تفسير سورة المجادلة - المجلس الأول - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة المجادلة - المجلس الأول

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2))

يقول الله U(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) هذه السورة سورة المجادَلة يقال المجادَلة والمجادِلة أما المجادَلة فهي المحاورة التي حصلت بين الرسول e وبين المرأة التي ظاهر منها زوجها وهي خولة بنت ثعلبة وأما المجادِلة فهي المرأة وبهذا نعرف أنه يصح أن نقول مجادَلة ومجادِلة. ومثلها سورة الممتحِنة فيقال الممتحِنة أي السورة التي امتحنت أو نزل فيها امتحان المهاجرات والممتَحنة المرأة الممتَحنة التي تمتحن إذا هاجرت فهو باعتبار اسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما. هذه السورة أولها له سبب نزول وهو أن رجلاً من الصحابة يقال له أوس بن الصامت غاضب امرأته فظهر منها قال لها أنت عليّ كظهر أمي فجزعت كيف يظاهر منها وقد نثرت له ما في بطنها وهو شيخ كبير وبها حاجة إلى أن يقوم على أولاده ثم إنه ذهب إلى قومه ثم عاد إليها فأرادها عن نفسها فقالت والله لا تصل إليّ وقد ظاهرت مني حتى أرفع أمرك إلى رسول الله e. قالت فشكوت أمري إلى إحدى جاراتي فأمرتني أن أذهب إلى رسول الله e فاستعرت منها ثياباً فذهبت إلى رسول الله e فأخبرته قالت فقلت يا رسول الله إن لي منه عيالاً إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا وإني يا رسول الله نثرت له بطني وأكل شبابي وإنه ظاهر مني وكان الظهار في الجاهلية يعد طلاقاً فظنّت خولة بنت ثعلبة أن هذا طلاق ولم يكن عند رسول الله e فيها وحي فما زالت تحاور رسول الله e وتشتكي إليه حتى أنزل الله عز وجل عليه (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) تم سماع الله، فتقول عائشة متعجبة: سبحان من وسِع سمعه الأصوات! إني لفي طرف الغرفة أسمع شيئاً من كلامها ويخفى عليّ بعضه والله من فوق سبع سموات سمع كلامها وأجاب مسألتها فقال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ). وقوله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) تنبئ عن أن السورة تتحدث عن علم الله وسعة هذا العلم والسمع والبصر وهذا ما سيتبين لنا عندما الحديث عن النجوى وما يتصل بها (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)) وأيضاً (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ (6)) انظر سعة العلم، فسورة المجادلة سورة العلم الإلهي وبيان أن هذا العلم واسع وأن سمع الله واسع وأن بصره واسع وأنه محيط بكل شيء وأنه لا يفوت على الله شيء. ولذلك ذكر المنافقين فقال (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ (18)) وذكر الله U أمراً آخر يتصل بعلم ما في القلوب فقال (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ (22)) تحدث عن مودة الكافرين وتحدث عما عمّر الله به قلوب المؤمنين من الإيمان وهذا كله متصل بعلم الله U.

قال الله جل وعلا (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) قد يقول العلماء أنها للتحقيق أي تحقق سمع الله عز وجل لقول تلك المجادلة و(قد) إذا جاء بعدها الفعل الماضي فهي للتحقيق وإذا جاء بعدها الفعل المضارع فهي تكون للتقليل وتكون للتحقيق. أما القليل فهو شائع، تقول: قد يجود البخيل، فهذا من باب التقليل قد يكون البخيل جواداً هذا الأصل في استعمالها لكنها جاءت في القرآن كثيراً (قد) وبعدها الفعل المضارع دالة على التكثير كما في قول الله U(قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور) (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) الأحزاب) فهنا قد ليست هنا للتقليل وإنما هي للتكثير والتحقيق على بابها الأصلي. قال الله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) سمع سمعاً يليق بجلاله وعظمته، سمعاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته وأدرك ذلك جلّ جلاله وهذا مما نستدل به على أن الله لما أوحى بالقرآن إلى جبريل لم يأخذه جبريل من بيت العزة في السماء الدنيا فذاك الذي أنزل في بيت العزة في السماء الدنيا هو نسخة من القرآن أنزلت إلى ذلك الموطن للتشريف والتكريم لكن جبريل تلقاه كاملاً عن الله وألقاه على رسول الله ولذلك يرويه النبي e عن جبريل عن رب العزة والجلال بدليل أن الله قال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) حصل من هذه شكوى فسمع الله شكواها وأنزل هذه الآيات بعد شكواها. قال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) أي في أمر زوجها عندما ظاهر منها وزوجها هو أوس بن الصامت. (وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) ما آل إليه أمرها لأنها ظنت أنها قد حرمت عليه تحريماً مؤبداً. (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) يعني حوارها لك يا رسول الله وحوارك لها (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) فجمع السمع والبصر فهو قد سمع وأبصر فانظر عندما ترى هذه العوالم الهائلة لكنها في علم الله وفي سمعه ليست بشيء فالله محيط بها ومدرك لها ولا يخفى عليه من عباده خافية لا سمعاً ولا بصراً.

قال (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم) هذا جواب سؤالها يعني من ظاهر منكم أيها المؤمنون من امرأته فقال أنت علي كظهر أمي أو كظهر أختي لأنه لا فرق شبهها بمن تحرم عليه أو قال كبطن أمي أو كبطن أختي سواء متى شبهها بمن تحرم عليه صار الحكم عليه وهو الظهار. قال (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) هذا الذي قالوه كذبوا فيه هؤلاء ليسوا أمهات لهن بل هن زوجات قد أحلهن الله لهم. (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) أي ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم أمك التي ولدتك وهذه المرأة التي عندك لا يمكن أن تكون أماً لك فإذا قلت أنت علي كظهر أمي فأنت قلت شيئاً غير الذي شرعه الله وغير الذي قدّره الله. ولذلك (إن) هنا بمعنى (ما) وكثيراً ما تأتي (إن) في القرآن بمعنى (ما). قال الله عز وجل (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) هذه الكلمة التي تفوهوا بها منكر وزور، منكر لأنها إثم لا يليق بالمؤمن أن يقوله أو يتفوه به، حرام أن يقول الإنسان كلمة الظهار هي من المحرّمات ولذلك يجب فيها التوبة. وزور منحرف من القول مائل عن جادة الصواب، كيف تشبه ما أحلّ الله بمن حرّم الله؟! قال الله عز وجل (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) أي إن تبتم إليه وعدتم إلى جنابه واستغفرتموه غفر لكم ورحمكم. عفو يعفو عما جرى منكم إن استعفيتموه ويغفر أي يستر فالعفو كما يقال عفت الريح الأثر يعني طمسته ومسحته فهو يمسح ذلك. وهل يمسحه فلا يحاسبك عليه ولكن يفضحك به؟لا، فهو غفور أي يسترك فلا يفضحك بذنبك لا في الدنيا ولا في الآخرة. قال سبحانه (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ) هؤلاء الذين يظاهرون من نسائهم فيشبهون نساءهم بأمهاتهم بكملة الظهار التي هي أنت عليّ كظهر أمي، ثم يعودون لما قالوا أي يعودون للشيء الذي حرموه على أنفسهم وهو الجماع، يريدون العودة إلى الجماع العزم على الجماع والعودة إليه فهو الذي حرّموه على أنفسهم (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) فيجب عليهم أن يحرروا رقبة من قبل أن يمسها زوجها يعني من قبل أن يجامعها فلا يجوز له أن يقربها حتى يكفِّر وهذه الكفارة أول واحدة أن يعتق رقبة وهل الرقبة هنا مطلقة أو مقيدة؟ الصحيح أن الرقبة هنا مطلقة محمولة على المقيدة في آيات أخرى كما في آية كفارة القتل (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ (92) النساء) تحمل المطلقة على المقيدة هذا هو الصحيح ولأن معاوية ابن الحكم لطم جارية له فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أين هي؟ فجيء بالجارية فقال أين الله؟ قالت في السماء واشارات بإصبعها قال من أنا؟ قالت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة. فدل ذلك على أنه من شرط العتق أن تكون النفس المعتقة مؤمنة.

قال (مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) اشترط لصحة هذه الكفارة أن تكون قبل التماس. قال (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) أي تخوّفون به لأن مثل هذا الأمر يخوّف الإنسان من الوقوع في الفعل فالموعظة قد تكون بالقول وقد تكون بالفعل لأنها عقوبة بالغة تردع الإنسان عن الوقوع في مثلها (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) لاحظوا أن الكلام كله يدور حول علم الله (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فهو سبحانه ذو خبرة والخبرة هي الدقة في معرفة الأشياء، يقال فلان خبير في هذا الشيء أي يعرف هذا الأمر بدقة وخفاء (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). (فَمَن لَّمْ يَجِدْ) فمن لم يجد الرقبة (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي فيجب عليه أن يصوم شهرين كاملين متتابعين يوماً إثر يوم فلو صام 59 يوماً ثم أفطر اليوم الأخير لزمه أن يعيد الشهرين لأنه ما أقام التتابع. يستثنى من التتابع ما يستثنى في الصيام الواجب الذي هو فريضة الله على عباده السفر والمرض والحيض والنفاس والعيد وكل ما يمنع ويقطع الصيام الواجب فإنه يكون كذلك لأن صيام الكفارة لا يمكن أن يكون أعظم من الصيام الذي فرضه الله على عباده وجعله ركناً من أركان الاسلام. قال (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أيضاً (مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) من قبل أن يمسها ويقربها. (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) قال في الثالثة (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ) وقال في الثانية (فَمَن لَّمْ يَجِدْ) لماذا؟ لأن الرقبة ما يقال فيها الاستطاعة بل يقال من لم يجد الرقبة أو لم يجد ما يحصل به الرقبة كما هو الآن في عصرنا أصبحت الرقبة شبه عديمة وفي الصيام لم يقل فمن لم يجد وإنما قال (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ) لأنه معلق بالاستطاعة، وكيف يعرف الاستطاعة؟ هذه يوكل أمرها لصاحبها هل تستطيع أن تصوم شهرين متابعين؟ فإن قال لا والله لا أستطيع هذا أنا أعرف بنفسي فهذا الأمر بينه وبين الله I لكنه يجب عليه أن يتقي الله فإن كان مستطيعاً لم تبرأ ذمته لأن الله أوجب عليه كفارة، الصيام. قال (فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) يطعم ستين مسكيناً يعطي كل واحد نصف صاع من برٌ أو من طعام البلد أو يأتي بستين مسكيناً يغديهم أو يعشيهم أو يغديهم ويعشيهم. قال (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي فرضنا عليكم هذه الفرائض وأوجبنا عليكم هذه الواجبات وحرمنا عليكم هذه المحرمات ليوم ذلك ضريبة ايمانكم زيادة في غيمانكم بالله ورسوله. قال الله U(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) هذه أمور حدّها الله فلا يجوز لكم أن تتعدوها أو تتجاوزوا فيها فمن حدود الله أن لا تتلفظ هذه اللفظة وتقول لامراتك أنت عليّ كظهر أمي، هذا حد من حدود الله ما تتجاوزه. ومن حدود الله أنك إذا قلت ذلك وجب عليك أن تعق رقبة فإن لم تجد فتصم شهرين متتابعين فإن لم تستطع فتطعم ستين مسكيناً، هذه حدود الله فإياك أن تنتهكها أو تتعداها. قال الله U(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال بعض العلماء إنما ذكر الكافرين لئلا يقال هذه عقوبة في حق من آمن لأن الله قال (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم) منكم أيها المسلمون، والكفار الذين يظاهرون ماذا يصنع لهم؟ قال: هؤلاء لهم عذاب أليم. هؤلاء ما تنفع معهم الحدود ولا تنفع معهم العقوبات لفقدانهم لأصل الإيمان قال (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ). ثم قال الله U(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هذا تهديد في ترك حق الله والاستهانة بحدود الله انتبهوا أن تقولوا سنقول هذه الكلمة وإذا قلناها سنعود إلى زوجاتنا دون أن نكفِّر، فهذا من محادة الله ورسوله (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يكونون في حدّ والله ورسوله في حدّ (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أُهينوا وأُذِلوا كما أُذِل الذين من قبلهم من الأمم السابقة. (وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) واضحات لمن كان له بصر وعنده عقل ليس فيها ريبة فيها بيان حدود الله وفيها عقوبة من تعدى حدود الله (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) أما الكفار لهم عند الله العذاب المهين الذي هو في غاية الاهانة والذل.

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) اذكر يوم يبعثهم الله جميعاً يوم يبعث الله العباد جميعاً(فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) رجعنا لموضوع السورة الذي هو العلم الإلهي (فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) ينبئهم به لأنه كتبه عليهم قبل أن يخلقهم ثم كتبه عليهم بعد أن فعلوا وما كان شيء منه إلا بعلمه (فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا). ثم يقول الله كلمة عظيمة والله إنها لتهز الوجدان (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) ما رأيك لو أنك تذكرت أن كل ما مضى منك في عمرك عشرين ثلاثين أربعين خمسن عاماً كله قد أحصاه الله عليك وأنت قد نسيت أكثره ولا تكاد تذكر منه إلا ملامح قليلة جداً فإذا جئت يوم القيامة وإذا بسجلاتك مد البصر فيها جميع أعمالك وذنوبك وسيئاتك وخطاياك ما يغادر الله منها شيئاً كما قال الله عز وجل (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف).

قال الله عز وجل (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي حاضر لا يفوته شيء من أمر عباده. ثم أكد ذلك بقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) لا يغيب عليه شيء ولا يخفى عليه من أمر عباده ومخلوقاته شيء. وقوله (ألم تر) الرؤية يمكن أن تكون بصرية ويمكن أن تكون علمية ويمكن أن تكون حُلمية يعني رؤية الحلم تقول رأيت فيما يرى النائم في المنام. ويمكن أن تكون بصرية تقول رأيت فلاناً يمشي ويمكن أن تكون علمية تقول أرى أن الواجب كذا وكذا الرؤيا هنا علمية. هنا قوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) رؤية علمية يعني ألم تعلم أن الله يعلم ما في السموات والأرض أي جميع ما في السموات وجميع ما في الأرض لأن (ما) تدل على العموم. (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) "من" هنا جاءت للتدقيق في العموم لاستغراق جميع أفراد هذا الأمر أيّ نجوى قليلة كانت أو كثيرة، خافتة أو مجهورة عرف الناس أمرها أو لم يعرفوه، بين أيّ عدد من الناس. (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) معهم سبحانه بعلمه (وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) من شدة علمه بما يكون بينهم وأنه لا يخفى عليه من أمرهم شيء وأنه أقرب إلى المتحدث من المتناجين (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة) العجيب أن هذا المعنى جاء في سورة الواقعة وجاء في سورة الحديد (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ (4)) وجاء في هذه السورة فقال (وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) ومعية الله عز وجل كما ذكرنا نوعان: معية عامة لعموم الخلق كهذه الآية ومعيّة خاصة وهي التي تكون لعباده المؤمنين (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128) النحل) وهذه المعية هي التي تتقضي النصر والتأييد والحفظ والكلآءة أما المعية العامة فهي تقتضي السمع والبصر والعلم والاحاطة ولا يقصد بها الرعاية والحفظ والكلآءة والنصر والتأييد. قال عز وجل (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) في أي مكان كانوا، على رأس جبل أو في نفق أو في سرب في الأرض؟ (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ما هي العبرة بأنه كنب وأحاط بذلك علماً بل إنه سيبعثهم يوم القيامة فينبئهم بجميع ما عملوا كما قال (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) والاحصاء هو العدّ الشديد العدّ الدقيق الذي لا يغادر شيئاً. قال جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) هذا الذي أكّد لنا أن معنى المعية هو العلم لأن الآية افتتحت بالعلم واختتمت بالعلم فلما قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) علمنا أن معنى قوله (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) أنها معية العلم والاحاطة. ثم قال الله سبحانه وتعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) سؤال: ما الذي جاء بأمر النجوى؟ ألم نقل أن السورة تتحدث عن علم الله وعلم الله يظهر فيما هو معلن ومجهور به أو فيما يستخفى به ويناجى به؟ لا شك أن علم الله عز وجل يظهر في كليهما لكن إذا أردت أن تستدل على تمام العلم فإنك تذكر الخفي ولذلك جاء الحديث عن الخفي وجاءت هذه السورة  في حديث عن أمر خفي وله مناسبة بسبب نزول السورة فإن المرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحاوره وتناجيه فكانت تشتكي إليه عليه الصلاة والسلام وتقول إن زوجي وابن عمي قد ظاهر مني وإن لي منه عيالاً إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قد حرمت عليه يا خويلة لأنه ما كان عنده شيء في هذا الأمر فأنزل الله عليه الوحي وبيّن لها المخرج وهو الكفارة.

 

قال الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) قيل أن هذه الآية نزلت في جمع من اليهود كانوا إذا خرجت سرية من المسلمين فمرّ بهم أحد المسلمين ممن له قريب في السرية بدأوا يتحدثون ويشيرون إليه كأنهم يريدون أن يلقوا الرعب في قلبه وكأنهم قد بلغهم خبر عن تلك السرية أنه قتل فيها قريب هذا الرجل فأصبح المسلمون يتضايقون من هذه التصرفات فشكوا أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وهذا ذكره المفسرون والله أعلم بصحته لكن أسباب النزول نستفيد منها في بيان المعنى وإيضاحه لكنها لا تؤثر كثيراً. قال (ألم تروا  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ) يرجعون إلى ذلك الشيء الذي نهوا عنه من النجوى المحرمة. (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) يتناجون بالإثم وهو ما حرّمه الله والعدوان وهو العدوان على عباد الله، ومعصية الرسول ما نهى عنه الرسول e خاصة فإن قيل أليست معصية الرسول هي من الإثم؟ قلنا نعم ولكنها خصت تشريفاً وتكريماً لما يأمر به رسول الله أو ينهى عنه فإن المخالفة فيه عظيمة ولها من الحق والجزاء مثل الذي نهيتم عنه في كتاب الله أو عصيتم فيه من أمر الله جل وعلا. ولاحظوا أن (وَمَعْصِيَتِ) كتبت بالتاء المفتوحة فإذا وقفنا عليها نقف عليها بالتاء فنقول (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ) إذا وقفنا عليها نقف بالتاء فإن قلت هل يصح هذا؟ قلنا نعم، هو من كلام العرب يقفون أحياناً على الهاء المربوطة بالتاء ومنه قول رجال الهيئة عندنا الصلاه الصلاة ويقول الناس عندنا أدّينا الزكاة بالتاء وهي هاء مربوطة. قال الله عز وجل (وَإِذَا جَاؤُوكَ) هذا يدل على أن هذه حدثت بالمدينة قال (وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) أي سلموا عليك سلاماً لم يشرعه الله لك ولم يحيك به الله بل هو سلام مدسوس منحوس يريدون به تفريغ شحنات العداوة والكراهية التي في قلوبهم عليك يا محمد صلى الله عليك وسلم. كانوا يقولون السآم عليك يا محمد وكان النبي e يسمع لكنه لما أوتي من سعة الحلم عليه الصلاة والسلام يقول وعليكم، يعني هذا الذي أعطيتمونا إياه نرده عليكم، ما هو؟ طيب أو خبيث سيرجع عليكم فكانت عائشة تسمع ولما فيها من الشباب وقلة الحلم لأنها ليست في مثل حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول وعليكم السآم والذام واللعنة فيقول لها رسول الله e: يا عائشة عليك بالرفق فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، فتقول يا رسول الله ألم تسمع إلى ما قالوه؟ فيقول: ألم تسمعي إلى ما قلت له؟ فإنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، اللهم صلّ على محمد، اللهم صلِّ على محمد معدن الخلق والكرم والصفاء والنقاء والحلم وسعة الصدر حنى مع هؤلاء الأنذال الأرجاس قتلة الأنبياء. قال الله عز وجل (وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) يقولون في أنفسهم نحن نقول هذا لمحمد فلو كان محمد رسول من عند الله لعذبنا الله بقولنا له السآم عليك يا محمد، إذن نحن على الحق وليس هذا برسول الله من عند الله لأنه لو كان رسولاً من عند الله لأنزل الله علينا عقوبة فلما لم ينزل دلّ ذلك على أنه ليس رسولاً وأننا على حق عندما دعونا عليه وهذا من جهلهم فإن الله I قد جرت عادته أنه يمهِل ولا يُهمل وأنه قد يستدرج الظالم حتى يوقعه في عاقبة معصيته نسأل الله العافية والسلامة. (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا) يقول الله عز وجل كافيتهم جهنم سيأتيهم عذاب لا يصبروا عليه ويستغيثون من هوله (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي بئس المرجع ذلك المرجع الذي يؤلون إليه. ثم قال الله عز وجل للمؤمنين موجهاً ومربياً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ) إذا تخاطبتم فيما بينكم وأسرّ بعضكم إلى بعض حديثاً أو كنتم في مجلس خاص بكم تتناجون وتتحدثون فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، إياكم أن يكون تناجيكم في شيء من هذه الأمور الثلاثة الإثم كالغيبة والنميمة والحسد والاستخفاف بالمسلم والتحقير له وإشاعة المنكر أو الفاحشة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (19) النور) وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات وكلمات السحر كل هذا إثم. (فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) والعدوان هو الاعتداء على الآخرين والظلم لهم كأن تنتقص من عرض أخيك أو تعين على أذى أخيك، هذا عدوان. (وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) هذا تخصيص بعد تعميم لبيان أن معصية الرسول e ليست خارجة عن ذلك ولعل التنصيص عليها إنما كان بمناسبة أنه عُصيَ رسول الله e في هذه الحادثة بذاتها لأن النبي e لما اشتكى إليه الصحابة من هؤلاء الذين يتناجون فيزعجوهم نهاهم عن التناجي فلم يستجيبوا فقال الله U(وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) ثم أعطاهم البديل قال (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) تناجوا بطاعة الله والتناهي عن الدخول في الآثام، يعني تناجوا بما يزيدهكم براً وتقوى لله U، تناجوا، ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف بالصدقة بالخير، ليقل أحد منكم حديثاً أو آية أو لينصح أصحابه أو إخوانه في أمر من أمور الخير أو ينهاه عن أمر من أمور الشر أو مما حرمه الله سبحانه وتعالى على عباده. والبر والتقوى إذا اجتمعا في القرآن دل على البر على الطاعة والتقوى على اتقاء المعصية أما إذا جاءت التقوى وحدها أو البر وحده فإنه يدل على الأمرين. قال الله I(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي خافوا من الله الذي سيكون حشركم ومآلكم إليه. ثم قال الله عز وجل مبيناً ماذا يحصل من النجوى فقال (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) هذه النجوى ما يوحيها إليكم ويزينها في صدوركم إلا الشيطان فهي من الشيطان ومن وحيه وإملائه ووسوسته فإياكم أن تستجيبوا له. ولذلك قال النبي e مرشداً ومؤداً اصحابه وأمته: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه. إذا كنت في مجلس أنت وصاحبك لا تحدّث صاحبك سرّاً تخفيه عن الثالث لأن ذلك يوقع في قلبه شراً وأذى فيظن أن هذين يتآمران عليه فيجب عليك أن تتقي الله U، تتحدثون بحديث يسمعه الجميع ويفهمه الجميع. ومثلها أن يتحدث اثنان بلغة يخفيانها عن الثالث فإن هذا مثل النجوى، ما الفرق؟ فيقال لا، تحدثوا بلغة نفهمها جميعاً إلا إذا اختلطتم بالناس وصار هذا الشخص معه آخرون أو تفرقتم فلكم ذلك. قال (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) من أجل أن يصيب المؤمنين بالحزن فيحزنوا ويصيبهم كثير من الأذى النفسي. قال (وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا) يعني هذه النجوى لا تضرهم شيئاً لماذا؟ لأن ما يقدّره الله سيكون فالنجوى لا تقدّم من قدر الله ولا تؤخر من قدر الله شيئاً (وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) إلا أن يأذن الله بشيء من الضرر ينزل به وإلا فلا يكون من أصل النجوى ضرر إنما الضرر يكون بأمر الله U ولذلك أمرهم بأن يعتصموا بالتوكل قال (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي ليتوكلوا عليه وحده ويلوذوا بجنابه ولا يخافوا أحداً سواه وأن يطّرحوا هذه الأحاسيس وهذه الأحزان وهذه الظنون التي يتوقعون أن تصل إليهم من النجوى، لا، توكل على الله، لا تبالي، ترى الناس تخطط وتدبر من أجل أن تكيد لك وتعتدي عليك فاعلم أنه لن يصل إليك ن عدوانهم ومكيدتهم إلا شيء قد شاء الله U أن يصل إليك توكل على الله وامضِ لما أمرك الله ولا تبالي فإنه لن يقع إلا ما قدّره الله. ولاحظوا قوله (وَعَلَى اللَّهِ) قدّم الجار والمجرور للدلالة على الحصر لأن التوكل لا يكون إلا عليه فكأنه يقول: وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون لا على أحد سواه جعلني الله وإياكم من المتوكلين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل