تفسير سورة المجادلة - المجلس الثاني والأخير - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة المجادلة - المجلس الثاني والأخير -

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)).

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس تفسير سورة المجادلة في هذه الدورة المباركة دورة الأترجة المقامة في جامع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بحيّ الخليج في بريدة، وهذه الليلة هي ليلة السادس عشر من شهر ربيع الثاني من عام ألف وأربع مئة وثلاثة وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة.

وقد وصلنا إلى قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). وقد قدّمنا في أول هذه السورة أن هذه السورة تحدثت عن علم الله جلّ وعلا وذكرت فيما ذكرت أمر النجوى لأنه متصل ببيان علم الله عز وجل، فالله يعلم ما يُعلنه الناس وما يتناجون به، يعلم السرّ وأخفى. ولما ذكر النجوى والنجوى عادة لا تكون إلا في مجلس سرى الحديث إلى آداب المجلس فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). أليست النجوى تكون في المجالس؟ إذاً هناك شيء مناسب لهذا نذكِّركم به وهو أنكم إذا كنتم في مجلس وكان المجلس مكتظاً بأهله فلا يُقِم أحدٌ منكم أخاه من مكانه بل تفسّحوا وتوسّعوا فمن فسح لأخيه فسح الله له وهذا جزاءٌ من جنس العمل إذا قيل لكم تفسحوا فافسحوا، ما الجزاء؟ (يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). يفسح الله لكم في أي شيء؟ في كل شيء، جاءت مطلقة يفسح الله لكم في مجالسكم ويفسح الله لكم في صدوركم ويفسح الله لكم في علمكم ويفسح الله لكم في دوركم وفي أرزاقكم ويفسح الله لكم في قبوركم ويفسح الله لكم في آخرتكم، فانظر أطلقها لأن الجزاء من عند الله عز وجل والفسح منه وهو سبحانه وتعالى يضعه حيث يشاء. ومن حكمة الله U أن الله يجازي على العمل من جنسه من يسّر على معسرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرّج عن مسلمٍ كربةً من كُرَب الدنيا فرج الله كربة من كرب يوم القيامة، من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، هذا جزاء من جنس العمل وهذا من كمال عدل الله وتمام فضله على عباده. قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) إذا قيل ارتفعوا، قوموا لأي أمر يراه القائد أو الإمام أو صاحب البيت أو العالِم قال قوموا فقوموا، سواء كان ذلك لحاجة القائد أو لحاجة من يقدَم عليه ممن يريد الجلوس معه. افترض إنك جالس أنت ومجموعة تسألون هذا الشيخ وتستفيدون من علمه فجاء آخرون يريدون أن يستفيدون من علمه وليس لهم مكان فقال الشيخ قوموا يا إخوة ليكون لإخوانك حظّ، فلا يقع في صدرك شيء فإن الله قال (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) يعني فارتفعوا. قد كان بعض الصحابة يجلس عند رسول الله ويحب أن يبقى ويأتي آخرون يتمنون أن يدخلوا فلا يجدوا في المجلس مكاناً فكان النبي e يضطر أن يقيم بعضهم ليأتي آخرون حتى ينالوا مثل ما نال الأولون. وأيضاً قد يكون في المجلس صغارٌ ويأتي كبارٌ يجب احترامهم وتقديرهم فإذا أقيم الصغار فلا ينبغي لهم أن يقع في قلوبهم شيء من أجل ما يؤتاه الكبار، ولذلك قال بعدها (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) يعني هذا من رفع الله لمقام المؤمنين العلماء عندما يقدَّمون في المجالس وتُفسَح لهم المجالس ويؤمر بعض الجالسين بالقيام لهم وترك المكان لهم لأنهم أحقّ. ولذلك تلاحظون أنكم في مجلس فيأتي الكبار من العلماء والأشياخ فيقوم الناس تواضعاً لهم وتقديراً لمقامهم. أو يقومون يعني يخرجون أو يقامون يقال يا فلان ويا فلان اخرجوا لأن فلاناً من العلماء أو من الكبار قد جاء فنريد أن يجلس مكانك. ثم قال الله (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) أي جعل الله الرفعة لمن جمع الأمرين فاستمعوا إليهما، وهذه من الآيات التي يحتاج الإنسان إلى أن يتوقف عندها. ما جعل الله الرفعة إلا لمن جمع أمرين: إيماناً تاماً وعلماً وافياً، فمن كان من أهل الإيمان الصادق ولم يكن من أهل العلم لم يكن له الرفعة، نعم يقبل الله عز وجل إيمانه ويجازيه عليه لكن ما تكون له الرفعة. ومن كان له علمٌ تام لكنه ضعيف الإيمان لا تكون له الرفعة. ولو تأملت من رفع الله مقدارهم في هذه الأمة وارتفعت أسماؤهم أبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس وأبو هريرة والبخاري ومسلم وأبو حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد وغيرهم، ما الجامع لهؤلاء؟ جمعوا الإيمان والعلم. لكن أين فلان وفلان من عُبّاد التابعين أو من عباد الصحابة؟ ما يذكرون ولا يعرفون ولا يشهرون، ليس لأن الله ما قبِل علمهم ولكن الله كتب الرفعة لمن جمع الأمرين. فكم كان في التابعين خصوصاً من العُبّاد الكثر الذين تضرب الأمثال بعبادتهم وزهدهم في الدنيا ومع ذلك لا يُعرفون في الأمة لماذا؟ لأن الله ما كتب الرفعة والعلو إلا لمن كان كذلك. فإن قلت من جمع مالاً وإيماناً لم يكتب الله له الرفعة نعم قد يرتفع في زمانه لكن لا يبقى له ذكرٌ فيما بعد ذلك إنما يبقى الذكر لمن جمع الإيمان والعلم فانتبهوا لهذا. قال الله U(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)) هذا يؤكد أن السورة في علم الله وبيان أنه علم واسع ومحيط والخبرة هي الدقة في العلم. فإن قلت إنه هنا قدّم قوله (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (خَبِيرٌ) قلنا نعم، أصل النظم: والله خبير بما تعملون لكن لما كان هناك اهتمام بعملهم فالآية فيها ذكر للعمل وهو (تَفَسَّحُوا)، (انْشُزُوا)، (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) قدّم عملهم فقال والله بعملكم خبير و(ما) في قوله (بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)) يصلح أن تكون موصولة أي بالذي تعملون خبير ويصلح أن تكون مصدرية أي بعملكم خبير.

قال الله عز وجل بعدما ذكر أدب المجلس ذكر الأدب في مناجاة الرسول e. في المناجاة العامة (فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ). رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هناك أدب خاص به؟ نعم، ما هو الأدب الخاص به؟ قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) هذه كان لها سبب نزول وهو أن الصحابة أكثروا على رسول الله كل واحد منهم يريد أن يتحدث إلى رسول الله وأن يستكثر من مكالمة رسول الله، عدد الصحابة ثلاثمئة، ألف، كل واحد لو أخذ من رسول الله دقيقتين هذه ستمئة دقيقة يومياً وهل سيشبع الصحابي من دقيقتين؟ ما أحد شبع، لو جلس الصحابي عشر ساعات مع رسول الله ما شبع من مكالمته ولا من مناجاة والحديث معه. فلما أكثروا عليه جاء الأدب من الله وكان رسول الله e يستحي من أصحابه ويجاريهم لئلا يصدّهم أو يؤذيهم عليه الصلاة والسلام من كمال أدبه مع أن من حقّه أن يقول لهم لا أحد يكلمني، اسكتوا، أنا ما أريد يتحدث أحد معي. لكنه عليه الصلاة والسلام كان يستمع إليهم ويتحدث إليهم ويبثون إليه شكواهم ويسألونه عن كل شيء من أمور حياتهم. فالله عز وجل أنزل هذه الآية رفقاً برسوله e واختباراً لإيمان الصحابة وبياناً لأنه لا ينبغي أن يكون السؤال إلا في المهمات التي لا مناص من سؤال رسول الله e عنها، فماذا قال؟ قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) تريد أن تناجي؟ تصدّق. المال عزيز على النفوس ومحبوب لها، يوم كانت المكالمة مجانية كل واحد يكلّم، يوم صارت بفلوس، لا، توقف الصحابة عند المكالمة وعلموا أن الموضوع خطير وهذا يدل على عزّ المال على النفس وأن المال كما يقولون قرين الروح. قال (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)) يعني فمن لم يجد فالله I يغفر له ويرحمه. ثم قال (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) خفتم من أن تقدموا بين يدي نجواكم لرسول الله صدقات؟ (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)) هذه الآية أظهر آية في النسخ حتى عدّها العلماء الآية الوحيدة التي أطبق عليها المفسرون والعلماء في النسخ فلم يقع فيها خلاف. وجاء الناسخ فيها موالياً للمنسوخ، وقد قيل إن الصدقة بين يدي رسول الله لم يعمل بها أحد إنما شرعها الله ثم نُسِخت قبل العمل ويؤكد هذا قوله (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) يعني لم تفعلوا هذه الصدقة ولم تناجوه. وقيل إن الذي عمل بها علي بن أبي طالب t وأرضاه. قال (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي رفع عنكم هذا الأمر وعفا عنكم (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي عليكم بطاعة الله والإكثار من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)) هنا جاء فقّدم اسمه على عملنا لأن المقصود بها ذِكْر عِلْم الله وليس إحصاء عمل العباد فقال (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)) أي بالذي تعملون أو بعملكم.

ثم قال الله U(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) ألم تعلم حال هؤلاء الذين تولوا؟ أي والوا قوماً غضب الله عليهم، والوا اليهود وهذا جاءت الإشارة في سورة المجادلة وجاء التصريح به في سورة الحشر بعدها كما سيأتي في السورة القادمة بإذن الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (12)) هنا أشار إلى هذه الولاية وفي سورة الحشر فصّل فيها وأوضح ما حصل بالفعل بين المنافقين واليهود من بني النضير. قال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ)، (مَا هُمْ مِنْكُمْ) لأنهم لم يؤمنوا، (وَلَا مِنْهُمْ) ليسوا من اليهود وإنما هم مصلحجيون نفعيون يبحثون عن مصالحهم الآنيّة. قال (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) يحلفون وهم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون أنهم ما والوا وأن قلوبهم مع المؤمنين وأنهم لا يمكن أن يوالوا أحداً من غيرهم. قال الله عز وجل متوعِّداً إياهم (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)). (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) في الآخرة ولا يمنع أن يكون ذلك أيضاً في الدنيا (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)) أي قبُحَ عملهم. (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أي وقاية يتقون بها التهمة ويتقون بها الملامة لكم أنتم ولا يعلمون أن الله يعلم ما يضمرونه في صدورهم ولا ما يقولونه لأعدائكم. (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) لماذا؟ لأنه يبدو منهم شيء وهم يخفون شيئاً آخر غير الذي يبدو منهم. فهم يقولون للمؤمنين نحن معكم ونحن كذا وإلى آخره ثم إذا جاءت الحقيقة وإذا بهم مع اليهود يمالئونهم فيكون ذلك سبباً للصدّ عن دين الله لأن اليهود يقولون هؤلاء يصلون مع رسول الله مع محمد ثم يأتون إلينا فيطمئنون على دينهم ويبقون على كفرهم، نسأل الله العافية والسلامة. وأيضاً يشجعون من في قلبه مرض حتى يكون على مثل حالهم وهذا كله من الصدّ عن سبيل الله. قال (فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)) كما استهانوا بأمر الله واستهانوا برسول الله صلّى الله عليه وسلم يجعل الله لهم عذاباً مهيناً. (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) يعني إن كان لهم أموال يستنصرون بها أو يتعززون أو أولاد يستنصرون بهم ويتعززون فإن هذه لن تغني عنهم من الله شيئاً إذا أراد الله أن ينزل بهم عقوبة أو يعذّبهم فإنها لن تدفع عنهم شيئاً من عذاب الله. قال (شَيْئًا) وشيئاً هنا نكِرة جاءت في سياق النفي فتدل على العموم. قال (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وجعلهم أصحاباً لها لأنهم يلازمونها ويدومون معها كما قال في حق المؤمنين (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لأنهم سيدومون فيها ويلازمونها فاختير لفظ الصحبة لبيان دوام الملازمة. قال (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17)) أي مقيمون ثابتون. (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) أي في يوم البعث يبعثهم الله جميعاً فلا يدع منهم أحداً (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) مثل ما حلفوا في الدنيا، هم اعتادوا في الدنيا على الحلف، يسترون نفاقهم بالأيمان: والله ما فعلنا، والله ما قلنا، والله ما زرنا السفارات الأجنبية ولا ذهبنا إليها ولا فعلنا ما فعلنا ما يذكر عنا كل ذلك حلف وأيمان متوالية لأنهم يعرفون أن الأيمان هذه تنقذهم في الظاهر وأهل الإيمان يعني المؤمن غِرٌّ كريم يكل هؤلاء إلى الله ولا يحاول أن ينقر أو يدقق أو يحقق المهم أن يوقِف المنافق عند حدّه. فهؤلاء يستعينون بالأيمان ويُغلِظون فيها فتكون عادة لهم فإذا بعثهم الله بقوا على تلك العادة لأن الإنسان يُبعَث على ما مات عليه فإذا قابل الله حلف لله كما حلف لكم أنتم في الدنيا قال: والله إني كنت مؤمناً أصلي وأصوم وهذا رسول الله سله يا ربي إني كنت أجاهد معهم وأفعل وأفعل وأفعل. (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) يحسبون أنهم قد حققوا شيئاً وحصّلوا خيراً. (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18)) هؤلاء هم الكاذبون وحدهم وهذا لون من الألوان أو أسلوب من أساليب الحصر كأنهم هم الكاذبون وحدهم دون من سواهم.

قال الله U(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) أحاط بهم فصار هو سمعهم وصار هو بصرهم وصار هو تفكيرهم هو يقودهم ويخطط لهم وهو يدلّهم ويؤزّهم على الشر أزّاً. يرون الدلائل و البينات ويرون الحقائق ظاهرات ومع ذلك لا يرعوون ولا ينثنون وما يزيدون مع الأيام إلا انحرافاً وانصرافاً وكِبراً وتعالياً على الحق. قال الله U(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) فلو ذكروا الله عز وجل وتأملوا ما أنزله الله من البينات في كتابه لارعووا عن هذا النفاق الذي يمارسونه وهذا الباطل الذي يعتادونه لكنهم نسوا الله I فأنساهم أنفسهم ولذلك قال في سورة الحشر (نَسُوا اللَّهَ) فأعقبهم الله عز وجل بعقوبة بليغة وهو أنه أنساهم مصلحة أنفسهم وهذه من أعظم العقوبات حتى يقع الإنسان في الهَلَكة ويتورط في العذاب. قال (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ) هؤلاء هم حزب الشيطان هؤلاء المنافقون ومن مالأوا ووالوا هم حزب الشيطان فالشيطان له حزب كما أن لله حزباً فانظر نفسك مع من؟ هل أنت مع حزب الله؟ أو مع حزب الشيطان؟. (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)) ولاحظ كيف أكّد خسارة حزب الشيطان بعدة مؤكدات: (أَلَا) هذه للتنبيه وتدل على التأكيد و(إِنَّ) دالة على التأكيد و(هُمُ) ضمير الفصل و(الْخَاسِرُونَ) الكلمة المعرّفة بالألف واللام التي تأتي خبراً للمبتدأ تدلّ على أيضاً التأكيد فأكّد خسارتهم وهي خسارة حقيقية لأنهم سيخسرون أنفسهم التي هي أعزّ شيء عليهم، يخسرونها يوم القيامة (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)).

ثم قال الله U(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)) هؤلاء المحادّون لله ورسوله الذين يجعلون الله في حدّ وهم في حدّ والله ورسوله في شقٍ وهم في شق فهم محادّون ومشاقّون. (أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) سيكونون من الأذلين والذلّ هنا ذلّ أخروي هذا بلا شك وأما الدنيا فإنه يكون لهم ذلّ من حيث عدم وجود الحق معهم والدليل والبرهان بأيديهم وهذا كافٍ في ذلّهم صحيح إنه قد يكون لهم قوة مادية وقد يضعف أهل الحق عن نصرة حقهم فيعاقَبون بأن يكون عليهم شيء من الهزيمة وغَلَبة الكفار لهم لكن يبقى بأيديهم قوة الحجة وسلطان الدليل ويضعف أولئك. ولذلك تجد من دلائل ذلّ أهل الباطل أنهم كلما قابلهم أهل الحق بحُججهم لم يجدوا حُجّة يسعفون بها أنفسهم إلا القوة فيضربون هذا الحق ويؤذونه. ماذا فعلوا بإبراهيم عندما كسّر الأصنام ثم قالوا (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)) ماذا قالوا؟ (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)) أرأيتم أهل الباطل؟ ما عندهم شيء، وهذا من الذلّ. والآن نحن في صراعنا مع الليبراليين والعلمانيين كل ما حشرناهم في شيء ما يجدون مساغاً إلا التُهَم والقوة إذا كان عندهم شيء من القوة بطشوا بالمؤمنين بطشوا بالصالحين وآذوهم وحاولوا أن يشوهوا سمعتهم ويفعلوا مثل هذه الأفاعيل التي تدلّ على خلوّهم من الحجج والبرهان. قال الله عز وجلّ (أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ) أي قدّر (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) الله عز وجل هو الغالب ولا غالب له. (وَرُسُلِي) أي رسل الله أيضاً غالبون فإن قلت والمؤمنون؟ فإن المؤمنين قد يغلبون وقد لا يغلبون بحسب قيامهم بالأسباب التي تمكنهم من الغلبة الكاملة أما غلبة الحجة فهي تامة وأما غلبة المادة والقوة المادية فإن هذا يكون بحسب القيام بأسبابها. أما رسل الله فهم الغالبون ولذلك إذا اتّبعنا رسل الله وسلكنا منهجهم وسرنا على طريقتهم فلنا الغلبة من بابيها الباب المعنوي والباب المادي. في أُحُد من أين جاءت الهزيمة؟ مخالفة الرسول، لما خالف الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حصل ما حصل لأصحاب رسول الله (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) ما جاءكم شيء من الخارج، من عند أنفسكم. قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)) وهذا من أوجه المناسبة بين هذه السورة وسورة الحديد ذُكِر (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) وهنا (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)) وذُكِر هناك معية الله وذُكِرت هنا معية الله وذُكِر علمه وذُكِر هنا علمه وذُكِر في تلك السورة المنافقون وذُكِر هنا المنافقون.

قال الله (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هذه آية من آيات العقائد العظيمة لا يوجد من يؤمن بالله واليوم الآخر يجعل مودته لمن حاد الله ورسوله يجعل مودته للمحادين لله ورسوله الذين يكونون في حدٍ وشِقّ والله ورسوله في حدّ وشِقّ. سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من البوذيين أو من المشركين فالمودة إنما تكون لله ولرسوله وللمؤمنين. أما الإحسان والمعاملة الطيبة فهذه فصّلها الله عز وجل في سورة الممتحنة كما سيأتي معكم في الدرس القادم (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) فالبر والإقساط والإحسان إلى هؤلاء الكفار الذين لم يضرونا ولم يؤذونا جائز لا ينهاكم الله عنه (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)). أما المودّة والحُبّ فإنه لا شركة فيها، القلب ما يكون فيه إلا واحد، طريق واحد، محبة واحدة، لله أو لأعداء الله ما فيه اجتماع ما في مجال لأن تخلط توحيد مع شرك كما الآن يريدون يروجون علينا وحدة الأديان كل الأديان صحيحة وكلها سليمة وكلكم في الجنة وأبشروا بالخير يا جماعة! المؤمن والمشرك والكافر والبار والفاجر والذي يؤمن بمحمد والذي يكفر به أو والعياذ بالله يلعنه ويسبّه كلهم في الجنة يالله صكوك غفران الآن تمنح مع كل أسف ومن مراكز إسلامية! والآن يراد أن تمرر عبر علماء يميّعون هذه القضايا العظيمة في دين الله واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، الإيمان إيمان والكفر كفر ولا يمكن أن يجتمعا، التوحيد توحيد والشرك شرك ولا يمكن أن يجتمعا، أرادوا من رسول الله e في حل وسط يا محمد أشغلتنا بهذا الدين الذي جئتنا به عندنا حل وسط أنت ما تقبل الحلول الوسطية المعتدلة ألا تكون من أهل الوسطية؟! اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة وخلاص حل وسط! فنزلت تلك السورة التي تزلزل كيانات الشرك كلها في العالم وتقول لمحمد e أعلِن، صرِّح، لا يكون عندك شيء غير هذه الكلمة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)) ما يمكن لا في الزمن الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل أن أعبد ما تعبدون ولا أن تعبدوا أنتم ما أعبد، لا يمكن أن تعبدوا ما أعبد لأنك لو عبدت الله وأنت مقرٌ بأن الآلهة لها حقٌ في العبودية ما قبِل الله منك شيئاً «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عَمِل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشِركه فهو للذي أشرك وليس لي منه شيء» وختم السورة بقوله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) طريقان لا يمكن أن يلتقيا لا يمكن أن يلتقيا في منتصف الطريق كما يراد الآن أن يروّج علينا! جئت أنا قبل شهر من دولة افريقية فقالوا إنهم الآن يبنون مكان للمسلمين ولليهود وللنصارى وكل أحد وإنهم صلّوا ثلاث صلوات في يوم واحد المسلمون واليهود والنصارى ومن الذي صلّى؟ رئيس المجلس الإسلامي والقسيس والكاهن كلهم اجتمعوا وصلّوا وخلاص انتهت العداوة ولا فرق بين توحيد وشرك وإيمان وما فيه أحد في النار! النار هذه نغلقها نقفل عليها لأن ما لها أحد الجميع طيبين وصالحين وخلونا في سلم عالمي وسلام دولي وشرعية دولة وانتهى كل شيء! والله U يقرر هذه الحقائق يقول لا، هناك ولاء وبراء وحب وبغض وإيمان وكفر وتوحيد وشرك وفسطاط إيمان لا يلتقي بفسطاط أهل الكفر وفسطاط كفر لا يريد بكم ولا يبغي لكم إلا شراً. قال الله U(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) ماذا أبلغ من هذا؟ هل هناك أبلغ من تقرير هذه القضية بهذا الوضوح؟ يعني لو كان الذي يحادّ الله أبوك الذي خرجت من صلبه أو ابنك الذي خرج من صلبك أو رجل من عشيرتك أو أخوك الذي عشت أنت وإياه في رحم واحدة فإنه يجب عليك أن تُبغضه لله ولا تمنحه من المودة مثقال ذرة لأنه لا يؤمن بالله. وقد جلّا الصحابة هذه القضية أعظم جلاء أبو عبيدة قتل أباه يوم بدر وعمر قتل قريباً له يوم بدر وأبو بكر همّ بقتل ابنه في يوم بدر لما برز له، وأما مصعب بن عمير فقتل أخاه عبيدة بن عمير في يوم بدر لله درّهم! القرابة والرحم كل هذه المعاني انتهت لأن هناك وشيجة أعظم وأمر أكبر، هناك ما يدعوا إلى أن تُقدم على شيء ضخم في حياتك فتفاصل من أجله، إنه مودتك لله التي لا يجوز أن يقاربها أو يقارنها أو يكون معها مودةٌ لغير الله U أو لمن يقرّون بغير الله Y. قال (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) هؤلاء ماذا لهم؟ اسمعوا والله قد جعل الله لهم شيئاً عظيماً لأنه محّص قلوبهم قال (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) أعطاهم ومنحهم شهادة الإيمان وجعلها في قلوبهم لأن المودة أين مكانها؟ القلب، فلما خلّوا قلوبهم لله كتب الله في هذه القلوب الإيمان. وماذا أيضاً؟ (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) جعل لهم قوة هائلة يتأيدون بها بنصر من عنده ولذلك تجد هؤلاء الذي عندهم ولاء لله وبراء لله أقوياء لا يخافون من الطواغيت ولا يهابون أحداً من هؤلاء أعداء الله. قال (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) هذا جزاؤهم في الآخرة ثم لما كان ما كان منهم في قلوبهم أعطاهم شيئاً عظيماً لا منتهى له، ماذا؟ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) أعطاهم الرضى الذي لا حدود له. الرضا لما يُعطي الله المؤمنين الجنة يجمعهم فيقول إنّ لكم شيئاً عندي فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم؟ ألم؟ ألم؟ ألم؟ فيقول اليوم أُحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً. كما أرضيتموني في الدنيا فتعاليتم على الأواصر القبلية والوطنية والوشائج والروابط التي يضعها الناس ويتراضون عليها ويتقاتلون من أجلها وقدمتموني على كل ذلك اليوم أُحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، هذا الجزاء من جنس العمل. قال (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) ورضوا هم أيضاً عن الله لأنه أعطاهم شيئاً ما كانوا يحلمون به ولا يتوقعونه. كل الأشياء التي توقعوها وتصوروها كانت دون ما يعطيهم الله Iويتفضل به عليهم في الجنة.

 

قال الله U خاتماً هذه السورة العظيمة (أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ) هؤلاء هم حزب الله الذين يوالون لله ويعادون لله ويحبون في الله ويبغضون في الله واضحون في إيمانهم يعرفون طريقهم لا يلتبس عليهم بطريق آخر، هؤلاء هم حزب الله. والآن سيلغى من العالم شيء اسمه حزب الشيطان لأن الجميع كلهم حزب لله، سبحان الله!! قال (أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)) وأكّد ذلك بأربع مؤكدات (أَلَا) و(إِنَّ) و(هُمُ) و(الْمُفْلِحُونَ) جعلني الله وإياكم منهم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل