تفسير سورة الملك - المجلس الأول - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

سورة الملك - المجلس الأول

د. محمد بن عبد الله الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

 (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴿٣﴾ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿٤﴾)

سورة عظيمة من الجزء التاسع والعشرين وهي مفتتح الجزء سورة تبارك أو سورة الملك تسمى بسورة الملك لأمرين:

·       الأمر الأول لورود قوله عز وجل (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)

·       ولكونها تدور حول أمر ملك الله عز وجل وقدرته

ولهذا فإننا نلحظ أن هذه السورة التي بُنيت على إثبات المُلك والقدرة لله تعالى والتصرف التام رداً وإبطالاً لزعم المشركين أن لأصنامهم تصرفاً وقدرةً فأثبت الله عز وجل القدرة والملك كله له وحده لا شريك له. ففي هذا السورة جاء فيها بيان عظيم لدلائل المُلك، بيان مستفيض لأدلّة المُلك واستفاض فيها ذكر أسماء الله عز وجل وأوصافه وأفعاله الدالة على الملك ولهذا تلحظون بارك الله فيكم أنه تكرر فيها أسماء الله كثيرًا هذه السورة، تكررت فيها أسماء الله كثيرًا والصفات والأفعال الدالة على مُلك الله عز وجل حتى نعلم أن هذه السورة عظيمة ويدلنا على عظمتها أن النبي e بيّن فضلها وقال: «سورة ثلاثون آية» وهي من السور التي بيّن الله عز وجل عدد آياتها وحدّدها قال: «سورة ثلاثون آية ما زالت بصاحبها حتى غُفِر له» وفي رواية أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال لرجل: ألا أحدثك حديثًا تفرح به؟ قال: بلى، قال: عليك بسورة تبارك وأوصي بها أهلك وأولادك فإنها تُحاجّ وتُجادل عن صاحبها يوم القيامة وهي المُنجية من عذاب القبر. وفي رواية: من عذاب النار. فورد في فضائلها أنها منجية من عذاب القبر وورد في فضائلها أنها تحاجّ عن صاحبها يوم القيامة فما أعظم هذه السورة وما أعظم ما يحرص المسلم على قراءتها بهذا المعنى العظيم، معنى اثبات الملك كله لله عز وجل والتصرف والقدرة التامة له سبحانه وتعالى.

هذه السورة افتُتحت بفاتحة عظيمة تدل على مضمونها فقال الله عز وجل (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) فاستفتاحها بهذا اللفظ العظيم (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) يبعث في نفس قارئها تعظيماً وإجلالاً وتوقيراً لله سبحانه وتعالى الذي بيده سبحانه وحده الملك فقال (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ). وقال (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ولم يقل "الملك بيده" للدلالة على أن الملك كله بيده سبحانه وتعالى. تقديم الجار والمجرور هنا للدلالة على الحصر وهذا كما يؤكده قول الله عز وجل في سورة الفاتحة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ويظهر كمال ملك الله عز وجل وتجرّد جميع المخلوقين من الإنس والجن وغيرهم من الملك في ذلك اليوم العظيم يوم القيامة حين يقول الله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فيجيب (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16))[غافر]. فالملك من أعظم صفات الله المَلِك ولهذا ضمنت سورة الفاتحة التي جمعت أربع أوصاف هنّ أصول الأسماء والصفات: الألوهية والربوبية والرحمة والملك. فالمُلْك يجمع صفات الجلال من القدرة والسلطان والعزة والتصرف والكبرياء كل صفات العَظَمة داخلة في صفة الملك. قال الله تعالى (بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) إذ أن الملك التام يستلزم القدرة التامة ومن ليس له قدرة تامة فليس له ملك تام فهذا دليل من دلائل مُلك الله عز وجل قدرته على كل شيء ولهذا أثبت الله تعالى قدرته على أعظم ما يكون في حال التحوّل في الخلق وهو خلق الموت والإحياء، فالذي هو قادر على الإحياء والإماتة هو القادر على كل شيء وهو الذي بيده كل شيء، فلهذا قال (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ). وقدّم الموت هنا على الحياة لأمرين:

·       الأمر الأول: أن الإنسان قبل خلقه فهو ميت.

·       الأمر الثاني: أن قدرة الله على موت الإنسان دليل على قهره وقطع تصرفه فهو أدلّ في القهر، الموت أدلّ في القهر وأدلّ في الملك والتصرف لا شك أن الإحياء وهو أقوى في الدلالة على القدرة لكن الأدلّ على القهر والمُلك الموت الذي به يقطع الله تعالى قدرة الإنسان مهما كان قدرته وتصرفه ملكه.

·       الأمر الثاني في تقديم الموت هنا: أنه أبعث على المهابة والهيبة وأبعث على استحضار اليوم الآخر الذي بعد ذلك الموت واستحضار ذلك اليوم ظاهر مقصود في السورة والله أعلم.

قال الله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ) فالحكمة من خلق الموت والحياة هي العمل والابتلاء ولم يقل "لتعملوا" "خلق الموت والحياة لتعملوا" لأن الله عز وجل جعل هذه الحياة الدنيا التي هي موضع الحياة والموت هي موضع ابتلاء الإنسان بين الخير والشر والمعصية والطاعة والصبر وعدم الصبر والشكر والكفر فهو ابتلاء للإنسان. قال الله (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وهذا يبين لنا أن أعظم ما يبعث الإنسان على حسن عمله والاجتهاد في عمله وإتقان عمله هو تذكّر الحكمة التي أصل خلقه ومآله أنه خلقه الله وأن الله عز وجل سيميته استحضار اليوم الآخر واستحضار الموت هو أعظم ما يعين الإنسان على إحسان عمله إذا علمت حقاً واستحضرت أنك ميت وأنك بعد الموت محاسَب فلا شك أن ذلك يستنهض في نفسك قلبك الهمّة للاستعداد للعمل ولهذا هنا قدم الموت. فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ) ولم يقل "ليبلوكم أيّكم حسن العمل" ولهذا ينبغي على الإنسان أن يحرص أن يكون عمله كله حسناً «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه» فحريٌ بالإنسان وهو يقرأ هذه الآية أن يكون من أهلها الذي أحسن عملًا (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). قال الله سبحانه وتعالى (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)) قدّم العزة هنا للدلالة على القوة للدلالة على الملك لاحظوا وتأملوا أن السورة كلها راجعة إلى قضية المُلك مُلك الله فقدّم العزة هنا على المغفرة وهي في الأصل خطاب للكافرين الذين زعموا أن لأصنامهم وآلهتهم تصرّفاً من دون الله عز وجل.

قال الله سبحانه وتعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) هنا افتتح الله سبحانه وتعالى بعد قوله (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) الدالّ على ملكه أظهر الدليل الظاهر في الكون على مُلكه هنا في الآيات الله عز وجل يعرض ويستعرض لنا آيات ملكه في الكون ولذلك لاحظوا أنه في الآيات التي في السورة فيها إظهار دقائق خَلْق الله وصنعه الدالة على كمال قدرته وملكه. قال الله (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) ما قال خلق السماوات قال (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) فعدّدها للدلالة على كمال القدرة والمُلك. (طِبَاقًا) أي متماثلة متلائمة لا تفاوت فيها ولا اختلاف، فهي متماسكة إذ لو كان فيها اضطراب كيف سيكون حال الخلق؟ لا شك أن حالهم سيكون في اضطراب. فمن حكمة الله عز وجل وكمال ملكه وكمال قدرته أن الله تعالى هيّأ لهم الكون كله وأحكمه من أجل أن تستقرّ حياتهم وسخّر لهم تلك الكائنات والمكوّنات وأقرّها وأتقن صنعها سبحانه وتعالى وكل ذلك راجعٌ إلى إتقان أمره سبحانه وتعالى وشرعه وخلقه وما أمرهم الله تعالى به. قال (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) من اختلاف ولا تناقض ولا نقص. (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) سبحانه وتعالى انظروا وتأملوا كيف أن الله لفت أنظارنا إلى أن هذا المُلك بكماله وعظمته لا ترى فيه اختلاف ولا تناقض ولا خلل من كمال ملكه سبحانه وتعالى وكمال قدرته. وتأملوا كيف ربط الخلق هنا بالرحمن ما قال "ما ترى في خلق الله"، قال (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) ما الحكمة؟ ما السرّ في إيراد الرحمن هنا؟ والله إنه لسرٌّ عظيم. والعجيب أن السورة بُنيت أيضاً كُرِّر فيها لفظ الرحمن أربع مرات أو خمس ما علاقة الرحمن بالمُلك؟ المُلك فيه قوة، قدرة، تصرف، جلال، فما علاقة صفة الرحمن بالملك؟

المعنى الأول أنه مَلِكٌ رحيم سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى المخلوق إذا ملك وكان ملكه في قوة ونفوذ كانت سطوته على العباد أقوى وأكثر وظلمه وتجاوزه وطغيانه أكثر (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ)[الشورى:27] لو مكّن الله على عباده مُلِكاً لبطش بهم لكن ملك الملوك سبحانه وتعالى مع كمال ملكه إلا أنه تام الرحمة سبحانه وتعالى، أرأيتم كمال ملك الله أين ظهر؟ كمال ملك الله يظهر في رحمته إذ أنه سبحانه وتعالى من كمال ملكه سخر السماوات وأتقنها وأعظم صنعها لصالح البشر. من كمال ملكه أن أتقن خلقه لصالحهم لمعاشهم وليقيموا أمره على الوجه الذي أمرهم الله عز وجل به فهذا معنى قول الله عز وجل (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ).

ثم قال الله (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)) ارجع البصر مرة ثم مرة ومرات لترى خللاً، نقصاً، قصوراً (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)) يعني نقص وخلل لن تجد ذلك. (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) لن تجد إلا كمالاً في إتقانه. بل إن من عظمة خلق الله أنك كلما تأملت وتدبرت ونظرت وتفكرت في خلق الله وجدت زيادة في العظمة وإتماماً في الخَلْق وحُسْنَه. لو أنك تأملت السماوات فستجد في كل لحظة من لحظاتك وأنت تتأمل كمالاً وجمالاً وبهاءً وعظمةً في خلقه سبحانه وتعالى ولذلك قال (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)) خاسئ مبتعد مُبعد كما يقال اخسأ ابتعد فليس لك أن تعدو قدرك. فلن يجد الإنسان المخلوق الضعيف في خلق الله عز وجل من فطور ولن يجد العالم بما أوتوه من قوة ونفوذ وما ملّكهم الله عز وجل من قدرة على الاطلاع على أفلاك الكون ومجرّاته ودقائق من خلق الله والله ثم والله ما وجدوا إلا إتقاناً وكمالاً وعظمة مما بعث بعضهم إلى الإيمان والإقرار بالله عز وجل.

قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) تأملوا وتفكروا وأمعنوا النظر في أن الله عز وجل يزيد في إيضاح كمال ملكه في سماواته. هذه السماوات المتماثلة المتكاملة يبيّن الله عز وجل من كمال ملكه تزيينه ولله عز وجل المثل الأعلى لو رأيتم صرحاً كهذا الصرح بناء لكن البناء لن يتم جماله وبهاؤه ورونقه إلا بهذه الزينة التي وضعت فيه أليس كذلك؟ لأن الإنسان لا يرى ما في باطن الأرض من قوة وحديد وغير ذلك لكن هذه الجمال هي التي تدل على قوة أصلها ولله المثل الأعلى في خلقه. قال الله في سماواته التي أتقنها قال (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) لاحظوا قوله (زَيَّنَّا) لماذا زيّنها الله عز وجل؟ سؤال يجب أن نتفكر فيه لماذا زيّنها؟ إنه من أجلنا لنبتهج برؤية هذا الفَلَك وهذا الكون وهذه السماء فنعرف ربنا ونعرف جلاله وجماله. تصوروا لو أن السماء في خلق مخيف مضطرب في سفول وارتفاع واختلاف لَبَعَث الخلق رهبة وخوفًا وتزعزعًا لكن الله عز وجل زين السماء لتزين أنظارنا بها فتزداد معرفتنا لله عز وجل. قال (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) والله عز وجل جميل يحب الجمال جميل في ذاته جميل في أسمائه وصفاته وخلقه سبحانه وتعالى فلذلك زَيَّنَ وجَمَّلَ السماء. قال (بِمَصَابِيحَ) ولم يقل بنجوم، ما السرّ في ذلك؟ أنها تضيء للدلالة على مصلحتهم فيها وهي أنها إضاءة لهم (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16))[النحل] كما قال الله عز وجل. (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) سبحان الله! ما أعظم خلق الله! الشيء يصنع الله تعالى فيه الشيء وضدّه، هذا النجم الذي هو جمال وبهاء جعله الله أو جعل الله منه رجوماً للشياطين، ما يقدر على صنع الشيء وضدّه إلا خبير عليم وهو الله سبحانه وتعالى القادر على صنع الشيء وضدّه في خلق البشر هذا يعتبر خبيراً في صُنعه فكيف بالله عز وجل الذي كمل خلقه سبحانه وتعالى؟ قال (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) ولعل السرّ في قوله (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) هو تغليظ على الكافرين الذين زعموا أن لآلهتهم تصرفًا وأشركوا بالله عز وجل تلك الأصنام والآلهة فهذه ترهيب لهم ووعيد لهم. قال الله (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)) في الدنيا َ بها وأعتدنا لهم عذاب السعير. ومن الشياطين التي ترجم تلك الشياطين التي تسترق السمع فيرجمها الله عز وجل بتلك الشُهُب من تلك النجوم.

قال الله عز وجل (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) إضافة على أولئك الكافرون الذين يرون عظمة الله وملكه وقدرته ويكفرون به عز وجل ولهم (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) الربوبية دالة على الخلق الصنع الإتقان الإصلاح التصرف فهي داخلة في معنى الملك أيضاً. (عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)) فهذا توعّد من الله لهم. (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا) في النار (سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)) تصوروا وتأملوا هذا التصوير لعذاب النار عياذاً بالله! نار ولها شهيق (سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)) كيف رهبتهم وألمهم وحسرتهم وعذابهم بسماعهم للشهيق؟! فكيف إذا أُلقوا فيه عياذاً بالله وهي تفور غيظاً وتميزاً على أولئك الكافرين تنتظر أجسادهم تحرقهم فيها عياذاً بالله!.

قال الله (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) تتفرق تتقطّع (تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) من الحِنق على هؤلاء الكفار هذا تصوير الله عز وجل لجهنم عياذاً بالله! تصوير بليغ والله، نار لها شهيق وتفور وتكاد تميز ولها غيظ ما هذه النار؟! إنها نار الله عز وجل التي أعدّها الله للكافرين به سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)) إقرار على تكذيبهم وكفرهم بالله عز وجل ليعلموا أن وعيدهم ذلك يستحقونه بإقرارهم (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ). تأملوا لم يقولوا بلى (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ) اعتراف لعل هذا الاعتراف ينجيهم من تلك النار، لعله يشفع لهم هذا الاعتراف لكن أنّى لهم وأنّى لهم أن يقبل منهم العذر؟!. قال الله سبحانه وتعالى عنهم (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا) عياذاً بالله، ما أشأم تلك الحالة يجيئهم نذير ويرون الآيات وتوضَّح لهم البراهين ومع ذلك يكذِّبون. (وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) إقرارٌ منهم بعدم إيمانهم بالقرآن الكريم. قالوا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)) إما أن يكون القول لهم منهم لأنفسهم أو من الملائكة (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)) ولاحظوا وصفه الضلال بالكبير حقاً إنه ضلال كبير أيّ ضلال أعظم من الكفر بالله ومن التكذيب بآيات الله عز وجل وعدم الإيمان بآياته وكتابه؟.

قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)) إي وربي لو كانوا يعقلون أو يسمعون ما ذهبوا إلى الجحيم لو كانوا يعقلون أو يسمعون لآمنوا بآيات الله عز وجل المشاهَدة والمقروءة ولدلّهم بصيرتهم وسمعهم وبصرهم وعقلهم إلى الإيمان بالله لكنهم استكبروا عياذاً بالله فويل للمستكبرين. وفي هذه الآية دليل واضح وصريح على أن أقلّ الناس وأضعفهم عقلاً هم الكفار، دليل على أن أقلّ الناس عقلاً وأضعفهم عقلاً هو الكافر. كيف استدلينا على ذلك؟ من الآية، قالوا هم بشهادتهم (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)) فدلّ بشهادتهم على أنفسهم في الدنيا أنهم أضعف الناس عقلاً. فالكافر مهما رأينا فيه من عقل وابتكار وصنع فوالله إنه لأضعف عقلاً من غيره لماذا أضعف عقلاً؟ لأنه سخّر هذا العقل لخدمة البشر ولم يخدم نفسه، لم يسخّر هذا العقل للخالق سخّره للخلق أيّ عقل أضعف من هذا العقل؟ أن تسخر عقلك وتسخر قدرتك لنفع الناس ولا تنفع نفسك ولا تسخر هذه الجوارح وهذا العقل لخالقك الذي خلقك وأوجدك وأنشأك! حقاً إنهم كما قال الله عز وجل (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7))[الروم] بعلمهم هذه الدنيا ليس هذا دليل على عقل ولذلك لا يظن الإنسان حينما يكون متمكنًا في عقله في شيء من أمور الدنيا أنه على شيء والله ليس على شيء إن لم يبني هذا على الإيمان واليقين بالله وأن يسخر ذلك في طاعة الله عز وجل وإلا فهو الخَسْران إذ أنه سيعذب بهذا العقل الذي سخّره لغير الله. فكلما استخدم الإنسان طاقاته، قدراته وجوارحه في غير مرضاة الله فستكون وبالاً عليه وحينها سيقول (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)). والله إن هذه الآية كافية في دلالة أن العقل هو الإيمان، أن العقل هو الاعتراف بالله، والتعرف على الله، أن العقل هو العلم بالله، العقل كل العقل هو التمسك بأمر الله وشرع الله عز وجل. العقل كل العقل أن تنظر إلى هذه الآيات لتدلك على خالقها، هذا العقل. إذا كان العقل تبصر به هذه الآيات فلا يدلّك على خالقها أيّ عقل هذا؟ عقل جامد أما حينما يزيدك هذا التفكر وهذا العقل في تفكرك في مخلوقات الله، في هذه الكائنات، في هذه الأجرام العظيمة، في هذه الآيات التي تقرأها فيزيدك قرباً ومعرفة لله فذلك كمال عقلك فكلما كان عقلك يدلّك على الله في كل شيء فهذا هو كمال العقل.

قال الله سبحانه وتعالى عنهم (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) إي وربي سحقاً لهم سحقًا كيف لم يعرفوا ربهم كيف لم يؤمنوا به؟! حُقّ لهم النار عياذاً بالله.

قال الله سبحانه وتعالى في مقابل أولئك الكافرين الجاحدين الجامدين بعقولهم الذين سخّروا عقولهم في غير مرضاة الله وغير الوصول إلى التعرف على الله جاء بالحديث عن المؤمنين الذين أورثهم ذلك الملك وتلك العظمة خشية الله كما قال الله عز وجل (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28] فقال الله تعالى هنا (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ). أرأيتم سرّ المجيء بوصف الخشية هنا ما هو؟ أنهم عرفوا الله وعرفوا ملكه ورأوا آيات الله فزادهم خشوعاً وذلة وخشية من الله عز وجل. هذا معنى قول الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فكلما عرف الإنسان عرف الله بآياته وخلقه وبراهينه وما يشاهده من الكون وبَعَثَه ذلك على الخشية فلا شك أن ذلك دليل على كمال إيمانه وعقله. قال الله عز وجل (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) والغيب هنا يخشونه يشمل خشيتهم لله وهم لا يرونه، هذا دليل على كمال إيمانهم. خشيتهم لله وهم لم يرونه لا شك أن ذلك دالٌ على إيمانهم، ثم خشيتهم لله في حال اختفائهم عن الخلق دليل على كمال إيمانهم. إذاً المقصود بقوله أيها الإخوة (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) حالات:

·       الحال الأول: أنهم يخشونه وهم لا يرونه في كل أحوالهم في سرّهم وعلنهم نحن نؤمن بالله فلماذا نخشاه؟ لأنه ربنا وخالقنا ونحن لا نراه فما أعظم هذه الخشية! والله ما أعظم هذه الخشية التي تدل على الإيمان بالله عز وجل فهذه دلائل الإيمان.

·       ثم خشيتهم في حال خلوتهم في الخلوات.

قال الله عز وجل (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) الله أكبر!. لهم مغفرة بما يقع منهم من زلل وخلل وقصور من الله عز وجل سِترٌ لهم. ولهم أجر كبير ووصف الكبير هنا لمقابلة عملهم وهو خشيتهم لله، هذا يؤكد أن خشية الله من أعظم الأعمال ولهذا جاء ذكرها في كثير من الآيات يكفي قول الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28] ويكفي قول الله عز وجل (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46))[الرحمن] ويكفي قول الله عز وجل (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41))[النازعات] فما أعظم خشية الله والخوف من مقامه وتعظيم ذلك هو حقيقة من أقوى وأعظم دلائل الإيمان.

قال الله سبحانه وتعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ) الخطاب لمن؟ ليس للمؤمنين فقط بل للخلق كلهم. (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ) تأملوا قدّم السِرّ هنا للدلالة على نفوذ علمه ودقّة علمه وكماله سبحانه وتعالى. (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13)) الله أكبر! فهو يعلم السرّ وأخفى سبحانه وتعالى بل هو أعلم بالسر مما ظهر لأنه عالم بخبايا النفوس ولهذا قال (إِنَّهُ عَلِيمٌ) ما قال "بما في الصدور" (بِذَاتِ الصُّدُورِ) يعني هو عالم بذاتها، في الصدور نفسها وتكوينها وخلقتها وما يحدث فيها ومنها من نيّة وقصد وأعمال. فالذي خلقها سبحانه وتعالى هذه الصدور عالمٌ بما يصدر منها سبحانه وتعالى ولو كان أدقّ دقيق لأنه هو الذي خلقها (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)). ولهذا قال بعدها هذه الآية (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)) بلى وربي، والله لو تصورنا هذه الآية فقط أن الله يعلم كل شيء سبحانه وتعالى لأنه خلق هذه الصدور وهذه القلوب فهو أعلم بكل شيء فيها لبعثنا ذلك على تعظيم الله والإيمان به وخشيته سبحانه وتعالى.

قال الله سبحانه وتعالى (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)) تأملوا كيف أتى بهذين الوصفين (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) لطُف علمه اللطيف العالم بدقائق الأمور وكذلك الخبير فهو هذان الوصفان دالان على كمال دقّة علم الله ونفوذه سبحانه وتعالى في علمه وقدرته على كل شيء (اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). بأمر الأرض بعد السماء إثباتاً لكمال ملكه وقدرته وعلمه قال (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)). (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) لاحظوا وتأملوا دقة هذا التعبير (ذلولاً) يعني الله عز وجل خلق الأرض لكم وتأملوا أنه قال (لَكُمُ الْأَرْضَ) ما قال "الأرض لكم"، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ) ولم يقل "جعل الأرض لكم"، ما الفرق؟ الفرق أن قوله (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ) يعني أن الأرض خلقها من أجلكم وسخّرها وهيّأها ويسّر الخلق فيها وذلّلها وأحسن خلقها وبَسَطَ سُبُلَها من أجلكم أنتم فما أعظم خلق الله وما أعظم منّة الله على خلقه! مع ذلك يكفرون ويجحدون عياذاً بالله!. قال الله (ذَلُولًا) ذلّلها لكم في سبلها وطرقها وجميع مكوناتها. قال الله (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) طرقها، سبلها، ولكن صوّر الله ذلك كأننا نركب عليها ونسير حيثما نشاء. ثم لاحظوا وتأملوا أنه قال (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ماذا نستفيد منه (فَامْشُوا)

·       أولاً طلب الرزق والاكتساب قاعدة من قواعد الخلق والرزق (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) أننا نمشي ونبذل الأسباب ونفعل ما بوسعنا وتختلف الطرق فإذا سدّ عليك هذا الطريق فالله تعالى جعل لك طرقاً في الرزق، هذه رسالة إلى أولئك الذين يظنون أن رزقهم في شيء من الأمور كوظيفة معينة وإذا قطعت عنه هذه الوظيفة أو هذا الطريق رأى أن الدنيا اسودت في وجهه وقد انتهت حياته، لا والله، فقد خلق أبواب الرزق الله عز وجل كثيرة متعددة (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا).

·       وأيضاً قوله (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) أيها الإخوة يعطينا درساً عظيماً أننا نمشي ولا نسرع ولا نسعى الله عز وجل عبّر في السعي في قوله في سورة الجمعة (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) السعي فيه مبادرة وسرعة لكن في حال الرزق في حال الدنيا قال (فَامْشُوا) لكن وللأسف الشديد حينما ترى واقع الناس لا يسعون بل يلهثون وللأسف. قاعدة (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)[الفرقان:63] يا أخي الكريم رزقك مكتوب لك فلماذا تلهث ويكون همّك مالك وجمعه؟! «تعس عبد الدينار تعِس عبد الدرهم تعِس عبد الخميصة تعِس وانتكس» أولئك الذين يلهثون يستيقظون على المال وينامون عليه والله ما يجدون إلا الشقاء «تعس وانتكس» كما قال النبي e.

 

قال الله عز وجل (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) لاحظوا أنه قال (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) لم يقل كلوا فقط يعني أنتم حينما تحصلون هذه الأمور لا تظنون أنها بكدّكم وسعيكم إنما هو رزق الله لكم. والله لو بذل الإنسان كل سعي والله ما كتبه له لن يجد شيئاً قال (مِنْ رِزْقِهِ). ثم قال (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) ماذا نستفيد منها؟ أننا نسعى في هذه الدنيا ونعرف أنها دار فناء وأن النشور والعودة والرجوع إلى الله. الإنسان ينبغي وهو يتاجر وهو يعمل وهو يسعى في هذه الدنيا أن يستحضر الآخرة ويعلم أن هذه الدنيا متاع حتى لا يلهيك كما قال الله عز وجل (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2))[التكاثر] تكاثر في المال والأولاد (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) حتى جاءكم الموت فأودِعتم المقابر. فما أعظم هذه الآية والله إنها منهج حياة لنا في هذه الأرض في سبيل رزقنا وسعينا وعملنا. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل