تفسير سورة التغابن - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

سورة التغابن

د. محمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

نبدأ بسورة التغابن. مقصود هذه السورة هو مقصود السور المكية وإن كانت سورة مدنية فلا يكاد الجو المدني يذكر فيها إلا في آخرها حينما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ). فهذه السورة تستهدف بناء أسس العقيدة وإنشاء التصور الإسلامي في القلوب وهي مدنية في قول بعض أهل التفسير، وقيل مكية لأنها تشبه إلى حد كبير السور المكية، وقيل إن أولها مكي وآخرها مدني والأقرب أنها مدنية والله أعلم.

قال I: بسم الله الرحمن الرحيم (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تقدّم الحديث عن التسبيح وأتى هنا بصيغة المضارع (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) قدّم الكافر على المؤمن لماذا؟ لأنهم الأكثر كما قال سبحانه وتعالى (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ (116) الأنعام) وقال الشوكاني لأن الكفر أكثر وقت نزول القرآن. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فهو البصير بمن يستحق الهداية فيكون من زمرة المؤمنين ومن يستحق الضلال فيكون من زمرة الكافرين ولا بد من وجود مؤمن وكافر على وجه الأرض ولذلك قال (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ).

ثم قال I(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) أي بالعدل والحكمة. (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) أي أحسن أشكالكم كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8) الإنفطار) وقال سبحانه (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ (64) غافر). (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أي المرجع والمآب.

ثم أخبر Iبعمله بما في السموات والأرض بجميع الكائنات السمائية والأرضية فقال (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ثلاث مراحل:

·       يعلم ما في السموات والأرض

·       يعلم ما تسرون وما تعلنون

·       الله عليم بذات الصدور

قال العلماء تدرّج من الأخفى إلى ما هو أخفى منه فبدأ بالسماوات والأرض ثم إلى ما هو أخفى منه وهو ما يقوله الناس في السرّ والعلن ثم تدرّج إلى ما هو أخفى وهو خواطر الصدور، والصدر هنا القلب.

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ) خطابٌ لقريش أي خبرهم وما كان من أمرهم (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) أي وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم وما حلّ بهم من العقوبة والخزي. (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي في الدار الآخرة مضاف إلى هذه الدنيا. ثم علّل ذلك بقوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالحجج والدلائل والبراهين. (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) أي استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر وأن يكون هُداهم على يد بشر! وإنما أرادوا أن يكونوا ملائكة ولو أُنزلت عليهم الملائكة لقالوا هؤلاء ملائكة لهم صفات مختصة بهم لا نستطيع أن نفعل مثل عملهم فالحديث هنا حديث عناد فحسب. (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا) أي كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل (وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ) أي عنهم (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).

ثم قال I (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا) الزعم كُنية الكذب وبئس مطيّة الرجل "زعموا". وقال شُرَيح: لكل شيء كُنية وكُنية الكذب زعموا فالله سبحانه وتعالى أخبر عن المشركين والكفار والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يُبعثون. (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) هذا جواب القسم (ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) والحديث هنا عن البعث والمعاد ولذا قال بعضهم إنها سورة مكية. وهذه الآية هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله أن يُقسِم بربه على وقوع المعاد ووجوده فالآية الأولى في سورة يونس (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (53) يونس) والآية الثانية في سبأ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ (3) سبأ). (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).

ثم قال الله تعالى (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) أي آمنوا بالله ورسوله وبكتابه والنور الذي أنزله هو القرآن (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي لا تخفى عليه خافية.

(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) أي يوم القيامة سُميَ بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد كما قال تعالى (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) هود). (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (50) الواقعة). (ذلك  التغابن) قال ابن عباس التغابن إسم من أسماء يوم القيامة وذلك لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار وكذلك قال قتادة ومجاهد: لا غَبْن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويُذهب بأولئك إلى النار. وقد فُسِّر هذا التغابن بقوله تعالى (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ (10)) فهذه هي صورة التغابن هؤلاء يذهبون إلى الجنة وهؤلاء يذهبون إلى النار.

ثم قال I(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) قال ابن عطية (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ):

* يحتمل أن يريد بها المصائب التي هي الرزايا وخصّها بالذكر لأنها الأهم على الناس والأبين أثراً في نفوسهم.

* ومحتمل أن يُراد بها جميع الحوادث من خير وشر وذلك أن الحكم فيها واحد لأنها بإذن الله تبارك وتعالى.

(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بأمر الله وعن قدره ومشيئته. (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) قال المفسِّرون: المعنى من آمن بالله تعالى وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره وعلمه هانت عليه مصيبته وسلم الأمر لله تعالى وقال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم.

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أمر بطاعة الله ورسوله في ما شرع. (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فإن الرضا بقضاء الله وقدره من صفات المؤمنين. ثم قال الله I(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) يقول تعالى مُخبِراً عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والوالد لأنه يلتهي به عن العمل الصالح وهذه صورة العداوة ومعناها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) كما مرّ معنا في سورة المنافقون. ولهذا قال هاهنا (فاحذروهم) يعني على دينكم. قال مجاهد (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ) يحمل الرجل على قطيعة رحمه أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله eفأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم فلما أتوا رسول الله eرأوا الناس قد فقهوا في الدين فهمّوا ان يعاقبوهم فأنزل الله U هذه الآية (وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي هؤلاء إختبار من الله Iليعلم من يقدّم طاعتهم على طاعته فهم فتنة للمؤمنين والله عنده أي يوم القيامة أجرٌ عظيم كما قال I (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) آل عمران).

ثم قال I(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي طاقتكم كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة tأن رسول الله eقال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا. وقال زيد بن أسلم: هذه الآية العظيمة ناسخة للتي في آل عمران وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (103) آل عمران) والصحيح عدم النسخ في الآيتين لأن قوله تعالى (اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) مقصده فيما استطعتم ولا يُعقل أن يطيع أحد فوق طاقته واستطاعته فهي مبيّنة لتلك الآية وليست ناسخة.

(وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ) أي كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله ولا تحيدوا عنه. (وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ) أي ابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات وأحسِنوا إلى خَلْق الله كما أحسن الله I إليكم وإياكم أن يمنعكم ذلك ولدٌ أو زوجة. (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقد تقدّم تفسير ذلك في سورة الحشر.

(إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) قال ابن كثير مهما أنفقتم من شيء فهو يُخلِفه ومهما تصدّقتم من شيء فعليه جزاؤه ونُزِّل ذلك منزلة القرض له I، فهذه صورة القرض أن الله Iيجزيكم الحسنة بعشر أمثالها. ولهذا قال I"يضاعفه لكم" وقال في سورة البقرة (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) البقرة). (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) زيادة عن ذلك يكفر عنكم السيئات (وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) أي يجزي على القليل بالكثير سبحانه فالحسنة بعشر أمثالها. (حَلِيمٌ) أي يصفح ويغفر ويستر Iويتجاوز عن الذنوب والزلّات والخطايا والسيئات.

 

(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)I



التعليقات

  1. بشرى علق :

    السلام عليكم جزاكم الله خيرا على ماتقدمونه في سبيل الله

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل