تفسير سورة القيامة - د. صالح بن عبد الرحمن الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

سورة القيامة 

د. صالح بن عبد الرحمن الخضيري

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿١﴾ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴿٢﴾ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿٣﴾ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿٤﴾ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴿٥﴾ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴿٦﴾ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ﴿٧﴾ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿٨﴾ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴿٩﴾ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ﴿١٠﴾ كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿١١﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ﴿١٢﴾ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴿١٣﴾.

سورة القيامة وهي سورة مكية أي نزلت قبل الهجرة. وتسمى باسم هذا اليوم العظيم سورة القيامة لأن الله Iأقسم بهذا اليوم العظيم في آيات عديدة ومنها في مطلع هذه السورة المباركة. ونظراً لعِظَم هذا اليوم أنه اليوم الآخر، يوم الحشر، يوم التغابن، يوم الجمع، يوم القيامة، الصاخّة، الغاشية، الحاقّة، الطامة، نظراً لعظم هذا اليوم فقد تعددت أسماؤه في القرآن الكريم وأقسم الله تعالى به في آيات عديدة. فقال I(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)) قوله (لَا) هذه تأكيد فإنه شبه إجماع بين المفسرين أن هذا قَسَمٌ بيوم القيامة فالله Iقال في مطلع هذه السورة (لَا) يعني لا كما يزعم هؤلاء الكفار والمشركون أنهم لن يُعادوا ولن يُبعثوا (أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)) ولهذا يقولون هي زائدة يعني لفظاً وإلا القرآن ما فيه شيء زائد أو من باب التأكيد (أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)). والله تبارك وتعالى يُقسِم بما شاء وأما المخلوق فإنه لا يحلِف إلا بالله سبحانه وتعالى. والقَسَم بالشيء إشارة إلى تعظيمه وهو كذلك فإن يوم القيامة يوم عظيم. (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)) ففي هنا المقسم عليه هو إثبات البعث والمعاد والردّ على من أنكر ذلك من المشركين. (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)) أيضاً تأكيد ثم قَسَمٌ بالنفس اللوامة. والنفس ذُكِرت في القرآن في مواضع وصفت بأنها "لوّامة" كما في هذه الآية ووصفت أيضاً بأنها في سورة الفجر "مطمئنة" ووصفت في سورة يوسف بأنها "أمّارة بالسوء" فهذه الثلاث أوصاف لموصوف واحد فإن النفس قد تكون مطمئنة وقد تكون لوّامة وقد تكون أمّارة بالسوء ولهذا وصِفَت في القرآن بثلاث صفات.

·       فالنفس إذا سكنت إلى الله Uواطمأنت بذكر الله وأنابت إلى الله Iوخشعت له وصدّقت برسله وعبدته كما أمر فهي مطمئنة ولهذا يقال لها عند الوفاة (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30))[الفجر].

·       وأما إذا كانت النفس تأمر صاحبها بالشهوات المحرمة واتباع الباطل وتقوده إلى كل قبيح ومكروه فهي أمارة بالسوء ولم يقل آمرة بالسوء لكثرة هذا الأمر منها لأنه كثير جداً قال أمّارة صيغة مبالغة.

·       وأما النفس اللوامة فقال ابن عباس: هي النفس تلوم صاحبها. وقال مجاهد: هي التي تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال عكرمة: هي التي تلوم على الخير والشر. ولا شك هي اللوامة هل هي من التلوّم أو التلوّن أو التردد أو من اللوم؟ قد يكون هذا أو هذا أو ذاك. عبارات السلف من المفسرين تدور على هذين المعنيين، ولهذا لما سئل ابن عباس ما هي النفس اللوامة؟ قال: هي النفس اللؤوم. وقال مجاهد: هي التي تندم على ما فات تلوم على الفائت. المهم النفس هذه هي لوامة لكن قد تلوم على الخير وقد تلوم على الشر. ولا شك أن النفس أنها إما أن تكون مساعِدةً لصاحبها على الخير وإما أن تكون قائدة له إلى الشر ولهذا تأمل في عدد من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كما في خطبة الحاجة "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا" وقال عليه الصلاة والسلام في دعائه "اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها". وسائر الأمراض الرياء والعُجب وغيرها من الأمراض المتعددة إنما تأتي من النفس. فالمواد الفاسدة كلها تأتي من النفس ولهذا جاءت الاستعاذة من شرّ هذه النفس وقال عليه الصلاة والسلام لرجل لما أسلم قال: يا رسول الله علمني كلمات ينفعني الله تعالى بهن، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «قُل اللهم ألهمني رشدي وقني شرّ نفسي». يقول ابن القيم وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب والوصول إلى الرب Uوأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد ترك هذه النفس وإماتتها بمخالفتها والظفر بها ولهذا الله سبحانه وتعالى قال (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41))[النازعات] فالنفس تدعو إلى الطغيان، تدعو إلى إيثار الحياة الدنيا، تدعو إلى العاجلة، ولهذا الخير كله في مخالفة هذه النفس وعدم إعطائها لرغبتها لئلا يندم الانسان.

فالله Iقال (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)) إذاً النفس قد تكون أمارة وقد تكون لوامة وقد تكون مطمئنة بل في اليوم الواحد أو الساعة الواحدة يمكن تكون نفسه هكذا وتكون نفسه هكذا والحكم للغالب من أحوال هذه النفس. وكونها مطمئنة هذا وصف مدح وكونها أمّارة وصف ذمّ وكونها لوّامة ينقسم إلى مدح وذمّ بحسب ما تلوم عليه فإن كانت تلوم على ما فات من الشرّ فهي تُلحق بالنفس الأمّارة وإن كانت تلوم على الخير فتُلحق بالنفس المطمئنة. كما يقول الإمام المربي ابن القيم يقول: يخرج العبد الصالح من الدنيا ولم يقضي حاجته من شيئين: بكاؤه على نفسه وثناؤه على ربه. يخرج من هذه الحياة الدنيا وما قضى وطره من شيئين ثناؤه على ربه Uبما أنعم وأسدى وأيضاً بكاؤه على نفسه وتبكيته لهذه النفس.

(وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ) إذاً القسم يكون بيوم القيامة أو بالنفس اللوامة أو بهما معاً الصحيح أنه أقسم بهما جميعاً كما قاله قتادة رحمه الله وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير واختاره ابن جرير. (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)) ثم قال I(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3)) أيظن هذا الإنسان الكافر المنكِر للبعث أننا لا نستطيع أن نعيده مرة أخرى؟! هل يظن ذلك؟! إن ظنّ هذا الظنّ فقد خاب ظنه وكذب في زعمه فإن الله Iقال في غير ما آية من القرآن أكد على هذه القضية وأكد على البعث لأنه ركن من أركان الإيمان الستة، قال الله U(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ)[التغابن:7] وقال U(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

فقال I(بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) يعني قادرين على أن نجمع عظامه وأن نعيده إنساناً آخر قال تعالى (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)) [الأنبياء]. (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) البنان هي أطراف الأصابع وقوله (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) من المفسرين من قال (نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) أي نجعل أصابعه كخُفّ البعير وكحافر الفرس نجعلها طبقة واحدة فلا يستطيع أن يقبض بها شيئاً ولا أن يأخذ بها شيئاً والله على كل شيء قدير من رحمته أنه ليَّن المفاصل وخلق الأصابع هكذا يستطيع الإنسان أن يقبض بها وأن يأخذ وأن يدفع. (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) هذا المنكِر للبعث أن نجعل أصابعه طبقة واحدة فلا يستطيع أن يقبض أو يأخذ بها شيئاً. وقال بعض المفسرين قوله تعالى (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) أي على أن نعيد أصابعه من التعبير بالبعض وإرادة الكل- فإن الله Iإذا سوى عاد مرة أخرى أصابعه على دقة عظام هذه الأصابع وتباينها فلأن يقدر على إعادة الجسم كاملاً من باب أولى وهو على كل شيء قدير. والبنان هي أطراف الأصابع كما أسلفت ولهذا الله Iذكر البنان في سورة الأنفال في قوله تعالى (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)).

(بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)) يعني ليفعل الفجور. (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) يعني يفجر في مستقبل أيامه وما يستقبل من الحياة أمامه فيريد أن يعصي ويريد أن يُشرك وأن يفعل الذنوب والمعاصي (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ). وقيل (يفجر أمامه) يعني راكبًا رأسه لا يلوي على شيء من التيه والعُجب فهو لا يبالي (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ). ولهذا قال جماعة من المفسرين: هو الذي يفعل الذنوب ويعجّل بالذنوب ويسوّف بالتوبة. وقال ابن عباس: هو الكافر يكذِّب بيوم الحساب ولهذا قال الله I(يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)) وهذا يشهد لقول ابن عباس tأنه هذا هو الكافر يكذّب بيوم الحساب لقوله تعالى (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ). يقول متى يكون يوم القيامة؟ متى سيحصل هذا اليوم؟ كما قال I(وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)[الإسراء]والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً. (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)) استبعاداً لوقوع هذا اليوم.

قال الله U(فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)) إذا برق البصر يعني لمع من الفزع والشِدّة التي تحصل في هذا اليوم العظيم (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)) يعني فزع لأن الإنسان إذا لمع بصره وصار ما يستقر يكون هذا كناية عن شدّة الخوف والفزع فهو يفزع من هول هذا اليوم كما قال تعالى (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج]. (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8)) يعني هنا في يوم القيامة تكون الأبصار في غاية الفزع والقلوب تبلغ الحناجر كما قال تعالى (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ)[الشورى] والمقصود أن الأبصار تنبهر في يوم القيامة وتخشع وتحار بما نزل بها من هول ذلك اليوم.

(وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8)) أي ذهب ضوؤه (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)) كما قال تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2))[التكوير]. وقوله (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)) جاء عن النبي eأن الشمس والقمر يُجمعان في النار والحكمة في هذا والله أعلم إما لأنهما من وقود النار ولا سيما الشمس وإما لتبكيت العابدين الذين يعبدونهما من دون الله U. فلزيادة حسرة هؤلاء الذين سجدوا للشمس أو للقمر وعبدوهم من دون الله يقال لهم بلسان الحال انظروا إلى من عبدتم هم أول من يدخل النار كما قال تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98))[الأنبياء]. عندها يفزع الإنسان، إذا عاين ابن آدم هذه الأهوال الشديدة ورأى أن القمر ذهب ضوؤه وأن الشمس والقمر جُمِعا في النار يفزع ويقول (أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)) هل من ملجأ؟ هل من محيص؟ هل من مَوْئل؟ قال الله (كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)) قال بعض السلف (لَا وَزَرَ) يعني لا نجاة، وهذه الآية كقوله تعالى (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47))[الشورى] يعني ليس لكم مكان تتنكرون فيه أو تختفون فيه. وقال هنا (لَا وَزَرَ) أي ليس لكم مكان تعتصمون فيه، ما يستطيع الإنسان أن يختفي في مكان أو أن يغيب في مكان (كَلَّا لَا وَزَرَ (11)) يعني لا مكان يحتمي فيه الإنسان أو يختفي فيه أبداً. ولهذا قال (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)) يعني إلى الله Uالمرجع والمصير كما قال سبحانه (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62))[الأنعام]. وقال (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6))[الانشقاق] وقال (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203))[البقرة] وقال (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ)[البقرة:223]. (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)) في هذا اليوم العظيم في يوم القيامة إذا بُعِث العباد (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10))[العاديات] إذا جُمِع الناس ليوم لا ريب فيه حُفاةً غير منتعلين، عراة غير لابسين، غُرلاً غير مختونين، يوم لا يقضى إلا بالحسنات والسيئات (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)[الكهف:48] (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18))[الحاقة] إذا عرضوا على الله U(يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ) يوم القيامة (بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)) يُخبَر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أوّلها وآخِرها، وكبيرها وصغيرها (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) قال الله (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49))[الكهف]. وهنا قال عز وجل (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)) فهو شاهدٌ على نفسه عالمٌ بما فعلت ولو اعتذر وأنكر لأنه يقال له يوم القيامة (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14))[الإسراء] فهو لو اعتذر كيف يعتذر؟ وعمّا يعتذر؟ (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12))[الانفطار]. وقد جاء في الصحيح عن النبي eأنه قال «إذا كان يوم القيامة جاء ابن آدم يُختَم على فِيه ويقال لجوارحه انطقي فتنطق اليد بما عملت والرجل بما عملت والأعضاء بما عملت ثم يُخلّى بينه وبين الكلام فيقول سُحقاً لكُنّ وبُعداً فعنكنّ كنت أجادل» ولهذا الله Iقال (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ)[فصلت] ولهذا ينبغي على العبد أن يحذر من هول يوم تنطق فيه الجوارح تشهد على العبد بما عمل تشهد عليه بما عمل. (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)) سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه وهو شاهد على نفسه ولهذا قال الله (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)). لو جادل يريد المعذرة فإنه لا ينفعه جداله، لو اعتذر فإن اعتذاره سيكون بالباطل لا يُقبَل منه ولهذا الله Iقال (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23))[الأنعام] (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18))[المجادلة].

ثم قال تعالى توجّه الخطاب هنا لرسولنا محمد eبعد ذكر شيء من مشاهد يوم القيامة وهوله وعظمته وإثبات البعث هنا توجّه الخطاب لتعليم النبي الكريم محمد eفي كيفية تلقي الوحي من المَلَك فقال الله (لَا تُحَرِّكْ بِهِ) أي بالوحي، بالقرآن (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)). جاء في صحيح البخاري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله eيعالج من التنزيل شِدّة فكان يُحرِّك شفتيه مع جبريل عليه الصلاة والسلام استعجالاً لحفظ القرآن خوفاً من أن يتفلّت القرآن منه فقال لي يقول سعيد بن جبير قال لي ابن عباس: فأنا أحرك شفتيّ كما كان رسول الله eيحرِّك شفتيه وقال سعيد وأنا أحرِّك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرِّك شفتيه فأنزل الله (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)) فأُمِر النبي eأن يُنصِت إذا قرأ عليه جبريل حتى يفرُغ جبريل عليه الصلاة والسلام من قراءة القرآن على النبي eفإذا فرغ جبريل وقام من عنده قرأه النبي eكما سمعه من جبريل تكفّل الله بذلك لنبيه محمد eفقال الله (لَا تُحَرِّكْ بِهِ) أي لا تحرِّك لسانك بالقرآن أثناء تلاوة جبريل عليه الصلاة والسلام (لِتَعْجَلَ بِهِ (16)) لتعجل بالقرآن، تعجل بحفظه فإنا نتكفّل بأن تحفظه كاملاً فإذا قام جبريل من عنده حفظه النبي عليه الصلاة والسلام كما ألقاه إليه جبريل.

(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) أي أن نجمعه لك ولهذا يقال جمع فلان القرآن يعني حفظه في صدره. والقرآن الكريم حفظه الله Iفإنه محفوظٌ في السطور ومحفوظٌ في الصدور فالله تعالى هو الذي تولّى ذلك وألْهَم عباده أن يقوموا بمثل هذه الأعمال العظيمة فقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9))[الحجر] فحفظه نبينا محمد eفي صدره وأمر أصحابه بذلك فكان له كُتّاب الوحي من الصحابة يكتبون القرآن في الصُحُف ثم كان من الصحابة أيضاً من يحفظ القرآن في صدره. ولهذا لما جُمِع القرآن الجمع الأول في عهد أبي بكر الصديق tوالجمع الثاني في عهد أمير المؤمنين عثمان tاجتمع في القرآن حفظ الصدور وحفظ السطور كل هذا تحقيقاً لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9))[الحجر]. ولا يزال القرآن وسيظل محفوظاً بحفظ الله مهما حاول العابثون من المحرفين لحروفه أو لمعانيه لا يزال محفوظاً بحفظ الله تعالى وسيظل. (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)) إذا قرأناه فاتبع قرآنه وأنصِت لذلك. (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)) علينا أن نبيّن لك الحلال من الحرام، علينا أن نُفهِّمك القرآن ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ).

قال الله بعد ذلك (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21)) يعني إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة والتكذيب بيوم الجزاء يحملهم على هذا إيثارهم للعاجلة إيثارهم للدنيا الفانية على الآخرة الباقية التي لا تفنى ولا تزول. فقال Iهنا (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20)) التي هي الدنيا ولم يذكر الله تعالى الدنيا في القرآن الكريم إلا مُحَقِّراً لشأنها وليس هناك آية أو حديث عن النبي eيمدح الدنيا أبداً لأنها دار الابتلاء، دار الكوارث والنوازل دار يُعصى الله Uفيها ويُطاع فيها أيضًا ودارٌ تفعل بأهلها الأفاعيل تُذِّلهم بعد عزّ وتُفقِرهم بعد غنى بأمر الله ومع ذلك هم يحبونها حباً عظيماً حباً شديداً ويؤثرونها على الآخرة كما قال تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17))[الأعلى]

قد نادت الدنيا على نفسها     لو كان في العالم من يسمعُ

كم واثق بالعمر أفنيته   وجامعٍ بددت ما يجمعُ

فيؤثرون هذه الحياة الدنيا يحبون العاجلة ويذرون الآخرة الباقية كما قال I(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64))[العنكبوت] يعني لهي الدار الباقية والحياة الدائمة التي لا تفنى ولا تزول.

ثم قال تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ) يعني يوم القيامة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)) من النُضرة وهي الإشراق والسرور (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)) كما قال تعالى (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24))[المطففين]. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) يعني تراه جل وعلا عياناً بالأبصار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري وغيره «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب» والأحاديث الواردة في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة أحاديث متواترة عن نبينا eولم يُنكِر هذا إلا أهل البِدَع كالمعتزلة ومن سَلَكَ سبيلهم ولهذا قال الله I(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)[يونس:26] والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم. وقال Iعن الكفار (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15))[المطففين] قال الإمام الشافعي رحمه الله: ما حجب أعداءه إلا وقد أذِن لأوليائه. وثبت عن النبي eأنه قال: «وأسألك لذّة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك» فهو نعيم عظيم نسأل الله الكريم ألا يحرمنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا منه في جنات النعيم.

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)) أي عابسة، وجوه يومئذ عابسة وهي وجوه الكفار وجوه المشركين تظنّ هذه الوجوه وجوه الفجار (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)) يعني أن يُفعل بها داهية كما قال مجاهد يُفعل بها داهية يُفعل بها أمراً عظيماً لأن الفاقرة هي الداهية الكبيرة العظيمة نسبة إلى فِقار الظهر لأن الانسان إذا أصيب في فِقار ظهره فقد أصيب بأمر عظيم فقال مجاهد فاقرة يعني داهية. (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)) والظنّ هنا إما أن يكون بمعنى اليقين كما قال I(وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا)[الكهف:53] يعني أيقنوا والظنّ يأتي بمعنى اليقين كما قال تعالى أيضاً (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46))[البقرة] يعني يوقنون بهذا. أو الظنّ بمعنى توقّع الشيء وتوقّع حصوله. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)).

ثم نقلت الآية المستمع والقارئ إلى مشهد عظيم سيمر بنا جميعاً نسأل أن يعيننا على هذا المشهد العظيم وهو مشهد الاحتضار وفراق هذه الحياة الدنيا. قال الله (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)) يعني إذا وصلت الروح للتراقي وصلت للترقوة التي جاءت في آية الواقعة بأنها تسمى (الحلقوم) فالحلقوم والتراقي متصلان ببعض فإذا وصل الإنسان لحالة الاحتضار وعاين ما عاين من هذه الأهوال هناك يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)) هل من راقٍ فيرقيه، نزل به أمر عظيم أين الراقي؟ أين القارئ الذي يرقيه؟ لأن الرقية دواء روحاني عظيم ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يرقي نفسه وقال عليه الصلاة والسلام: «لا بأس بالرُقى ما لم تكن شركاً» وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل». والرقية لا تكون إلا بالقرآن الكريم وبما ثبت عن نبينا eمن الأدعية الصحيحة. (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)) هل من راقٍ يرقيه؟ قال الله (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) ما يمكن ينفعه الراقي يقول الله عز وجل في آية أخرى (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85))[الواقعة]. (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) أنه فراق هذه الحياة الدنيا وأنه سينتقل من هذه الحياة الدنيا إلى الآخرة. (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)) التفّت الساق بالساق فهما إما أنه هذا كناية عن الأمر العظيم وما نزل بهذا المحتَضَر أو أنها حصل له أن رجلاه التفّت إحداهما بالأخرى كناية عن ضعف جسمه وخروج روحه. (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)) إليه المرجع Iوالمآب لأن الروح إذا قُبِضَت ترجع إلى الله I.

قال الله عن هذا الصنف (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)) هذا الكافر الذي هو مُكذِّب الآخرة لا صدّق بالبعث ولا صدّق بالرسول ولا صدّق بما جاء به ولا صلّى ما رجع لله Iولكن كذّب بالخبر وتولّى عن الأمر (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32)) يعني كذّب بالبعث وتولّى عن الأوامر والنواهي (وَلَكِنْ كَذَّبَ) كذّب بيوم الدين، كذّب بالرسول، كذّب بالقرآن، كذّب بالخبر وتولّى عن الأوامر فهو لم يسجد لله سجدة ولم يعبد الله Iكما أمره بذلك. (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33)) يعني في الدنيا ذهب يتبختر يمشي مشية التبختر قال الله مُهدِّداً لهذا الصنف (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35)) وَلِيَكَ المكروه وقارَبَ منك وهذا وعيد. (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)) أيظن هذا الإنسان أن يترك فلا يؤمَر ولا يُنهى؟! فلا يمكن قال عز وجل (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115))[المؤمنون] فهذه الآية تعم أن الإنسان لا يمكن أن يُترَك في الدنيا مُهملاً لا يؤمر ولا يُنهى وأيضاً لا يمكن أن يترك في قبره لا يُسأل ولا يُبعث بل هو مأمور ومنهي في الدنيا ومسؤول في القبر ومبعوث يوم القيامة ومناقَش على هذا الأمر عن كل ما أسلفه في الحياة الدنيا، فهي تعم ما يجري للإنسان في الحياة وكذلك بعد الوفاة. (أَلَمْ يَكُ) هذا الإنسان (نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37)) كيف يستكبِر ويرى أنه لا يُبعث وهو بدأ من نطفة صغيرة؟! (نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)) صار بعد ذلك علقة ثم نشأ وتطوّر في الخلق حتى صار إنسانًا سويًا وقد ثبت عن النبي eأنه يوماً من الأيام بصق في يده ثم قال: قال الله: يا ابن آدم أنّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا عدّلتك مشيت بين بُرْدَيك وللأرض منك وئيد وقلت لن أُبعث؟! (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39)) صار بعد ذلك من خَلْق الله سبحانه وتعالى ذكراً وأنثى بإذن الله وتقديره منهم يخلق كما قال تعالى (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54))[الروم] وقال تعالى (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)[الشورى].

 

(أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)) أليس من فعل هذا وبدأ الإنسان من ضعف ومن هذه النطفة قادرٌ أن يعيده مرة أخرى؟ بلى، وهو على كل شيء قدير. ولهذا جاء في الحديث: «من قرأ بالتين والزيتون فانتهى إلى قوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)؟ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فانتهى إلى قوله: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)؟ فليقل: بلى» كما جاء في مسند الإمام أحمد. «وأيضاً من قرأ: (وَالْمُرْسَلَاتِ) فبلغ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟ فليقل: آمنا بالله». والحمد لله رب العالمين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل