تفسير سورة القلم - المجلس الأول - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

سورة القلم - المجلس الأول

د. محمد بن عبد الله الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

هذه السورة العظيمة تسمى سورة القلم وتسمى سورة نون والقلم وتسمى سورة نون. متى نزلت هذه السورة؟ هذه السورة نزلت في أوائل ما نزل على النبي e، نزل عليه أربع سور هي من السور التي فيها بناء للنبي e في مرحلته الأولى.

1.  نزلت عليه أولاً سورة اِقرأ لتُظهر أساس العلم في بناء هذا الرجل النبي الكريم وكل داعيةٍ من أتباعه، العلم في قوله (اقْرَأْ).

2.  ثم نزلت المزّمل في بيان أساس العبادة وهو المقوم الثاني من مقومات هذا الرسول الكريم ومقوم لكل داعية مؤمن.

3.  الثالث نزلت سورة المدثر التي هي فيها تظهر مقومة الدعوة (قُمْ فَأَنْذِرْ (2))

4.  والرابع سورة نون أو القلم التي فيها مقوم الخلق الكريم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) إلى قوله (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4))

هذه مقومات الداعية المسلم الذي يريد أن يحمل رسالة الله عز وجل ويبلغها للناس: العلم، العبادة، والدعوة، والأخلاق، إنها متينة عظيمة من كمّلها وحقّقها لا شك أنه قد كمُل في شخصيته وأهليته لحمل هذه الرسالة وتبليغها.

قال الله سبحانه وتعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) هذه السورة مقصدها الأهم هو إظهار مقام النبي e وفضله وخلقه في الإسلام في مقابل لمز الكافرين له بالجنون والشعر والكهانة فهي رد عليهم وهي تسلية للنبي وتثبيت له وإظهار لشرفه فهي إظهار لمقام النبي e وتميزه بالخلق الكريم الذي تميّز به دينه وهو الإسلام في مقابل أن الله عز وجل أظهر أخلاق هؤلاء وما هم فيه من أخلاق سيئة كما ذكره الله عز وجل في الآيات التي بعد الآيات الأولى وسنأتي عليها.

يقول الله سبحانه وتعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) هذه آية عظيمة تبيّن لنا فضل العلم وفضل القلم والكتابة وأهميتها وأن هذه الكتابة يجب أن تُرفع ويكون شأنها عظيمًا وألا يكتب الإنسان إلا ما هو نافع له وللناس وأن يرتقي بقلمه في خدمة الإسلام والمسلمين خدمة هذا الدين إذ أن الله عز وجل أقسم بالقلم الذي هو أول مخلوق خلقه الله عز وجل أو ما خلق الله القلم وقال: "اكتب" فكتب عِلْم الخلق كلهم إلى قيام الساعة، دليل على عظمة القلم، هذا القلم الذي نحتاجه الآن في عصرنا الحاضر الذي ظهرت في أقلام وأفكار علمانية غربية تريد أن تزعزع مبادئنا. نحن بحاجة إلى أن نعني بالقلم الذي عظّمه الله فيكون تعلّمنا له لأجل أن نَسْطُر ونُسَطِّر ما فيه خدمة للإسلام والمسلمين كم والله نحن بحاجة إلى الكُتَّاب البلغاء الأدباء الذين يتعمقون في فِكرهم فيسطِّرون لنا من فكرهم مما يستقونه من كتاب الله وسنة رسول الله e هدياً كريماً. نعم، نحن الآن بحاجة شديدة إذ أنه الآن ظهر فينا نازغة ونبتت فينا نبتة سوء أرادت أن تُظهر بقلمها وفكرها كما يزعمون ضلالات الغرب وثقافاتهم ويسوّقون لنا ولأبنائنا وشبابنا ما يهدم مبادئهم وأفكارهم ودينهم وعقيدتهم.

حقيقة هذه الآيات الكريمة كم نحن بحاجة إلى الوقوف معها، كم نحن بحاجة إلى أن نربي ونوثّق ونهتم بشأن القلم وشأن الكتابة وما نسطِّره وأن الإنسان ونحن في زمن كثرت وسائل الإعلام، وسائل الاتصال -التي يسمونها التواصل الاجتماعي الفيس بوك وتوتير وواتس أب وغيرها- كانت الحقيقة مثار كثر الكلام والحديث بين الناس وتجد والله أكثرها غثاء لا فائدة فيه! أين نحن من استثمار هذه الوسائل في طاعة الله وخدمة الدين؟ مع أنني أقول بفضل الله عز وجل في مثل مجتمعنا نرى ولله الحمد أن عدداً من الدعاة وأهل الإيمان والدعوة والشباب قد نفروا بهذه الوسائل لخدمة الدين والذبّ عن حياض الإسلام والدفاع عن مبادئ الإسلام ومنافحة أولئك أصحاب الفكر المنحرف. كم هي نعمة نحتاج أن نسخِّرها لخدمة الإسلام، هذه والله وقفة مهمة تحتاج منا إلى وقفات.

قال الله عز وجل (وَمَا يَسْطُرُونَ (1)) من هم الذين يسطرون؟ إما أن يكون المقصود وما تسطر الأقلام وإما المقصود هنا إذا كان القلم هنا اللوح المحفوظ، القلم الذي يكتب في اللوح المحفوظ أو يكون القلم يُقسم الله بالقلم عامّة فيكون المقصود به كل ما يُسطَر، والظاهر والله أعلم الأول.

قال الله تعالى (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)) الله أكبر! أقسم الله عز وجل بالقلم لأجل نبيه دفاعاً عنه (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)) ما علاقة القَسَم بالقلم بقوله (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)) من يأتي لي بالمناسبة؟ مناسبة عظيمة الحقيقة القلم والعلم أليس هو الذي به كمال العقل؟ القلم والعلم هو الذي به كمال العقل، العقل إنما ينمو ويكمل بالعلم فالله تعالى يقول الذي خلق القلم وسطّر به علوم البشر كلهم والخلق كلهم (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)) بما وهبك الله من العلم وكمّلك به مما تسطّره الأقلام. هذا يدلنا على أن تعلّم العلم والقلم من دلائل كمال العقل، لكن العلم الصحيح الذي هو العلم بالله وآياته وشرعه هذا الذي يدل على كمال العقل. أرأيتم كيف أن الإنسان يكمل بعقله حينما يتعلم العلم والقلم والكتابة؟ لا شك. لذلك كلما كان الانسان جاهلاً كان كالسفيه أو المجنون الذي لا يعرف شيئاً أبداً في الحياة ما قيمته؟ ليس له قيمة، قيمة الإنسان بعلمه والعلم يورَث بالقراءة والكتابة.

 

ثم قال الله عز وجل (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)) ما أعظم رعاية الله لنبيه! (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ) مقطوع (غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)) أي ليس فيه منّة وليس هو مقطوع، فأجر النبي e جارٍ إلى قيام الساعة لماذا؟ لأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي علّمنا ديننا وهو الذي بلّغنا فكل حسنة نعملها وكل علمٍ نعلمه وكل عملٍ نعمله هو في ميزان حسناته عليه الصلاة والسلام، جميع أمته إلى قيام الساعة في ميزان حسناته وهذا معنى قول الله (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)) أي غير مقطوع وغير ممنون به فهو أعظم الخلق أجرًا، أعظم الخلق أجراً هو عليه الصلاة والسلام بما شهد الله. كما أنه أعظم الخلق والبشر خُلُقًا فقال الله (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) والله إن هذه الآية الكريمة (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) أعظم شهادة يشهد الله عز وجل بها لمخلوق في خُلُقه (وَإِنَّكَ) لم يقل على قال (لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) ولاحظوا ما قال: "وإنك لفي خلق"، قال (لَعَلَى) و(على) تدل على الاستعلاء والتمكن فقد تمكّنت من الخلق العظيم ومن الذي وصفه بالعظيم؟ هو الله عزّ وجل العظيم سبحانه. أيُّ خلق هو كان عليه الصلاة والسلام؟ أهو خُلُق الرحمة؟ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107))[الأنبياء]. أهو خُلُق السماحة والعفو؟ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199))[الأعراف]. أهو خُلُق الكرم؟ أهو خُلُق التعامل العظيم مع أصحابه ومع أهله ومع أعدائه عليه الصلاة والسلام؟ أهو خُلُق مع حتى البهائم؟ عمّ خُلُقه سائر المخلوقات أرأيتم كيف كان خلقه مع الجذع الذي بكى لما تركه النبي e؟ كيف جاء واحتضنه عليه الصلاة والسلام، جذع! (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) والله إن هذه الآية لكافية في فضل نبينا e كافية في الذبّ عنه في الوقت الذي نرى وللأسف الشديد من نابتة في أرضنا وشرذمة من أبناء جلدتنا افتروا على رسول الله e واجترأوا عليه والله تعالى فوق سبع سماوات يشهد له بالعظمة (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)). ثم إن هذه الآية كافية في أن نهتدي بهديه وأن نكون على خُلُقه ثم إن هذه الآية الكريمة دالة على أن الإسلام دين الأخلاق، إي وربي الإسلام دين الأخلاق. "الدين التعامل" وإن كان في الحديث مقال «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» هذا الإسلام من أعظم كمالاته أنه يكمّل الأخلاق فدلّك ذلك على أن أعظم دين اكتمل بالأخلاق هو الإسلام، أين أهل الإسلام من أخلاقه؟! أيننا نحن في أخلاقنا وتعاملنا؟! يجب أن نجعل هذا المبدأ من أعظم ما نعني به في حياتنا. ولذلك النبي e بيّن حُسن الخُلُق «وإن حسن الخلق ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، «وأقربكم مني منزلاً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» أليس هذا كافياً أن يكون الإنسان سعيه حثيثًا في الاهتداء بهدي النبي e علّه أن يحوز على هذا الفضل والشرف والشهادة التي شهد الله له بها ولأتباعه؟.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل