تفسير سورة الملك - المجلس الثاني والأخير - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الملك - المجلس الثاني والأخير -

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾)

يقول الله سبحانه وتعالى في تمام الحديث عن آياته وبراهين مُلكه تأملوا ونحن نقرأ في هذه السورة العظيمة سورة الملك مُلك الله ودلائله وآياته وبراهينه هنا يبيّن الله لهم قدرته على عذابهم، قدرته على أن يجعل هذه السماء التي هي منّة الله لهم زيّنها بتلك النجوم المصابيح وهيأها أحسن تهيئة والأرض كيف أن يجعل عذابهم منها قال الله (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وهو الله عز وجل بقدرته وبملكه وبعظمته سبحانه وتعالى وجلاله وجماله وكماله. (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) هذه الأرض التي أودعها الله لكم وهيأها وجعل رزقكم فيها أأمنتم من في السماء أن يخسفها بكم؟ فهو القادر سبحانه وتعالى أن يجعل الشيء وضده كما ذكر الله في أول السورة وهو القادر على أن يجعل الشيء لحكمة ولضدها فهو سبحانه وتعالى هنا يرهبهم ويتوعدهم أولئك الكافرين الجاحدين لنعم الله الزاعمين بعض التصرف لآلهتهم فالله تعالى يخوّفهم فيقول (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16)) تتحرك وتموج. ثم يقول الله (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)) تخويف من الله عز وجل، هذه النجوم قد يجعل الله عز وجل منها حاصباً يحصبهم أو حاصباً من الحجارة يحصبهم بها. (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)) هنا توعدٌ من الله لهم توعدٌ قريبٌ منهم (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)) ينذرهم الله بقرب وعيده لهم حال كفرهم وإصرارهم. ثم يذكِّرهم الله بالسابقين المكذِّبين فقال (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18)) كيف كان إنكاري لهم، كما أنكروا نعمتي وأنكروا آياتي فكيف كان نكيري لهم بالعذاب الشديد والوعيد الأكيد.

قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في استعراض آياته وهو حال الطير. السؤال البديع هنا يحتاج لتأمل: ما سرّ ذكر خلق الطير في دلائل قدرته وكماله وملكه دون غيرها من المخلوقات؟ فهناك من مخلوقات البر والبحر والسماء والأرض ما هو أعظم من الطير، فلماذا ذكر الطير هنا؟

(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) أو تشير إلى الحديث «لو أنكم تتوكلون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير» قد يكون ذلك لكن هناك ما هو أدلّ. يراها الناس جميعاً. جيد وغيرها؟ دلائل قدرة الله في دقة طيرانها، ما ذكرتم لعله يدخل في هذا. من أسرار ذكر الطير أنه مخلوق بين السماء والأرض فكما أظهر الله قدرته في خلق السماء ثم أظهر قدرته وكمال خلقه في الأرض أظهر سبحانه وتعالى قدرته فيما بينهما مما يشاهدونه والله تعالى أعلم. ثم أيضاً دلائل قدرة الله في دقائق تلك الطير وطيرانها ولاحظوا وتأملوا أنه قال (أَوَلَمْ يَرَوْا) وهم يشاهدون تلك الطيور التي ربما يغفلون عن دقة إحكام الله في خلقها وإبداعه سبحانه وتعالى. قال (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) كيف تطير وهي صافات أي مصطفة أو يدخل في ذلك طيرانها على حالة واحدة. إنك والله لتعجب ويظهر إبداع هذا المخلوق خلق الله فيه حينما يطير وهو باسطٌ أجنحته لا يتحرك، يعني يسير ويطير مسافة وهو ثابتٌ في عرْض أجنحته إنك ترى عجباً قدرة الله فيه كيف يطير وهو ثابت؟!. ثم أيضاً لاحظ أنه قال (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) يعني أظهر الله عز وجل قدرته أو إظهار قدرته في كونه يطير بلا حركة وكونه أيضاً يتحرك فوق وأعلى ويمين ويسار. ثم أيضاً من دلائل إظهار قدرة الله في هذا الطير أنك أنت أيها الانسان الذي أنت أعظم قدرةً من هذا الطير في خلق الله عز وجل كيف لا تطير أنت؟ كيف استطاع هذا المخلوق الضعيف أن يطير فوقك؟ لو كان لك قدرة وتصرف وملك أو لِمَا تدعوه من دون الله -وهذا خطاب للكافرين- لكن له قدرة على التصرف هذا الطائر ما استطاع أن يتعلم الطير ويفقه هذا الطير ودقائق الطيران التي يُجمِع العالم الآن أنها من دقائق العلم طيران وفنه وأسراره شيء عجيب إلا أن وراء ذلك معلِّم وخالق سبحانه وتعالى ومُبدِع أودع في هذا الطير قدرة وعلم لا يعلمها الإنسان مع أن هذا الإنسان الذي في قدرته وتصرفه أكثر من الطير إلا أنه عاجز عن أن يتصرف مثل ذلك الطير، أفلا يعي الإنسان ضعفه؟ أفلا يعي الإنسان أن هذا المخلوق الطائر دالٌ على قدرة الله الذي أنفذ في هذا الطير قدرة وعلماً بالطيران؟ هذا من دلائل وإبداع إيراد هذه الآية في دلائل كمال قدرة الله وملكه سبحانه وتعالى.

قال الله (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) تصوروا وتأملوا أن الله تعالى ربط إمساكه بالرحمة، (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) يعني من الذي يمسك هذا الطير لا يسقط إلا رحمة الله التي أودعت في هذا الطير هذه القدرة. وإذا كان هو القادر على إمساك هذا الطير أن تقع فهو القادر على أحوالكم وتصرفكم وهو القادر عليكم. انظروا دلائل إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى فيما يشاهدونه لعلهم يعوون. قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)) فإذا كان يبصر كل شيء سبحانه وتعالى فهو قادر على كل شيء. تأملوا هذا من دلائل الكمال، العلم، القدرة، الخلق، البصر (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)) ما أعظم ما بنيت عليه السورة من دلائل حقاً المُلك الذي كَمُل من جميع الوجوه له سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى إنكاراً عليهم وتحدياً لهم (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) من الأصنام وغيرها ممن يستنصرون بها (يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ) أين هؤلاء؟ هل لكم من دون الله أحد ينصركم من دون الله من الأصنام وغيرها؟ قال الله عز وجل (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20)) مغترون بما هم فيه، مغترون بأصنامهم يحسبون أنهم على شيء وليسوا بشيء (إِنِ الْكَافِرُونَ) ولاحظ إيراد لفظ لم يقل "إنهم في غرور"، قال (إِنِ الْكَافِرُونَ) كفرهم أودى بهم وآل بهم إلى الغرور والاغترار بما هم عليه يظنون أنهم على شيء. في هذه الآية والله إن فيها لدلائل أن كل قوة من دون الله ليست بشيء، وهذه القوة التي يستعصم بها الكافرون ويستقوي بها اليهود والنصارى على المسلمين وعلى أهل الأرض والله ليست بشيء عند قدرة الله ونفوذه وإرادته. (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) من جنود وعتاد وعُدّة وقدرة تظنون أنكم نافذون فيها (يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ) والله إنه لمن عظيم إيماننا وتوكلنا على ربنا ويقيننا به أن نستصغر تلك القوة لكننا نحتاج إلى عظمة إيمان ويقين وتوكل وسعي إلى نصرة الله ودينه.

قال الله عز وجل إنكاراً عليهم مرة أخرى (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) هذا الذي يرزقكم من دون الله لو أمسك رزقه (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20)) من الذي يرزقكم؟ هل في الكون أحد يرزقكم إلا الله عز وجل؟ لو أمسك رزقه ذلك الذي تزعمون أنه سبيل لرزقكم أو مالكم أو مصدر رزقكم من يرزقكم إلا الله عز وجل؟ (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22))[الذاريات]. (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)) من لجاج وشقاق ومجادلة في عتو واستكبار ونفور لا يقرّون بذلك ولا يؤمنون تمام الإيمان الذي أمرهم الله عز وجل.

قال الله سبحانه وتعالى (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ) بعد هذا البيان وهذا الاستعراض التام والله إنه لعرض عظيم بديع في آيات الله وقدرته وكمال نفوذه وتصرّفه وعلمه وبصره، أين من يسمع ويعقل ويعي ويرى؟ فلذلك قال الله بعد ذلك (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ) هؤلاء الذين أنكروا وكفروا هم والله قد أكبّوا على وجوههم لا يرون آيات الله حقاً ولو كانوا يرونها لآمنوا ولأيقنوا ولعرفوا ربهم سبحانه وتعالى. (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ) منكِّساً رأسه لا يرى ما أمامه، ما ظنّكم كيف سيكون طريقه؟ سيهوي في حفرات وفي سحيق لا يدري ما نهايته لا يرى ما أمامه (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ). تأملوا إنسانًا يمشي وهو مكب أين سيمضي؟ لا يدري. أولاً لا يدري أين يذهب هذا أولاً وهذا حال أولئك لا يدرون أين يذهبون والأمر الثاني أنه بإكبابهم وجوههم لا يدرون ماذا يعترضهم من هويّات أو مصاعب أو جدران أو غير ذلك فتصوير الله عز وجل لحالهم تصوير بليغ وكل إنسان غفل يمشي كأنه مكبٌ على الأرض مكباً وجهه على الأرض لا يدري أين يذهب يدلك هذا على حال نفسية يعيشونها أولئك المعرضون وهو الحيرة والحسرة والألم يتوقعون ما يحدث لهم من مخاطر أو عقبات أو نحو ذلك (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)[طه:124]. قال الله عز وجل في حال المؤمنين قال (أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22))، (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)) سوياً مستقيماً مستوياً قامته معتدلة وجهه أمامه يرى ما أمامه ثم ليس هو يمنة ويسرة (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)) ما أجمل وأعظم هذا الوصف البليغ! (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)) من هم أولئك؟ هم المؤمنون بالله الذين يرون آيات الله ويشاهدون ويقرأون ويزيدهم بذلك بصيرة وهدى واستقامة على طريق الله.

قال الله تعالى (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ) أعاد على بيان قدرته (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23)) قليلًا ما يشكر الإنسان نعمة السمع، نعمة البصر، نعمة القلب بما فيه من إيمان وبما فيه من إدراك وحس وعقل وما في سمعه من ما يسمعه من الأصوات ويدركه من أصوات البشر وغيرها وما يراه في عينه، أكثر الناس لا يشكرون نعمة الله عز وجل ولذلك يصرفونها في معصية الله عز جل. الذي يصرف نظره وسمعه وقلبه وهواه إلى غير الله والله إن ذلك لكافرٌ بنعمة الله. قال الله تعالى (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23)) ثم قال الله (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ) أي بدأكم وأنشأكم (فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) أنتم منه وإليه فأين تذهبون؟! هذه الآية كافية حقيقة في إقناع كل من يعيش حيرة في الحياة، الحيرة والشك والشبهات التي يعيش بها العالم كلها دائرة في قضيتين اثنتين من أين أتينا؟ وإلى أين نذهب؟ هذه الآية العظيمة تدلّهم وتُجيبهم (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)).

قال الله عنهم عياذاً بالله في إصرارهم بعد هذا العرض وهذا البيان التام إصرارهم وعنادهم قال الله عنهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)) أعوذ بالله! يعني يستعجلون وعد الله الذي وعدهم بالعذاب. (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) الله عز وجل أخفى على عباده العلم بالعذاب والساعة، لماذا؟ ما سرّ إخفاء الساعة عن الخلق وإخفاء أمرهم الغائب عنهم في الغد؟ (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)[لقمان:34] حتى يستعدون لذلك والأمر الآخر وقبل ذلك هو من دلائل كمال قدرة الله ونفوذه وتصرفه في ملكه. علم الله للغيب كمال قدرة الله، كمال ملكه سبحانه وتعالى هذا من دلائل الملك التام أنه يعلم ماذا سيكون؟ وماذا سيفعل؟ أرأيتم كيف كان شأن إبراهيم مع النمرود ماذا قال؟ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) هنا في التصرّف لاحظوا هنا في التصرّف، فماذا قال إبراهيم؟ (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) أظهر تصرفه بحيلة من عنده أنه جاء بسجينين فقتل واحدًا وترك الآخر، ماذا قال إبراهيم؟ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)) [البقرة] فكمال التصرّف وكمال العلم هو من كمال الملك. قال الله عز وجل (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) هذا يبيّن الله تعالى يصوّر حالهم في الآخرة فهو تصوير بليغ عظيم كأنهم قد وقع عليهم العذاب (وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)). ثم قال الله عن نبيه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا) إذا كنتم تسعون لهلاكنا والقضاء علينا وقد ضاقت بكم الدنيا علينا ولا تريدوننا (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)) هل ستَسلمون إن أهلكنا الله؟ هل سيجيركم ذلك من عذاب الله؟ لا والله، بل سيزيدكم عذاباً وسيعجّل بعذابكم. (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)) في هذه الآية فيها قوّة توكل على الله وعدم رضوخ للكافر مهما كان (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)) قوة في البيان والحُجّة وثباتٌ على المبدأ. (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) لاحظوا أنه أعيد لفظ الرحمن هنا مرة بعد مرة، فيها استجلاب تلك الرحمة من عباد الله المؤمنين (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) فما دام سبحانه وتعالى هو الرحمن فنحن مؤمنون به متوكِّلون عليه هو النافع الضارّ هو المتصرف بشؤوننا سبحانه وتعالى وذلك كله من دلائل ملكه سبحانه وتعالى. (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29)) ستعلمون اليوم بما يؤتيكم الله من عذاب عاجل في الدنيا وستعلمون غداً في الآخرة.

 

ثم ختم الله تعالى بآية تُبَصِّرهم بقدرته وتُريهم عجزهم (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) قد غار في الأرض (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)). هذا مشهد من مشاهد قدرته الدالّ على كمال مُلكه ويعرض لهم ذلك لأن السرّ في إيراد قضية الماء هنا لأنها أصل الحياة قال الله عز وجل (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)[الأنبياء:30] فلما كان الماء هو أصل حياتهم بيّن الله قدرته على أنه هو صاحب التصرف في الماء الذي فيه حياتهم. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) قد غار في الأرض وذهب (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)). وقد ورد في ختام هذه السورة يقول "يأتي به الله وهو على كل شيء قدير". وورد أن أعرابياً لما سمع هذه الآية وهو كافر قال: تأتي به المعاويل، فجفف الله ماء عينيه فلم يستطع أن يرمش بها. دالٌ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى على البشر وتحذيرٌ لمن أنكر آيات الله سبحانه وتعالى أو جحد عاند. هذه السورة ما أعظم أن نتذكر بها ونتدبرها ونقرأها كل يوم لتوثق في نفوسنا معرفة ربنا وتُظهِر لنا كمال قدرته وملكه. وأقول لا بد لنا في حياتنا أن نقرأ في آيات الله عز وجل خاصة ما يقوي إيماننا بالله عز وجل ويقوي تعظيماً لله سبحانه وتعالى ويقوي معرفتنا له سبحانه وتعالى في كامل قدرته ومُلكه ورحمته ذلك يزيدنا ثباتاً وقوة في إيماننا وخشيتنا له سبحانه وتعالى وطاعتنا له.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل