أما هذا العبد الذي يخدم هذا الوثن فإنه يتعب مثل ما ذكر الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- وهذا قال: (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ).

طيِّب، نأتي الآن إلى علاقة المثل بالسياق، وهذا كما قلت لكم ننقله من كلام الطاهر بن عاشور، لأنه اعتنى به كثيرًا، الطاهر يقول: (هَذَا تَمْثِيلٌ ثَانٍ لِلْحَالَتَيْنِ -لأنه سبق حالة المؤمن والكافر- بِحَالَتَيْنِ بِاخْتِلَافِ وَجْهِ الشَّبَهِ -لأنه له كلام دقيق هنا، سنقف عليه إن شاء الله- قال: فَاعْتُبِرَ هُنَا الْمَعْنَى الْحَاصِلُ مِنْ حَالِ الْأَبْكَمِ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْإِدْرَاكِ، وَعَنِ الْعَمَلِ، وَتَعَذُّرُ الْفَائِدَةِ مِنْهُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ، وَالْمَعْنَى الْحَاصِلُ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ الْكَامِلِ الْعَقْلِ، وَالنُّطْقِ فِي إِدْرَاكِهِ الْخَيْرَ وَهَدْيِهِ إِلَيْهِ، وَإِتْقَانِ عَمَلِهِ وَعَمَلِ مَنْ يَهْدِيهِ، ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِكَمَالِهِ وَإِرْشَادِهِ النَّاسَ إِلَى الْحَقِّ، وَمَثَلًا لِلْأَصْنَامِ الْجَامِدَةَ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ.

وَقَدْ قَرَنَ فِي التَّمْثِيلِ هُنَا حَالَ الرَّجُلَيْنِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ فَصَّلَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَعَ ذِكْرِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا بِأُسْلُوبٍ مِنْ نَظْمِ الْكَلَامِ بَدِيعِ الْإِيجَازِ.

إِذْ حَذَفَ مَنْ صَدْرِ التَّمْثِيلِ ذِكْرَ الرَّجُلِ الثَّانِي، لِلِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِهِ فِي اسْتِنْتَاجِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ تَفَنُّنًا فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذَا التَّمْثِيلِ، وَأُسْلُوبِ سَابِقِهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا)[سُورَة النَّحْل: 75]، وَمِثْلُ هَذَا التَّفَنُّنِ مِنْ مَقَاصِدِ الْبُلَغَاءِ كَرَاهِيَةً لِلتَّكْرِيرِ لِأَنَّ تَكْرِيرَ الْأُسْلُوبِ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْأَلْفَاظِ).

واضح، هذه قاعدة: تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ، هنا أَيْضًا فقط أستطرد إلى مسألة مهمة جدًا وهي: مقاصد البلغاء، من أين نأخذ مقاصد البلغاء؟.

 يعني: العلماء يستقرءون كلام العرب، لأنهم هم المراد بهم أهل البلاغة، ويستقرءون القُرْآنِ يستقرءون السنة، يستقرءون أقوال الصَّحَابَةِ ومن كان من أهل العربية، ويعرفون من خلالها يستخرجون هذه المقاصد، ما هي المشكلة التي تقع عندنا هنا في قضية مقاصد البلغاء؟ التكلُّف في دعوى المقصد، إذا وقع تكلف في دعوى المقصد سيقع عندنا تكلُّف في تخريج بعض الآيات من القُرْآنِ، من جهة البلاغة.

طيِّب، وسأذكر مثال لتوضيح هذه الفكرة، هل من مقاصد البلغاء العناية بالسجع أو لا؟ ما الجواب؟ الجواب: نعم من مقاصد البلغاء العناية بالسجع.

لكن لاحظوا الآن السجع فيه مشكلة، وهي أن يكون السجع مقصودًا لذاته، وأن يكون السجع تابعًا للكلام، السجع الذي يكون مقصود لذاته هل هو من مقاصد البلغاء؟ الجواب: لا.

المقصود لذاته يعني: أنا أريد أن أقول كلامًا مسجوعًا، دون النظر إلى المعاني؛ هذا الذي قال عنه : «أسجعًا كسجع الكُهّان»، يعني: سجع الكُهّان لماذا ذُم؟.

 غير ما يحتمله من الكلام الباطل أنه يأتي بكلامٍ لأجل أن ينتظم السجع كلام لا معنى له، فإذن هذا النوع من الكلام ليس من مقاصد البلغاء، ولا يوجد في كلام مقاصد البلغاء.

لكن الإتيان بالسجع المتوافق مع المعنى هذا من مقاصد البلغاء، أو ليس من مقاصد البلغاء؟ من مقاصد البلغاء، فإذا قعّدنا هذه القاعدة؛ إذن سيكون السجع من حيث هو من مقاصد البلغاء.

شرطنا فيه إذن: أن لا يختل فيه المعنى، لا أن يكون هناك قدرٌ زائد في المعنى؛ لا يلزم، يعني الشرط فيه أن لا يختل المعنى، لا يكون هناك قدرٌ زائد في المعنى.

إذا اشترطنا قدر زائد في المعنى من أجل السجع، سنقع في ماذا؟ في التكلف، وخذوا مثال من ذلك: مرة (رب موسى وهارون)، ومرة (رب هارون وموسى).

إذا اضطررنا إلى أن نقول: إنما عُبِّر في ذلك الموطن بكذا لأجل كذا، وبحثنا عن عِلل معنوية، سنقع في التكلُّف ولن نأتي بما يُقنع العقل.

 لكن إذا قلنا: بما أن السجع من مقاصد البليغ؛ والسجع شرطه: أن لا يُخِلّ بالمعنى؛ فاختير (موسى وهارون) هناك لأجل روي الآيات، واختير (هارون وموسى) لأجل روي الآيات؛ انتهى الإشكال ولا احتاج العقل إلى كد ذهنٍ أكثر من هذا، وكنت غير مقتنعٍ بهذا الكلام لسبب وهو: أنه تُشحن يعني أذهاننا بالمعنى الآخر، أنه أُتي به لأجل وأُتي به لأجل، ولكن بعد قراءتي في كتاب الطاهر بن عاشور، ارتحت إلى هذا وهو مذهبه، الذي نتكلّم عنه الآن من باب التفنن، فالتفنن في الخطاب وتغيير الخطاب هذا من مقاصد البليغ، لا يلزم أن يكون وراءه معنىً خفي وأسرار، وعلى طاري أسرار -ما دامت أسرار- فلماذا تكشفها؟!

p class="MsoNormal" style="m

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل