تفسير سورة الحديد - المجلس الثاني والأخير- د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الحديد - المجلس الثاني والأخير-

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)).

قرئت (إن المصدّقين والمصدّقات) فإن كانت بهذا المعنى فقد جمعت الإيمان والإنفاق، يعني إن المصدقين بالله والمصدقات بالله وأقرضوا الله فجمع ما جمعه أو ذكر ما جمعه في أول السورة (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فهذه تأكيد لذلك المعنى الذي جاء في أول السورة وتردد في ثناياها. وإن كانت بمعنى (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ) فهي المصّدق هو المتصدق لكن أُدغمت التاء في الصاد مثل ما أدغمت التاء في الزاي في قوله (الْمُزَّمِّلُ) والتاء في الدال (الْمُدَّثِّرُ) ونحوها. قال (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي أنفقوا من أموالهم استجابة لأمر الله على وجه القرض يريدون بذلك المثوبة عند الله عز وجل والله غني عنهم وعن ما عندهم. قال (يُضَاعَفُ لَهُمْ) أي جزاؤهم يكون بالضعف ليس عند الله جزاء بالنصف أو بالربع أو بالثلث كما هي أرباح العالم. أرباح العالم الآن يقيسونها بعشرة بالمئة وإذا زادت ونمت عشرين بالمئة وإذا كانت كثيرة وغريبة ومستنكرة صارت ثلاثين بالمئة أما عند الله عز وجل فهي بالأضعاف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعف إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك بها عند الله سبعمئة ناقة مخطومة» الله أكبر! ربح البيع والله!. قال الله عز وجل (يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) لهم عند الله أجرٌ حسنٌ جميل والكريم هو النفيس في بابه. حتى الكريم في العباد هو ليس الذي يسخو بالمال، الكريم هو النفيس العالي الغالي الرفيع القدر، ولذلك يقال كريمة فلان كريمته يعني إما أن تكون عينُه لأنها غالية عليه وإما أن تكون ابنته لغلائها عليه فلا يضعها إلا عند من يثق به، والأحجار الكريمة هل هي الغنيّة؟ أو السخية؟ لا، الكريم هو النفيس فلماذا سمي السخي كريماً لأن من يسخو بماله يكون رفيع القدر بين الناس فسُميَ كريماً من هذا الباب.

قال الله U(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) من هم الصدِّيقون؟ أفضل تعريف لها هو قوله (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وإذا جاء الوصف فالمراد به كماله، يعني الذين آمنوا إيماناً تاماً كاملاً بالله وبرسوله e هؤلاء هم الذين ينطبق عليهم وصف الصديقية لأنهم صدّقوا تصديقاً تاماً يستحقون معه أن ينالوا الصدّيقية التي نالها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

قال (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) هذا صنفٌ آخر من المؤمنين وهم الشهداء وهم دون الصدّيقين (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) أي لهم أجرهم عند الله بما بذلوا من أرواحهم، ولهم نور عند الله U جزاء ما قدّموا من العمل الجزيل العمل العظيم وهو أنهم بذلوا أنفسهم لله U، هذا قول في الآية وهو أن الوقف يكون عند الصديقون ويُبتدأ بالشهداء. والقول الثاني (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ) ثم يبدأ بقوله (لَهُمْ) أي للصّدّيقين والشهداء (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) والظاهر هو الأول لأن الجملة الأولى (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) هذا صنف من المؤمنين والثانية (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) وأما الصنف الثالث فهم الذين كفروا وكذّبوا قال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).

ثم بيّن الله U حقيقة هذه الحياة لئلا يغترّ بها الناس ولئلا يطمعوا فيها ويلهوا بها ويَدَعوا ما خُلِقوا لأجله فقال (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) هذه الحياة التي ترغبون فيها لا تستحق هذا العناء ولا تستحق هذا الإكرام ولا تستحق ذلك التفرّغ وذلك الاهتمام الذي يبديه كثير من الناس بها فهو ينشغل بها ويكثر فيها من التردد واللهو واللعب والتزين حتى تُشغِله عن آخرته. قال مبيّناً حقيقتها هي شيء فاني، شيء زائل والشيء الزائل ما ينبغي للإنسان أن يتعب فيه وأن يتعنّى له بل يكتفي منه بالقليل. قال الله U(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) اللهو يقول العلماء ما كان في القلب واللعب ما كان في البدن. قال الله U(لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) فنسب اللهو إلى القلوب لأن القلب يلهو أي يتشاغل وأما اللعب فهو في الأبدان. (وَزِينَةٌ) أي هي شيء يتزين به الناس والعادة أن الزينة شيء يكون ثم يزول (وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ) غالب ما نحن فيه مما نركض له ونتعب فيه هو لأجل التفاخر، فأنا الآن راتبي يكفيني خمسة آلآف وإلا سبعة آلآف ولكني مع ذلك أرغب في أن يكون لي مال أكثر حتى اذا جلست في المجالس ذكرت بأن عندي من المال وعندي من الثروة وعندي من المجالس وعندي من البيوت وعندي من الاستراحات وعندي من السيارات وعندي من البساتين ولي من السفرات وعندي من الفنادق وعندي من المنشآت والأعمال أفاخر، وهذه قد جُبِلت عليها النفوس لكن المؤمن ينبغي أن يكبح جماح نفسه ولذلك تجد الأطفال يتمنون أن يكون عندهم أشياء حتى إذا جلسوا مع نظرائهم من الأطفال يقول عندنا كذا وعندنا كذا يفاخر، يفاخرون بهذه الأشياء. (وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) فتجد الناس إنما يريدون المكاثرة أنا أقول لكم مثالاً يعني يذكر بعض التجار يقول خمسين مليون تغطي جميع احتياجات الانسان لو أراد أن يعيش خمسين عاماً خمسين مليون تغطي جميع احتياجاته مع شهواته ومع ما يرغبه فيه وجميع مأكولاته وما يحتاجه، كافية. هؤلاء التجار الذين حصلوا خمسين مليار ومائة مليار ومع ذلك لا يتفرّغون لصلاة ولا يؤدّون زكاة ولا ينفقون في سبيل الله ماذا يريدون؟ لكن كما قال الله عز وجل التكاثر، فلان أكثر مني كيف أصير أكثر منه؟ وما يزال يكاثر يكاثر حتى يكثّر هذه الأصفار فتجعله هذه الأصفار صفراً يأتي إلى الله عز وجل وليس بيده عمل صالح!. قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)، (كَمَثَلِ غَيْثٍ) نزل فأعجب (الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) إما أن يكون الكفّار هم الزُرّاع وإما أن يكون الكفار هم الكفار حقيقة أُعجبوا بنباته (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) حقيقة الدنيا مثل حقيقة هذا الزرع الذي ترونه أو هذا الربيع الذي يكون عندما ينزل المطر تخضر منه الدنيا ثم بعد أيام إذا به ييبس ثم يكون هشمياً ثم يسودّ ثم يطير في الهواء كذلك دنياكم. فإياكم أن تغتروا بها! صحيح أنكم تبقون ستين أو سبعين عاماً وأنتم تمارسونها وتعالجونها لكن هي بالمختصر هي نفس مدة خروج هذا الزرع بسبب المطر ثم تلاشيه وتحطّمه وذهابه وفناؤه، فلا تغتروا بذلك الفاني. قال الله عز وجل (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) ما عندكم إلا طريقان: إما العذاب الشديد وإما المغفرة والرضوان، فماذا أعددتم لاتّقاء العذاب الشديد؟ وماذا أعددتم للحصول على المغفرة والرضوان؟ هذا سؤال يجب أن يسأله كل إنسان نفسه. وهذا المال الذي بأيديكم وهذه الدنيا التي تُمتّعون بها يجب أن تستعدوا بها لهذين المصيرين العذاب الشديد أو المغفرة والرضوان. قال الله عز وجل (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)) والمتاع يقال في الشيء الذي يُستمتع به ثم يزول وهو يغرّ وهذه مصيبتها أنها تغرّ، كم من إنسان غرّته ثم تركته بعدما تركها أو طلقته؟!.

قال الله عز وجل (سَابِقُوا) هذا هو الحل. أنت إنما خُلِقت لتسابق إلى تلك المغفرة والرضوان. (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) بأي شيء؟ بالعمل بالإيمان والإنفاق. (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) جنة عرضها كعرض السماء والأرض، فإن قال إنسان إذا كان عرضها السماء والأرض فأين النار؟ قلنا سبحان الله! هل ما لله من المخلوقات إلا السماء والأرض؟ عرضها السماء والأرض ليبين لك سعتها وعِظَمها لكن لن يقول لك إن خلق الله هو السماء والأرض، خلق الله السماء والأرض وفوقهما عوالم لا يعلمها إلا الله ودونهما وبينهما. قال الله عز وجل (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي هذه الجنة أُعِدّت لمن آمن بالله ورسله (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)) أي لن تكسب هذا الإيمان ولن يقر في قلبك إلا بفضل الله فاسأل الله من فضله وإياك أن تعتمد على عقلك وذكائك فعامة أذكياء العالم يرديهم ذكاؤهم فلا يوصلهم إلى رضوان الله ولا إلى جنته، لأنهم يعتمدون على الذكاء وينسون الفضل واللهِ ما ينزل من خير إلا بفضل الله ولا يوقى الإنسان من شر إلا بفضل الله، فاسأل الله الكريم من فضله.

قال الله U(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) أي ما حلّت مصيبة بأحدٍ منكم في الأرض أو في أنفسكم إلا كانت تلك المصيبة قد كُتبت في كتاب عند الله في الأزل قبل أن يخلق السماوات والأرض وهذا أحد مراتب القدر لأن مراتب القدر أربعة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، فهذا أحد مراتب القدر. قال (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ) ما وقعت مصيبة (فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) إما أن نبرأ النفس أو أن نبرأ الخليقة أو (أَنْ نَبْرَأَهَا) أي نبرأ المصيبة من قبل أن نقدّر هذه المصيبة فهي مكتوبة في الأزل. قال الله U (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) كنتم تستعظمون ذلك وتقولون هل كل شيء يحدث ويكون قد كُتِب؟! نقول نعم، يقول هذا شيء عجيب! الآن حركة يدي ولساني وشفتي مكتوبة في اللوح المحفوظ عند الله قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام؟! نعم، مكتوبة بكل دقائقها وتفاصيلها، هذا شيء عظيم! (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) هذا الذي تستعظمه أنت وتراه شيئاً هائلاً هو شيء يسير على الله U. أول ما خلق الله القلم قال اكتب فكتب مقادير الخلائق، سبحان الله! كتب كل شيء وهو موجود وينزل في كل عام من ذلك اللوح ما سيكون في ذلك العام في ليلة القدر، سميت ليلة القدر لأنه يقدَّر فيها مقادير ذلك العام من شقاوة وسعادة وحياة وموت ورزق وفناء إلى آخره.

قال الله U إنما كان ذلك وبيّناه لكم وأنه لا يقع شيء إلا وقد كُتِب وقُدِّر (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) لا تحزن على شيء قد فاتك هذا الذي فاتك قد كُتِب من زمان لا تظن أنه حصل بسبب فلان أو علان هو مكتوب. ولذلك المؤمن تجده يقال له احترق بيتك أو ذهبت سيارتك أو مات ولدك فيقول "إنا لله وإنا إليه راجعون" ويعلم أن هذا مكتوب في الأزل لم يستجد شيء وهؤلاء الذين مثلاً كانوا في الظاهر أسباباً في الحقيقة هم ليسوا إلا طريقٌ لقدر الله عز وجل. قال الله عز وجل (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) هذا الذي جاءك لا تظن أنه بكسبك وجدِّك ولا بقدرتك وإنما هو قدر الله فيك. قال الله جل وعلا (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) هذا الذي يختال على العباد بمشيته وهيئته وبزته ويفخر عليهم بلسانه لا يحبه الله سبحانه وتعالى ثم ما الذي يدعوه إلى أن يختال والله وهو الذي قدّر ما هو فيه من الغنى ما هو فيه من النعمة ما الذي يدعوه إلى أن يختال؟! أنت ما فيك من الغنى وما عندك من القوة كله من عند الله وبتقدير الله فما الذي يدعوك إلى أن تتكبر وأن تتعالى؟! لا داعي لذلك أبداً. قال الله U(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) قد يكون هذا شرحاً لقوله (لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) من هم؟ (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ).

قال الله U(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) أي لا يحب ذلك المختال الذي يختال على العباد في مشيته وفي بزته وهيئته ويفخر عليهم بلسانه بل يجب على الإنسان إذا أنعم الله U أن يجعل مقابل النعمة شكراً وإذا ابتلي أن يجعل مكان البليّة صبراً، هذا هو الواجب عليه لا أن يفخر على العباد ولا أن يختال عليهم ويتكبر. كما أن الله إذا رزقك فإياك أن تبخل أو تأمر الناس بالبخل قال (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ) عن أمر الله وطاعته (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)) أي الغني عن عباده وعن كل خلقه المحمود في أفعاله فحميد فعيل بمعنى مفعول أي محمود على كل أفعاله ليس كما يفعل كثير من الأغنياء تجدهم إذا جاءهم شيء من الغنى بذّروا المال وبدّدوه يميناً وشمالاً فلا يُحمَدون لا في فقرهم ولا في غناهم أما الله I فهو الغني الكامل الغنى المحمود في كل أفعاله جل وعلا.

ثم قال الله U(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) يقرِّر الله عزّ وجل حقيقة عظيمة وهي أنه أرسل الرسل بالبينات يعني بالآيات الظاهرات والدلائل الباهرة والمعجزات التي لا تدع فرصة لأحد أن يشك في نبوة هؤلاء الأنبياء مثل العصى واليد والقرآن وإبراء الأكمه والأبرص وغيرها من الآيات التي جعلها الله بأيدي أنبيائه ورسله. قال (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) ما من نبي بُعِث إلا وقد جعل الله U معه كتاباً إما أن يكون هذا الكتاب نَزَل عليه أو نزل على نبياً قبله لكن الرسل أُنزلت عليهم كتب كما قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) أي الكتب فالكتاب هنا اسم جنس يراد به الكتب. قال (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) أي العدل (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ليقوم الناس على الميزان والعدل وهذه الآية يستدل بها العلماء على القياس يقولون إن ما جاء في الشريعة إما شيء منصوص عليه في الكتاب أو شيء مقيس عليه وهذا هو الميزان وآيات القرآن جاءت بهذا تجد فيها ما هو نصٌّ على المسألة وفيها ما هو دليلٌ عام يصلح لتلك المسألة المعينة ولنظائرها مما يمكن أن يُقاس عليه. قال (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)) في سورة الشورى وهنا (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) ليزنوا هذه الأمور بما جاء في الكتاب. قال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) أي بالعدل. (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) هذا هو الذي سميت به السورة إشارة إلى أن الله ما أنزل ما أنزل من هذه الكائنات التي بأيدينا إلا لنستعملها في طاعته ونشكره بها. قال (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) جعل الله الحديد محلاً للنصرة، لكن نصرة ماذا؟ نصرة الحق وهذه الآية نستدل بها على أنه ينبغي لأهل الإيمان أن يسابقوا إلى كل معطيات الحضارة التي يُنتَفع بها فيسبقوا إليها ويسخروها لخدمة الدين ولا يبقوا متفرجين، جاء الإعلام وسكتنا استولى عليه المنافقون والليبراليون والعلمانيون واستولى عليه الكفار وصاروا يضلوننا في بيوتنا وفلت أبناؤنا وأهلونا منا وصار موقفنا موقف المتفرج! يا أخي هذا الإعلام وسيلة انصر به الدين، الحديد وسيلة انصر به الدين، أنزل الله الحديد فيه بأس شديد وجعل فيه منافع للناس (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) والحق لا بد فيه من برهان ساطع وسيف قاطع. الحق الذي ما معه سيف يبقى ذليلاً، انظروا إلى الصحابة متى أسلم أكثرهم؟ بعدما غلب رسول الله e. هل تغير الحق الذي جاء به رسول الله شيء؟ يعني الذي دعا إليه وهو في مكة غير الذي دعا إليه وهو في المدينة؟ لا، ولكن النفوس مجبولة على قبول الحق الذي معه قوة. والآن ديننا هو هو الذي كان في عهد رسول الله ما الذي جعل الناس الآن يُعرِضون عنه وأهله يزهدون فيه؟ لأنه ضعيف أو لأن أهله ضِعاف ما نصروه بالقوة التي خلقها الله وأوجدها فيما خلق وأوجد من الكائنات. فعلى المسلمين أن يقوموا جميعاً وينصروا دينهم بما أتاح الله لهم من الموارد والمواد والكائنات ليتحقق بذلك أمر الله لأن أمر الله ما يتم إلا بحق وبرهان ساطع وسيف قاطع أما أن يكون يقوم به أحدهما دون الآخر لا، نعم يؤذَن لأحدهما عند حالة الضعف مثل في حالة النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة كان يقوم بالحق بالبرهان والحُجّة فلما تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة الدولة نصر الحق بالحجة وبالقوة قال (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) الله سبحانه وتعالى قوي له القوة الكاملة وعزيز له المَنَعة التامة لا يستطيع أحد أن يغلب الله سبحانه وتعالى أو يهزم جنده كما سيأتي في سورة المجادِلة .).

قال الله عز وجل (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا) بعدما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان خصص فذكر نبيين كريمين عظيمين من نسلهما جاء الأنبياء كلهم فذِكْرهما مُغْنٍ عن ذكر جميع الأنبياء لأنه ما من نبي إلا وهو من ذرية نوح وما من نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذرية إبراهيم. قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) النبوة التي هي فضل من الله I والكتاب الذي هو هدى من الله يهدي به الله من شاء من عباده والمقصود بالكتاب هنا الكتب لأن هذا اسم جنس. (فَمِنْهُمْ) أي من هؤلاء الذين بُعِثَ فيهم هؤلاء الأنبياء (مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)) كما قال الله U(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).

قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا) يعني أتبعناهم بأعداد كثيرة من الرسل. (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي أتبعنا بعيسى ابن مريم فهو آخر الأنبياء والرسل قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) جعلنا الإنجيل كتاباً أنزل إليه عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) جعل الله في قلوب أتباع عيسى الرأفة والرحمة وهذا ظاهر فإنك تجد أن الإسلام في النصارى أكثر من الإسلام في اليهود أو في الأمم الأخرى وهذا من وجود أصل الرحمة والرأفة في قلوبهم. ولكن إذا حصل لهم طغيان أو غير ذلك فهم كسائر البشر لكن عندما تقارنهم بغيرهم تجدهم أقرب من غيرهم. قال (رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) أي أمة عيسى أو أتباع عيسى جاءوا بالرهبانية والرهبانية هي التعبد أو الخلوص للتعبد والعبادة الكثيرة التي ألزموا بها أنفسهم ولم تكن لازمة لهم من عند الله كالانقطاع عن الزواج والبُعْد عن الناس والبقاء في الصوامع والزُهد في الحياة وترك مباهجها تماماً هذه الرهبانية هم جاءوا بها ما أنزلها الله على عيسى ولا أمرهم بها عيسى عليه الصلاة والسلام. قال (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) نحن ما كتبناها عليهم لكنهم فعلوها يبتغون بها رضوان الله وما أصابوا. ولذلك قال الله (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) ما أدّوها كما ينبغي أن تؤدّى وكما التزموا على أنفسهم ولذلك قال (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. قال (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أنهم قصدوا بذلك رضوان الله ويمكن أن يقال ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. قال الله عز وجل (فَمَا رَعَوْهَا) أي ما رعوا هذه الرهبانية حقّ رعايتها. قال الله جل وعلا (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) الآن يبيّن أجر من آمن من أهل الكتاب، ألم نقل لكم إن هذه السورة في الإيمان والحث عليه والدلالة إليه وبيان فضله ودعوة الأمم إلى التسابق إليه؟. قال (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)) وقد بيّن في سورة القصص أن الله U قد جعل لمن آمن من أهل الكتاب أجرين (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) لماذا؟ لأنهم آمنوا بنبيّهم ثم لما جاءتهم دعوة محمد e آمنوا بها فيؤتيهم الله أجرهم مرتين. وهذا سيبين لنا كيف أن الله U يمتنّ على هذه الأمة حتى لا يتفوّق عليها أحد فيقول جلّ مِنْ قائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) ماذا؟ (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) لأن الصحابة قالوا كيف يكون النصارى واليهود خير منا ونحن الأمة المفضلة والخاتمة؟! ونبينا هو النبي الكريم صاحب الفضل العظيم؟ فالله Uقال لهم اطمئنوا فأنتم ستؤتون أجركم مرتين (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وهو القرآن. ولاحظوا أنه قال (نُورًا) ينوّر لكم الطريق وهذا النور قد جاء في أول السورة ذكره الله U في أول السورة في قوله (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)) وهنا قال (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا) فتستنير به صدوركم وتستنير به حياتكم وتبصرون به ما في قبوركم وما في آخرتكم ولذلك المؤمن هو الوحيد الذي يعرف ماذا سيستقبل؟ الآن إذا ودّعنا جنازة عارفين الآن ماذا سيجري معها والناس حوله في القبر قد غطّوه، ندري ما هو الذي يجري الآن والعالم كله لا يعرف إلا نحن. الآن يأتيه ملكان منكران فظيعان فأحدهما يقال له مُنكَر والثاني يقال له نكير فيُقعدانه ويسألانه من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ ويجيب بالإجابة المعروفة إن كان من أهل الإيمان أو يقول هاه هاه لا أدري، فيُضرب بمرزبة من حديد فيغوص لها سبعين أو كذا وكذا في الأرض، نسأل الله العافية والسلامة، ثم يفتح له باب إلى الجنة أو باب إلى النار ويقول الآن في هذه المقبرة ربي أقم الساعة، ربي أقم الساعة، أو يقول ربي لا تقم الساعة، ربي لا تقم الساعة، هذا هو الوحيد المؤمن الذي يعرف ذلك لماذا؟ لأن عنده نور يُبصِر به ما يشاهَد وما هو غائب ما هو مُدرَك وما لا يُدرَك. قال (نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) انتبه، هذا النور ما هو في المسجد موضوع في رفٍ من الرفوف نفتحه أحياناً فننظر إليه ثم نغلقه، لا، (تَمْشُونَ بِهِ) أي تعملون به وتهتدون به وتهدون به عباد الله. وإلا فما فائدة النور؟! واحد يقول عندي لمبات في البيت أين هي؟ نحن الآن في مكان مظلم قال لا أنا في البيت عندي لمبات ما الفائدة؟ دع لمباتك عندك، ما نبغاها نبغى النور الذي يكون معك في كل مكان تهتدي به في كل موطن وتهدي به غيرك (تَمْشُونَ بِهِ) كما قال في سورة الأنعام (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) اسمعوا (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) لا والله لا يستويان. ولذلك المقارنة الحقيقة بين من يكون له نور ويمشي به في الناس يتنقل بين الأحياء «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». قال الله عز وجل (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) يعطيكم من وراء ذلك المغفرة إذا أخطأتم أو حصل منكم ما حصل. (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)) جمع لكم بين المغفرة والرحمة وقدّم المغفرة لأن الرحمة لا تُنال إلا بعد المغفرة فالله يغفر لكم ثم يعطيكم تلك الرحمة وهي الجنة. قال (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) قال العلماء معناها (لِئَلَّا يَعْلَمَ) أي ليعلم (أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). يقولون إن (لا) تدخل في الكلام الذي يكون في أوله أو آخره جَحْد وتكون للتأكيد، فقوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ) أصلها ليعلم أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ. لأن الآية جاءت  في المفاضلة بين هذه الأمة والأمة التي قبلها فبيّن الله أن الله يعطي من آمن بالله واتقى يعطيه كفلين من رحمته ويجعل له نوراً يمشى به في الناس ويغفر له والله غفور رحيم، ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل كله بيد الله سبحانه وتعالى قال (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) فهذه الأمة جاءت خاتمة وآخرة وعملها قليل لكن فضل الله عليها عظيم قد فضلها الله على من تقدّمها من الأمم ولا أدلّ على ذلك من يوم الجمعة فإنه قد أخطأته أمّتان قبلنا اليهود والنصارى لليهود السبت وللنصارى الأحد وقد خبّأه الله لنا فجعل لنا يوم الجمعة وهو اليوم الذي خُلق فيه آدم وهو اليوم الذي تقوم فيه القيامة وهو اليوم الذي أُهبط فيه آدم من الجنة إلى آخره.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإياكم بالقرآن العظيم. ولا أنسى أن أذكر هذا الحديث العظيم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَل المسلمون واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجرٍ معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا في أن أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا له بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أُجرة الفريقين كليهما - سبحان الله! - فذلك مَثَلهم ومَثَل ما قبِلوا من هذا النور» ولهذا قال الله تعالى (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) أي ليتحققوا أنهم لا يقدرون على ردّ ما أعطاه الله ولا إعطاء ما منع الله سبحانه وتعالى (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)). 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل