تفسير سورة القلم - المجلس الثاني والأخير - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة القلم - المجلس الثاني والأخير  -

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿٧﴾)

بعد الآيات الأولى التي نزلت من أول السورة وهي إلى قوله (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)) يتّجه الخطاب في سورة القلم التي هي سورة الأخلاق وتُظهِر أخلاق الإسلام مقارنة بأخلاق الكفر قال الله عز وجل هنا (فَسَتُبْصِرُ) أي يا محمد دينك وعاقبتك وما سيمنحك الله تعالى به من الخير والفضل والتمكين والنصر وسيبصرون (وَيُبْصِرُونَ) هم مآلهم وعاقبتهم ويبصرون أن الإسلام حينما يكمل نوره ويتم هديه وينتشر أمره في الأرض. قال الله تعالى (وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ (6)) أيّكم المفتون حقاً حينما افتروا على النبي e فيُظهِر الله تعالى من هو الذي يتّصف حقاً بتلك الصفات. قال الله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7))، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) وهم أولئك الكافرون ومن تبعهم وهو سبحانه (أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)) لاحظوا وتأملوا قوله (هُوَ أَعْلَمُ) - (وَهُوَ أَعْلَمُ) لم يقل: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وبالمهتدين"، فهو أعلم بحقيقة الضالين حقاً وبحقيقة المهتدين. وفي هذه الآية بيان أن الناس طرفين لا ثالث لهما، ليس هناك وسط وليس هناك مواربة وتقارب، إما ضلال وإما هدى، إما أن تكون في سبيل الإيمان أو سبيل الكفر. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)) لا يمكن للإنسان أن يجمع بين سبيل الله وسبيل الشيطان وسُبُل شياطين الإنس والجن فلذلك هذه الآية تميّز بين أهل الإسلام وأهل الكفر.

قال الله عز وجل (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8)) الله تعالى هنا أمره أن لا يطيعهم فيما يطلبونه من المداهنة والملاينة كما في قوله تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)) ما معنى تُدهِن؟ تُلاين، تُلاينهم. وقاعدة أن الإنسان المسلم لا يُداهن في طاعة الكافرين من أجل أن يبقى معهم في سلام ويبقى معهم في وئام أو الالتقاء مع الآخر كما يسمونه في ظلّ السلام العالمي أو ظلّ حقوق الإنسان، كلا، في أمر العقيدة والدين لا مداهنة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)) حينما جاء المشركون فقالوا للنبي e أرادوا أن يدخلوا عليه من باب يدغدغون عواطفه كما يسمى لعله أن يلين "اُعبد إلهنا سنة ونعبد إلهك سنة" فتريث النبي e حتى يأتيه أمر الله فقال الله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)) صريحاً (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)) تأملوا هذا التكرار والتأكيد (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) العقيدة لا مواربة فيها، لا ملاينة فيها، إصرارٌ تام، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن نلتقي أنا والآخر كما يسمونه والكافر وهو يكفر بالله وأنا أؤمن بالله، كيف اجتمع أنا وإياه؟! نعم، قد أُحسِن التعامل بصفتي كمسلم فيما أمرني الله وأمرني نبيه e(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)[الممتحنة:8] كمثل هؤلاء العَمَلة الذين أتوا للعمل وهم كفار لا مانع من التعامل معهم بالمعروف لعل الله أن يهديهم ونُظهر لكم كمال الإسلام وخُلُقه أما في قضية العقيدة والتوافق والالتقاء والتقارب فلا ثم ألف لا.

قال الله سبحانه وتعالى (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)) هذه الآية نازلة ابتداءً في الوليد بن عتبة وقيل في أبي جهل حينما آذى النبي e وهو من وصف النبي e بالجنون والكهانة والشعر فوصفه الله عز وجل بوصف لم يصفه لأحدٍ من الخَلْق في القرآن في سوئه وتعدد صفات السوء فيه كمثل هذه الصفات عياذاً بالله تتلى إلى يوم القيامة. ما أشنعه! وما أعظمه من فضيحة لهذا الكافر الجاحد المعانِد لله ولرسوله! قال الله تعالى (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)) هذه من صفات الكفار كثرة الحلف في كل شيء ولهذا يدلنا على أن هذه الصفة من صفات الكافرين فينبغي للإنسان أن ينأى عنها، كثرة الحلف. وتأملوا قوله (كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)) مما يدلنا نأخذ منها فائدة وقاعدة أن كثير الحَلِف مَهين لا قيمة له حقيقة حتى ولو كان يحلف أحياناً بالصدق لكن يحلف على تجارته، ويحلف على كذا، ويحلف على كذا، هذا لا قيمة له عند الناس، تنعدم عنه الثقة، قيمته في مهانة، فكيف بالكافر؟! لا شك أنه مَهين بخُلُقه وكفره.

قال الله عز وجل (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)) ليس له شأن إلا أن يسبّ ويذمّ ويهمِز ويلمِز ويغتاب وينقل النميمة بين الناس أيُّ خُلُق هذا؟ أيّ خُلُق أسفل من هذا الخلق أن يكون الإنسان يمشي بين الناس في نميمة وهمز ولمز عياذاً بالله!، كيف إذا كان همزه ولمزه ونميمته عن المؤمنين أو عباد الله الصالحين فلا شك أن حاله أسوء، خُلُقه أقبح.

قال الله عز وجل (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)) منّاع للخير قيل أن الوليد له عشرة أولاد منعهم من أن يدخل أحدهم في الإسلام فقال: من دخل منكم في دين محمد سأقطع رزقه. يعني كأنه يقول لن أصرف عليه، لن أنفق عليه أعوذ بالله من هذا الضلال! يعني هل بعد هذا الضلال من ضلال؟! أن يكون كافراً ثم يمنع الناس من الإيمان ويمنع أبناءه من ذلك؟! (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) فضلاً عن منعه الخير عن الناس ولهذا هذه من أقبح الصفات أن يمنع الإنسان الخير والله إنها لمن أقبح الصفات. إذا رأيت إنساناً يمنع الخير عن الناس، خير العلم والدعوة والإنفاق وغير ذلك فهذه والله صفة سيئة من صفات الكافرين فمن وقع فيها فقد تشبه بصفة من صفات الكافرين فحذار حذار أن نمنع خيراً ولو بشيء من التأويل إلا أن يكون في ذلك مصلحة ظاهرة يراها أهل العلم والعقل الراسخ. قد يكون في منع شيء من الخير لمصلحة أعظم والله تعالى أعلم. قال (مُعْتَدٍ) يعتدي على الناس يسبّ هذا ويشتم هذا ويأخذ مال هذا. (أَثِيمٍ (12)) فهو عمله كله في إثم. (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)) عُتُلّ ذو جبروت وطغيان وكبرياء وسطوة على الناس. (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)) ما معنى (زَنِيمٍ)؟ يعني ابن زنا عياذاً بالله! فضحه الله عز وجل في كتابه أنه ابن زنا. إذ كان العرب في الجاهلية كان يجتمع على المرأة عشرة رجال أو تكون المرأة يأتيها عشر رجال مما تؤتى سفاحاً بعض النساء فيأتيها فلان، وفلان، وفلان، ثم إذا جاءها ولد نسبت هذا الولد لأحدهم هي، هي تنسبه لمن ترى أنه أبوه فيُنسَب إلى ذلك الرجل ثم يكون ابناً له ويُعرَف به. فالله تعالى فضح ذلك الكافر المستكبر المعاند وأنه ابن زنا. قال الله عز في قول الله عز وجل في سورة القلم غاب عن ذهني قوله تعالى (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ﴿١٦﴾) الخرطوم هنا هو الأنف أو الوجه، الأنف كما أشار له بعض المفسرين أو الوجه ليس كما ذكرتُ والله أعلم.

وجل (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)) أعطاه الله عز وجل عشرة من الولد وأغناه فالغنى أحياناً يُطغي (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7))[العلق] كما قال الله عز وجل عن أبي جهل قال الله سبحانه وتعالى (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)) في استخفافه واستهزائه بآيات الله عز وجل يقول هذه أساطير الأولين تُنقل ويتناقلها يأخذها محمد من أخبار الناس. قال الله عز وجل (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)) سنشوّهه كما أراد أن يشوّه سمعة نبي الله e في اتهامه بالجنون أو بالسحر. (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)) تشويهاً وتفظيعاً لخَلْقه وما أعظم أن يكون الإنسان مشوّهاً في وجهه في مثل تلك الصورة! ثم لاحظوا وتأملوا قال (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)) ما قال على الشفاه وإنما قال (الْخُرْطُومِ) كأنك تتصور إنساناً ضخماً قد تدلّى خرطومه وشفته مما لا تكاد تقع عينك عليه إلا وقد اقشعرّ جلدك واستكرهتَ منظره، فالله يصوّر هذا الرجل بصورة شنيعة مما يستحقها.

قال الله تعالى (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)) هؤلاء الكفار المشركون الذين أنعم الله عليهم يهددهم الله ويتوعدهم أن يبلوهم كما يبلو أولئك، لقد ابتلى الله عز وجل الكفار المشركين بالجوع والقحط كما بلى أصحاب الجنة حينما أحرق بستانهم حينما كفروا نعمة الله عز وجل. قال الله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ) أي بالقحط والجوع (كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)) قصة أصحاب الجنة هي أن رجلاً كان من أهل الكتاب مؤمناً فكان يرعى حقّ الله في مزرعته وبستانه فكان يدّخر فيها ثلثها ويطعم أبناءه ثلثها ويتصدّق بالثلث فيأتيه المساكين فيعطيهم فلما توفّي قال أبناؤه إن أبانا لفي ضلال مبين وأقسموا ليصرمنّها مصبحين أي يقطعونها مصبحين قبل أن يأتي المساكين يطلبون حقهم فيها (وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)) ولم يستثنوا فيقولوا إن شاء الله، ومعنى آخر لم يستثنوا شيئاً منها، كلها سيأخذونها ويحرمون منها المساكين. قال الله عز وجل (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ) طائف الريح الذي أحرقها بالنار. (وَهُمْ نَائِمُونَ (19)) أي بالليل (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)) يعني حصاداً ليس فيها شيء. (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)) استيقظوا مصبحين (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ) في الصباح الباكر ائتوا إلى بستانكم (إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22)) أي عازمين على ذلك في أخذ هذه الثمرة وصَرْمِها قبل أن يأتي المساكين. (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)) يُسِرّون. (أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)) عياذاً بالله! (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)) يعني كأنهم ذهبوا وهم يزعمون أنهم قادرون على إنفاذ أمرهم وتخطيطهم. (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)) لعلّنا ضللنا الطريق، إما أن يكون هذا المعنى رأوا بستانهم محترقًا ليس فيه شيء قالوا ليس هذا طريقنا وليس هذا بستاننا فلعلنا ضللنا الطريق ثم تنبّهوا فرأوا أنه هو بستانهم فقالوا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ) وهو أعقلهم والوسط هنا ليس الوسط بين الأولاد في السِنّ وإنما أوسطهم الوسط الخِيار العدول يعني أخيَرهم عقلاً وعدالة كما قال الله عز وجل (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)[البقرة:143] يعني خياراً عدولاً. فقال أعقلهم وقد أقرّ معهم وإن كان قد أنكر في نفسه قبل لكنه لم يُظهِر هذا الإنكار ونأخذ من ذلك درساً أن الإنسان لا يشارك الناس فيما هم فيه من منكر ولو أنكره في قلبه لا يشاركهم بل يعتزلهم، والأولى ثم قبل ذلك أن يُنكر عليهم ويمنعهم لكن هذا الأخ لم يستطع أن يغالبهم ويناصحهم قبل ذلك إذ غلبته نفسه، لكنه رجع لما رأى آية الله في بستانهم. (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)) رجعوا لمّا رأوا آية الله عز وجل عرفوا أن الله قد أخذهم بذنبهم ولا شك أن هذا هو الواجب على الإنسان أن يرجع حينما يرى عقوبة الله عليه في شيء أو أن الله أصابه بمصيبة يرجع إلى الله ويتوب ويصحح أمره ويسأل الله أن يغفر له ولهذا قال (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)) تابوا ورجعوا. في هذه القصة الله عز وجل أراد أن يُظهِر فيها حال أولئك الذين ابتلاهم الله فرجعوا وأنابوا وقالوا (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)) كأن فيها دعوة لهؤلاء الكفار أن يرجعوا بعد أن أصابهم الله بالقحط والجوع أن يرجعوا ليذيقهم الله النعمة وأن يزيد عليهم من فضله وإنعامه. قال الله سبحانه وتعالى (كَذَلِكَ الْعَذَابُ) ما معنى (كَذَلِكَ الْعَذَابُ)؟ أي كذلك عذابنا للكافرين أو لكم أيها المشركون إن أصررتم على الكفر (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)) فهو تهديدٌ لهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

ثم انتقل السياق في الحديث عن المؤمنين المتقين ولاحظوا وتأملوا كيف عبّر بلفظ "التقوى" فقال الله (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) اتقوا عذاب الله باجتناب نواهيه، فِعل الأوامر، وحذروا من عصيانه وكفر نعمته فليسوا كأولئك (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)). وفي هذه الآية سبب نزول لما نزلت هذه الآية كان المشركون حوله أو قريب منه قالوا: إن كان لهم نعيم عند الله فنعيمنا أكثر وأعظم عند الله، يعني يزعمون أنهم عند الله أقرب وأقرب إلى الله وأحظى، إنّ لهم حظاً عند الله أكثر من أولئك كما يزعم الضعفاء المساكين. فقال الله عز وجل (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)) أفنجعل في الجزاء عندنا المسلمين كالمجرمين؟! عبّر هنا بالإجرام لما فعلوه ومن ذلك ذمّهم وسبّهم واستهزائهم واتهامهم للنبي e بالجنون وبما أوتي به من الآيات بأساطير الأولين أو بالشعر أو نحو ذلك. قال الله عز وجل (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)) كيف نجعل من أسلم وآمن كمن كفر؟! (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37)) يعني هل عندكم كتاب من عند الله عز وجل تتعلمون منه ما لكم عند الله تعالى؟. (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) هل لكم أيمان بالغة عندنا وعد ووعيدة إلى يوم القيامة؟ (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)) أيّهم يزعم ذلك؟ من الذي يزعم منهم ذلك؟ من هو صاحب الشأن فيهم؟ قال الله (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ) من تلك الأصنام، (فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ) يوم القيامة (إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)). يأتوا بشركائهم ليدافعوا عنهم، ليناصروهم، ليجازوهم. قال الله تعالى في إظهار صورة من صور حرمانهم وصورة من صور العذاب وصورة من صور الحسرة التي سيلاقونها يوم القيامة. قال الله (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) هو ساق الله يأتي ربنا سبحانه وتعالى يوم الحشر فيكشف عن ساقه ويُدعى للسجود فلا يسجد إلا المؤمنون ويستعصي عن السجود ولا يستطيع السجود الكافرون والمنافقون. قال الله (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)) تتصلّب ظهورهم عياذاً بالله فلا يستطيعون، لماذا؟ لأنهم لم يسجدوا لله عز وجل في الدنيا، فيا لحسرة من ترك السجود لله عز وجل في الدنيا! يا لندامة من أعرض عن السجود لله في بيوت الله! يا ويله من ذلك اليوم الذي سيقف سيكون حاله مع أولئك الكافرين والمنافقين فيدعى للسجود فلا يسجد! يا حسرة ويا أعظم حسرة على الإنسان التارك للصلاة، التارك للسجود لله تعالى حين يقف ذلك الموقف فيُدعى فلا يستطيع! إنها والله آية موعظة لكل إنسان تارك للصلاة تارك للسجود يحذّر بها وينأى أن يكون من أهلها وأن يكون في صفّ المنافقين والكافرين. قال الله عز وجل (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) حُقّ لهم أن يكونوا خاشعة أبصارهم يوم أن يروا المؤمنين يسجدون لله عز وجل وهذه علامة نجاتهم وعلامة رضى الله عنهم وإذا بأولئك الكافرين (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) تصيبهم يعني هي ذلّة حسّية ومعنوية، أبصارهم خاشعة متدنية من الحسرة والندامة، تصوروا ولله المثل الأعلى فيما يعرضه لنا لو أن إنسانًا أتيت به فحرمته من جائزة عظيمة كيف سيكون؟ سيطأطئ رأسه حسيراً نادماً متحسّراً مما وقع فيه من خطأ أو قصور، ذلك هو اليوم الذي سيكون حال الكافرين يوم القيامة (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) ليست خاشعة خشوع تعظيم وتذلل لله وإنما حسرة وندامة على ما كانوا عليه في ذلك اليوم ولهذا قال (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) إرهاق أصابتهم ذلّة ترهقهم إرهاقاً عظيماً، عذاب معنوي فكيف بالعذاب الحسي؟!. قال الله (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)) نعم، قد كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود للصلاة، اسجدوا واركعوا مع الراكعين لكنهم يأبون عياذاً بالله فلما حرموا أنفسهم من السجود لله حرمهم الله من السجود له يوم القيامة.

قال الله عز وجل لنبيه وهو يؤنسه ويسلّيه فيما يلقاه من أولئك الكافرين من الاستهزاء والسخرية والاتهام قال الله (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)). (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) فلسنا مستعجلين في عذابهم، لا تستعجل في عذابهم فإن لهم يوماً عند الله قريب. قال الله (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)) كيف يستدرجهم الله؟ بأن يملي لهم ويمهلهم ويزيدهم قدرة فيما هم فيه وإنعاماً وإمهالاً تزيدهم عذاباً وشقاءً في الآخرة. وهذه سُنّة من سنن الله عز وجل للكافرين إمهال الكافرين كما قال الله عز وجل في سورة الطارق (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)) وإن هذه الصورة من صور الإمهال هي ما نراه اليوم والله نراها رأي العين فيما نشاهده في إمهال الله عز وجل لطغاة الكفر والإجرام في سوريا وغيرها. لا نحسب أن ما يجري في سوريا وما يجري من تمكّن أعداء الله عز وجل من النصارى واليهود وطال ليلهم وظلمهم وعدوانهم أن ذلك بغفلة عن الله وإنما هو والله استدراج وسيأتيهم يوم بإذن الله قريب يحصدهم بقدرته سبحانه وتعالى وجنوده، ونسأل الله عز وجل أن يقر أعيننا ويرينا بأسه الشديد فيهم. لكننا نؤمن بقدرة الله ونؤمن بكمال الله ونؤمن برحمة الله ولطفه بالمؤمنين ونؤمن أيضاً بسُنّته سبحانه وتعالى في الكافرين وحكمته البالغة ولهذا من حكمته (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)) عياذاً بالله! أُملي لهم يعني أُرجئهم وأُملي لهم في الوقت ليزداد كيدي لهم وعذابي لهم الشديد (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)). ولهذا والله إن عاقبة هذا المجرم الظالم لهي ستكون أشد عذاباً وانتقاماً من الله ممن سبقه من الطغاة، سنرى يوماً أسوداً عليه وعلى جنوده وأعوانه بإذن الله تعالى وما ذلك على الله بعزيز.

قال الله تعالى (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46)) يعني أم تسألهم شيئاً؟ أنت لا تسألهم شيئاً على هذا الدين فكيف لو سألتهم شيئاً؟! فهم من مَغرَم وغَرمٍ ودين مثقلون يعني لن يتحملون شيئاً ليسوا على استعداد إذا كانوا ليسوا على استعداد للإيمان والإسلام والاستجابة والقبول من غير شيء، كيف لو طلبتهم بذلك؟! فإنهم (مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46)) سيزعمون أنهم مدينون وسيزعمون أنهم غير قادرين ونحو ذلك. فالإنسان الذي يُدعى إلى الخير وإلى الأجر ثم يتناءى وينصرف عن ذلك بغية الانصراف عن الخير فهو والله قد اتصف بمثل هذه الصفة.

قال الله عز وجل (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)) يعني أم عندهم غيب الله يتصرفون ويعرفون مآلهم وعاقبتهم؟ (فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) كأن الآية فيها ملحظ أن النبي e أراد أن يستعجل عذابه فيهم. وقيل أن هذه الآية نازلة في أهل الطائف حينما آذوا نبيه وكذّبوه وطاردوه ورموه بالحجارة فدعا عليهم، فكأن الله قال له (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) وهو يونس عليه السلام الذي لما رأى إصرار قومه دعا عليهم وتركهم وولّى عنهم وخرج. قال الله (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)) أي مكظوم عليهم مكظوم على قومه غيظاً وغضباً ونادى ربه أن ينتقم منهم وأن يعجّل عذابه فيهم. قال الله (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49)) فالله تعالى يُظهِر لنبيه صورة من صور أنبيائه الذين استعجلوا عذابه في قومهم ثم خرج وتركهم لكن الله عز وجل تداركه بنعمته حينما رجع وأناب وآمن قومه به وكأن في هذه الآية إشارة للنبي e بأن قومه سيؤمنون فلا يستعجل لهم ولهذا كان ذلك يوم الفتح إذ دخل الناس في دين الله أفواجًا ومنهم قريش فلم يبقَ منهم أحدٌ أظهر كُفره.

قال الله سبحانه وتعالى (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)) في هذا وعدٌ من الله لنبيه ولمن حمل لواء هذا الدين أن الله يجتبيه ويعينه ويسدده ويؤيّده. (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)) أي يصلُح أمره ويصلُح حاله ومآله. (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ) من حَنَقِهم وحَسَدِهم وغضبهم يزلقونك بأبصارهم أي يعينونك بأبصارهم حسداً منهم بما أوتيته من الفضل والنعمة والخير من ربك وإنما اتهموك بالجنون وغيره حسداً منهم. (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)) لاحظوا أن الله ختم السورة في مقابل ما افتتحها به فقال (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)) ثم قال في آخرها (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)) مما يؤكد أن السورة نازلة في تأييد الله لنبيه وتأنيسه له في مقابل ما اتهمه به المشركون من أنه أصابه جنون.

 

ثم قال الله في آية عظيمة ختم الله تعالى فيها السورة فقال (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) لِمَن؟ (لِلْعَالَمِينَ (52)) ما أجمل هذا الختام الذي يبعث في نفس النبي e الأمل العظيم والفأل والنظرة البعيدة! فيقول الله عز وجل إن كان هؤلاء أشركوا وكفروا بهذا الذكر حينما سمعوا الذكر فإنه سيكون ذكرٌ للعالمين إلى قيام الساعة. (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) الله عزّ وجل يعد نبيه في هذه الآية أن هذا الذكر "القرآن الكريم" سيكون ذكرًا للعالمين ووعد بأن ينتشر دينه ويمكن له في الأرض إلى قيام الساعة وهو ما نراه ولله الحمد في وقتنا الحاضر أن دين نبيه e. وهذا الذكر العظيم قد نشره الله في الأرض كما أخبر النبي e «ليبلغنّ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار». ما أعظم هذه الآية لنا ونحن ربما نرى من اليأس ونرى من تمكّن أعداء الله عز وجل ونرى من اعتدائهم على المسلمين واستهزائهم بدين الله وسخريتهم بأولياء الله أن نتفاءل ونرى أن الله عز وجل سينتقم منهم وأنه سيمكِّن لدينه. والله إن هذه الآية لنحن بحاجة إليها في هذا الوقت ونحن نرى ما نرى من الكيد من أعداء الله عز وجل فنؤمن ونتفاءل ونأمل بالله ونظنّ بالله ظنّاً حسناً أنه سيمكّن دينه وسينصر عباده. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل