تفسير سورة الواقعة - المجلس الثاني والأخير - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 تفسير سورة الواقعة - المجلس الثاني والأخير

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)).

ثم تحدثت الآيات عن السابقين وما أعدّ الله لهم من النعيم ثم عن أصحاب اليمين. وفي هذا المجلس نتحدث عن أصحاب الشمال نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شرّهم وأن لا يجعلنا منهم. قال الله عز وجل (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41)) وأصحاب الشمال الذين يأخذون كتابهم بالشمال أو الذين كانوا يوم أن خلق الله آدم على شمال آدم أو يكونون يوم القيامة في جهة الشمال لأن الناس ينقسمون إلى فريقين: فريق في اليمين وفريق الشمال. قال (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41)) أيّ شيء هؤلاء القوم؟ إنهم قوم قد كفروا بالله وسيلاقون عذاب الله. قال الله عز وجل (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42)) انظروا: شيئان يحب الإنسان فيهما البرودة الهواء البارد والماء البارد فقَلَب الله عز وجل هذين الشيئين على هؤلاء الكفار فأما الماء فيأتيهم حميماً أي شديد الحرارة حتى إنهم إذا أدنوا الماء إلى أفواههم سقطت جلدة وجه أحدهم في إناء الماء من شدة الحرارة التي يكون عليها ذلك الماء (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) الكهف) مثل درديّ الزيت يعني المغلي من الزيت نسأل الله العافية والسلامة. وما أشدّ حرارة الزيت! ولذلك تلاحظ إنه من حين ما يوضع في الزيت شيء مباشرة ينشف وييبس من شدة ما يصيبه من أثر الغليان. فكذلك الماء الذي يُسقى به هؤلاء الكفار نسأل الله العافية والسلامة. وأما الهواء قال (فِي سَمُومٍ) والسَموم هو الهواء الحارّ الشديد الحرارة الذي إذا مرّ بالوجه أحرقه. قال الله عز وجل (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43)) وأيضاً هناك شيء ثالث يحب الإنسان أن يكون بارداً بل يلجأ الإنسان إليه لتحصيل البرودة وهو الظلّ ظلّ الأشجار أما الكفار فلهم ظلّ من دخان، وهذا الظل (مِنْ يَحْمُومٍ) يعني من الدخان اللاهب الذي لا يأنس منه الكفار إلا الحرارة ولا يجدون منه إلا الضيق كما قال الله (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) المرسلات). قال الله عز وجل (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)) أي ذلك الظل ليس بارداً حتى يتبرّدوا من حر النار أو من الحميم. ولا كريم ليس بطيب المنظر ولا طيب العاقبة، وكلمة كريم يقولون إن العرب تستعملها للإتباع كثيراً يعني زيادة في الوصف ومبالغة في البُعد عن الشيء الطيب. فيقولون مثلاً هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، ويقولون هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم، وهذه الدار ليست مضيفة ولا كريمة. قال الله عز وجل مبيّناً ما السبب الذي وصلوا فيه إلى هذا الجزاء قال (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45)) هذا هو السرّ كانوا يعيشون في نعمة وكانت هذه النعمة قد غرقوا فيها وأُترفوا جاءتهم من كل مكان، لكن هل شكروا الله عز وجل؟ لم يشكروا الله ولم يستعملوها في طاعة الله. (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)) يصرّون على الشرك وكأن معنى هذا أنهم يعلمون أنه شرك ويصرّون عليه ويقيمون عليه ليس لأنهم لم يُدركوا الفرق بين الشرك والتوحيد ولكنهم عرفوا أن هذا شرك وأنه لا يليق بالمؤمن أو لا يليق بالإنسان ولا بالعبد ومع ذلك أصروا عليه وأقاموا ودافعوا ونافحوا فاستحقوا بذلك هذا الجزاء الذي أعده الله لهم في النار. وقيل (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)) أي يصرون على اليمين الغموس والأول أولى والله أعلم. (وَكَانُوا يَقُولُونَ) أيضاً من أسباب دخولهم النار (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48)) يعني أنكروا البعث مع ذلك فكانوا يقولون هل نحن إذا متنا سنبعث؟ لا، لن نبعث وإذا كنا نحن سنُبعث فمن يأتي بآبائنا الأولين الذين أصبحوا الآن رميماً وليس لهم أثر كيف يخرجون مرة أخرى بعدما ماتوا وبادوا وذهبوا وزالوا وسحقوا؟! هذا لا يمكن، وهذا من العجائب. سبحان الله! الذي خلقهم أول مرة من العدم أليس قادراً على أن ينشئهم مرة أخرى؟! (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) Y. قال (أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴿٤٨﴾ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ﴿٤٩﴾ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴿٥٠﴾) كل هؤلاء أنبياؤهم مؤمنوهم كافروهم صغارهم كبارهم عقلاؤهم مجانينهم أحرارهم عبيدهم كل هؤلاء (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)). قال (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)) يوم مقدر قد عُلِمَ متى يكون ولا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ). قال الله عز وجل (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51)) لاحظ سمّاهم باسمين هما في الحقيقة صفتان لهم وهو ضلالهم عن الهدى وتكذيبهم بالحق فهم ضلّوا قصداً وزاغوا عن الطريق عمداً وكذّبوا بما جاء من الحق ولذلك يسميهم (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52)) أي ستأكلون في يوم القيامة إذا استغثتم تطلبون الطعام تأكلون من شجر من زقوم وهو شجر في النار (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)). قال الله عز وجل (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53)) هذه الشجرة التي يخلقها الله عز وجل في النار وتكون طعاماً لأهل النار لا يجد الكفار شيئاً يأكلونه غيرها فيأكلون منها فتكون عذاباً عليهم فيملأون منها البطون فتشتد حرارتها عليهم فيريدون إطفاء هذه الحرارة فبِمَ يطفئونها؟ يطفئونها بماء يشربونه مثل شرب الجمل العطشان الذي بلغ به العطش مبلغاً شديداً يمصّ الماء مصّاً من شدة شهوته للماء. قال (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ) على هذا الزقوم (مِنَ الْحَمِيمِ (54)) وبأي صفة؟ (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55)) قال العلماء: الهيم هي الإبل العِطاش أو الإبل المِراض وهي الإبل التي تمرض فلا تَروى فإذا شربت شربت ثم شربت ثم شربت حتى تتفجر بطونها فكذلك حال هؤلاء يشربون من الحميم مع شدة حرارته لأنهم يريدون أن يطفئوا تلك الحرارة التي علقت ببطونهم بسبب أكلهم من شجر الزقوم نسأل الله العافية والسلامة.

قال الله U(هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)) هذه هي الضيافة التي تُقدّم لهم في ذلك اليوم يوم الجزاء والحساب نسأل الله العافية والسلامة. والنُزُل هو ما يُعدّ في أول ما يقدم الضيف يعد له وفي العادة أول ما يقدم القادم يُعدّ له أطيب الطعام فهؤلاء نزلهم عند الله I جزاء وفاقاً شجر من زقوم يأكلونه فيملأون منه البطون ثم يشربون عليه من الحميم كشرب الهيم وهو الجمل الذي قد بلغ به العطش مبلغاً عظيماً.

أما المؤمنون فإن الله يقول في حقهم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)) يعني نزلهم وضيافتهم هي تلك الجنات العظيمات. لما ذكر هذه الأزواج الثلاثة وهذه الأصناف المختلفة السابقون والمؤمنون أهل اليمين وأهل الشمال أراد أن يذكر بأمر ينبني عليه هذا التصنيف وهو هل البعث حقّ؟ فأخذ يستدل للبعث فقال (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57)) نحن الذين خلقناكم وكوّناكم فهلّا تصدقون؟ ألسنا القادرين على أن نعيدكم ونخلقكم مرة أخرى ثم مرة ثم مرة ما نشاء وما نريد؟ (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58)) أرأيتم هذا المنيّ الذي يخرج من أصلابكم فتتكونون منه وينشأ الإنسان من هذه النفطة الصغيرة القليلة القذرة (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)) هذه النطفة من الذي يخلقها؟ أنتم تخلقونها؟! أنتم تصنعونها داخل أجسادكم حتى يتكون منها جنس بشري أو مولود؟! لا والله! وما للإنسان فيها تدبير أو تقدير. (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60)) نحن كما قدّرنا الخلق قدّرنا أيضاً بينكم الموت أي خلقناه وقدّرناه وجعلنا له أجلاً معدوداً فأنتم لا تتصرفون في بدء خلقكم ولا تتصرفون في موتكم بل كل ذلك بيد الله وحده فأنت لست حراً أنت عبدٌ في كامل أوصاف العبودية لكن لله ليس لشهوتك ولا لهواك ولا لمخلوق مثلك ولا لشيء مما يحيط بك. بل عبوديتك التي يجب أن تكون هي لله لأنه هو الذي خلقك فأوجدك من العدم وهو الذي بيده أن يميتك ويزيلك ويفنيك بعد أن كنت. قال الله U(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60)) لا يستطيع أحد أن يفلت منا أو ينصرف من عقوبتنا أو يفوت علينا بل كل العباد في قبضتنا نحن قادرون عليهم ومحيطون بهم. قال (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)) لسنا بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم لا يستطيع أحد أن يتحكم في إرادتنا لو أردنا أن نهلككم فنضع بدلكم آخرين أو ننشئكم فيما لا تعلمون أو نجعلكم في خلق غير الخلق الذي أنتم عليه نغيّر صوركم وأشكالكم ونغيّر هيئاتكم لأن الإنسان لا يبقى على حالة واحدة فنحن ننشئكم كما نشاء ونصرِّفكم كما نريد وليس لأحد منكم أن يختار غير ما نختار. إذاً ما الداعي لإنكار البعث إذا كنتم تعلمون أنكم خلقتم من عند الله وأن موتكم بيد الله وأن أحداً منكم لن يفلت من قبضة الله ولا يستطيع أن يتصرف في نفسه أو يغيّر ما يريده ربه I أن يغيره فيه؟ أنا والله أتمنى أن أبقى شاباً لكن هل هذا بيدي؟ ما هو بيدي الليل والنهار كل يوم يأكلون مني فأنا أتغير من الطفولة إلى الفتوة إلى الشباب إلى الكهولة إلى الشيبوبة هذا إن أمد الله في العمر وأطال ومع ذلك أتمنى وأكافح أن أبقى شباباً لكن ليس هذا الأمر بيدي، إذاً الذي ينقلك ويغيّر أحوالك هو الذي سيبعثك بعد أن يميتك فتكون رماداً أو رفاتاً أو رميماً ستبعث يوم القيامة.

قال الله U(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)) أنتم تعلمون كيف نشأتم أول مرة فما الذي يمنعكم أن تتذكروا النشأة الثانية؟! فالذي أنشأكم في أول مرة هو الذي سينشئكم في المرة الأخرى. قال الله U مبيناً مزيداً من الأدلة على قدرته على البعث وعلى كمال تصرفه في خلقه وعلى أن خلقه وما بأيديهم من النعمة كلها من عند الله فليس هناك مجال لإنكار البعث ولا القدرة عليه. (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63)) هذا الذي تحرثونه (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)) ما هو دوركم في الزراعة؟ دورنا نحن في الزراعة أننا نحرث الأرض ثم نلقي الحب ونجري عليه الماء وأحياناً لا نجري عليه الماء بل ننتظر ماء السماء ثم تنتهي مهمتنا عند هذا الحد. ينبت ويترعرع ويزيد ثم يمتلئ بالحب والثمر كل ذلك ليس من فعلنا وليس فيه أي تدخل. (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) أي يابساً هشيماً (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)) فظلتم تتعجبون وتتحدثون مستغربين (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66)) أي قد غرمنا وخسرنا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)) ليس لنا حظ ولا نصيب عندما جعل الله هذا الزرع الذي زرعناه وتعبنا عليه حطاماً. انتبهوا أيها الناس إن هذا كله من الله فالله هو الذي ينشئ هذا الزرع وهو الذي ينميه وهو الذي يرعاه وهو الذي يربيه وهو الذي ينتج لكم بدل الحبة سبعمئة حبة هو وحده أنتم تحرثون وفقط. كذلك أمر الآخرة بيد الله وما مثل الآخرة وبعثنا بعد موتنا إلا كمثل الزرع إذا أعيد مرة أخرى.

قال الله عز وجل (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68)) هذا الماء الذي ينزل عليكم من السماء وتشربونه عذباً زلالاً (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) أنزلتموه من السحب؟ السحابة يقال لها مُزنة (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)) نحن الذين ننزله من السحاب؟ الله هو الذي ينزله من السحاب وبيده القدرة على كل شيء. (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) أي ملحاً مراً لا يُساغ (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)) هلّا شكرتم الله عز وجل على أن أنزل عليكم هذا الماء الطيب العذب الزلال الذي ليس لكم في خلقه ولا تكوينه ولا إنزاله ولا رحمتكم بأن يكون شراباً لكم ليس لكم فيه أي دور؟ أفلا تخافون من الله وتتقون الله عز وجل وتشكرونه بأن تستعدوا للقائه وتؤمنوا بما أمركم بالإيمان به وهو البعث والجزاء والنشور؟!. ولاحظوا كيف فرق في جعلناه الأولى وجعلناه الثانية فقال (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) قال في الثانية (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) لأن جعل الماء أجاجاً يأتي في لحظة واحدة أن يكون مراً مالحاً غير مساغ وأما كون الشيء يأتي حطاماً فإنه يأتي عادة عبر مراحل يأتي مثلاً برد أو حر شديد ثم ما يزال ييبس ييبس حتى يتحطم ويتهشم فجاءت اللام كأنها للمهلة وللمدة وللزمان. قال الله عز وجل (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)) أي تتعجبون وتتحدثون مستغربين متعجبين متندمين تقولون (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71)) التي توقدون (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)) من أين تجلب النار؟ النار تجلب من مصادر عديدة لكن كان من أشهر مصادرها عند العرب هو نوعان من أنواع الشجر كانوا يضربون أحدهما بالآخر فتورى النار وتخرج النار ويخرج الشرر يسمى أحدهما المَرْخ والثاني العَفَار فإذا ضرب أحدهما بالآخر خرج شرر النار فأوقدوا منها النار. فيقول الله عز وجل (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) أنتم الذين أنشأتم هذه الشجرة التي تخرج منها النار؟ (أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)) نحن الذين أنشأناها وقدرناها وخلقناها وأودعنا فيها هذه النار علماً بأنها تكون شجرة خضراء، سبحان الله! هذه فيها دليل على البعث أيضاً كيف يخرج الشيء من ضده؟ لاحظتم هو (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) فأنتم تقولون كيف يخرج الإنسان الحي من العظم الرميم أو من بقايا الإنسان الباقية التي قد اندثرت وانمسحت في الأرض كيف يخرج الشيء من ضده؟! أولا ترون أن الشيء يخرج من ضده؟ إن النار تخرج من الشجر الأخضر، الشجر الأخضر الذي يتوقع منه ماذا؟ يتوقع ألا يخرج منه نار لأن النار حارة يابسة والشجر الأخضر بارد ورطب فكيف يخرج هذا من هذا؟ ذاك بقدرة الله. فكذلك أنتم تبعثون يوم القيامة بقدرة الله. قال الله عز وجل (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) أي هذه النار خلقناها لكم في الدنيا لتتذكروا بها نار الآخرة ومع ذلك ما هي إلا جزء يسير من نار الآخرة «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم قالوا والله يا رسول الله إنها لكافية قال: فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً» لا إله إلا الله ترون هذه النار والله إنه يوضع فيها الحديد الصلب فيذوب في ثواني معدودة، هذه نار الدنيا فكيف تكون نار الآخرة؟! شيء لا يتصوره الواحد. قال الله U(نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)) أي يتمتع بها المقوي فمن هو المقوي؟ قيل هو المسافر لأنه يكون في القَوى. القوى هي الأرض الفلاة قال النبي e في الحديث الذي رواه الحاكم وغيره «من صلى بأرض قيّ كتبت له بخمسين صلاة» أو كما قال النبي e يعني الصلاة بالأرض الفلاة لأنه إحياء لذكر الله في أرض لا تذكر فيها الله وفيها بعد عن رؤية الناس كان لها أجر مضاعف عن الصلاة في المدينة أو بين الناس. قال (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)) فقيل المقوون هو المسافرون وقيل المقوي هو المسافر والحاضر لأنها في الحقيقة متاع لكل أحد للمسافر يتمتع بها وللحاضر وأما الأول فقالوا إنها للمسافر أشد لأنه لا يستطيع أن يأكل حتى يوري النار ولا يستطيع أن يستدفئ حتى يوري النار ولا يستطيع أن يستضيء حتى يوري النار ولا يستطيع أن يدفع الوحوش والسباع الضارية حتى يوري النار فحاجته إليها أشد ولذلك خصه بالذكر. قال آخرون: بل هي تشمل المسافرين والحاضرين. وقال بعضهم المقوون هم الجائعون (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) أي للجائعين لأنهم ينضجون بها الطعام وقيل المقوي هو المستمتع أياً كان مسافر وحاضر وجائع وهذا أيضاً قريب والعلم في ذلك عند الله عز وجل.

قال الله U(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) أي سبِّح ذاكراً اسم ربك العظيم تقول سبحان ربي العظيم. وهل معنى التسبيح هنا الصلاة؟ أو التسبيح بمعنى ذكر الله U بقوله (سبحان ربي العظيم)؟، (سبحان الله العظيم وبحمده) ونحوها؟ لا مانع من أن تحتمل الآية هذا المعنى وهذا المعنى وقد ورد أنه لما نزلت (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) قال النبي e «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت (  سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)) قال «اجعلوها في سجودكم» ولذلك نحن في ركوعنا نقول "سبحان ربي العظيم" وفي سجودنا نقول "سبحان ربي الأعلى". قال الله U(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) نسبحه لأنه هو الذي أوجدنا من العدم ولأنه أوجد لنا الطعام وأنبت لنا الأشجار وأنزل لنا الماء العذب الزلال وجعل لنا هذه النار فواجب علينا أن نسبح الله وننزهه عن النقص ونشكره بالذكر ونكثر من ذكره. ولذلك وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم لأنهم يعترفون لله بالفضل وينسبون النعمة إلى الله جل وعلا. ثم قال الله عز وجل (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)) "لا" هنا يقول العلماء: هي زائدة زائدة، زائدة في اللفظ زائدة للمعنى تزيد المعنى قوة، يزيدها العرب في كلامهم لتأكيد الكلام. والمعنى "أقسم بمواقع النجوم" مثل قول الله عز وجل (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) أي ما منعك أن تسجد لكن "لا" للتأكيد. وهنا كذلك "لا أقسم" معناها أقسم فهو تأكيد للقسم لا نفي له وعلى هذا عامة السلف من المفسرين. وقال بعض المتأخرين: لا هذا نفي لشيء متقدم، ليس الأمر كما تقولون أقسم بمواقع النجوم ونقول من الذي قدّر هذا؟ هذا ليس عليه دليل وأحياناً تأتي "لا" ولا يسبقها شيء (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)) ما تقدمها شيء كما مثلاً في هذه الآيات تقدمها مقالات أو شيء من هذا القبيل. قال (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)) بمواقعها أي أماكنها ومنازلها ومسيرها ومشرقها ومغربها. والنجوم هي نجوم السماء لأن النجوم إذا استعملت في القرآن دلت على شيء واحد وهو نجوم السماء. ومن قال إن النجوم في هذه الآية بمعنى نجوم القرآن يعني "فلا أقسم بمواقع نزول القرآن" فقد أبعد لأنه فسّر الآية بغير الظاهر فإن النجوم إذا جاءت في القرآن يراد بها النجوم المعروفة والقرآن صحيح أنه نزل منجّماً على مواقع ومنازل متعددة لكن لا يقصد به هذا. ثم إن النجوم جاء الإقسام بها (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)) إلى آخره مما جاء من الإقسام بها لقوله (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16)) فالخنس والجوار والكنس هي النجوم عندما تخنس وعندما تأوي إلى كناسها وعندما تجري. (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)) هذا قسم أيضاً بهذه النجوم التي تطرق في الليل أي تأتي ليلاً.

قال (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)) أي قسمي بها قسم عظيم لو كنتم تعلمون ما هي هذه النجوم. واليوم لما اخترعت المجاهر العظيمة وعُنيَ الناس باكتشاف الفضاء ومعرفته رأى الناس من آيات الله عز وجل في النجوم شيئاً مبهراً عظيماً لا يستطيع أن يحيط به أحد. وعرفوا أن هذه الكرة الأرضية ما هي إلا مثل الذرة في هذا الكون الواسع والعالم العظيم. قال الله عز وجل (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ) أي الكتاب الذي بأيديكم (لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)) كريم أي نفيس (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78)) أي في اللوح المحفوظ (مَكْنُونٍ) أي محفوظٍ لا يطلع عليه أحد إلا من أذِن الله عز وجل لهم بالاطلاع عليه. (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)) أي لا يلمسه ويصل إليه (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) وهم الملائكة والحديث هنا عن القرآن الذي في اللوح فذاك كتاب لا يمسه إلا من هو مُطَهّر ولو كان المراد به الكتاب الذي في الدنيا لقال "لا يمسه إلا المتطهرون" لأنه قد يكونون متطهرين وقد لا يكونون كذلك. فقال (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)) وهم الملائكة كما قال الله في سورة عبس (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)) هذا الكتاب بأيدي سفرة وهؤلاء السفرة هم الملائكة على الصحيح من أقوال المفسرين (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) قد وصفهم الله بالكرم والبر. قال (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80)) أي هذا الكتاب قد نزل إليكم من الله سبحانه وتعالى (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81))، (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ) الذي نزل عليكم (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) أي مكذبون غير مصدقين وقيل مدهنون تريدون أن تمالئوا غيركم فيه وتركنوا إليهم فأنتم قد تؤذون في الظاهر ولكنكم تجارون غيركم من الناس في التكذيب به مع وضوح الآيات الدالة على أنه من عند الله وأنه من كلام الله جل وعلا. (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)) تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون كان الجدير بكم أن تشكروا الله على النعمة سواء النعم المادية أو نعمة القرآن فتصدقوا وتؤمنوا وتعملوا صالحاً ولكنكم قابلتم ذلك كله فجعلتم شكر الرزق الذي رزقكم الله وأنعم به عليكم أنكم كذّبتم. وهذه الآية استعملها النبي صلى الله عليه وسلم عندما أصبح ذات يوم وقد كانت السماء أمطرت فقال: «هل علمتم ما قال ربكم؟ قالوا: ماذا قال ربنا؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» وهذا موجود في الناس أنهم ينسبون نزول الأمطار إلى طلوع النجوم أو غيوبها أو غير ذلك وهذا غير صحيح إنما هذه جرت عادة الله عز وجل في إنزال المطر في أوقات معينة يعرفها الناس بالنجوم طلوعاً وغيبوبة لكن لا دخل للنجوم في هذه الامطار لا إنزالاً ولا إمحالاً قال الله عز وجل (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)).

قال الله (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)) يعني فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84)) يعني تنظرون إلى الميت وهو بين أيديكم تتمنون بقاءه وتسعون في شفائه لو كان بأيديكم شفاء أو إنقاذ من موت (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ) في تلك اللحظة نحن أقرب إليه منكم نتصرف فيه كما نشاء مع أنكم مطيفون به قائمون عليه لكنكم لا تستطيعون أن تردوا الموت الذي يقدره الله فيه. (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)) هلّا إذا بلغت الحلقوم وأنتم محيطون بميتكم أو بهذا الإنسان الذي تريدون أن يبقى فيكم (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)) لا ترون ملائكتنا (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86)) أي غير محاسبين ولا مجزيين (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)) ترجعون هذه الروح (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)) يعني معنى الكلام نحن نميتكم ونأخذ أرواحكم ولا تصرف لكم أفلا يدل ذلك على قدرتنا وعلى أننا نحييكم متى شئنا ونميتكم متى شئنا فما الذي يدعوكم إلى أن تكذبوا وما الذي يجعلكم تكذبون بالجزاء؟ أليس الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده أمركم كله؟ بلى والله. قال الله عز وجل (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)) يعني إذا بلغت الروح الحلقوم وصارت عند اللفظة الأخيرة هنا يأتي أصناف الناس الثلاثة وهي الأصناف التي تقدمت في السورة على ترتيبها بدأ بالسابقين ثم أصحاب اليمين ثم أصحاب الشمال وهنا نفس العملية قال (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90))، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92)) ولكن الفرق بين هذا وبين أول السورة أول السورة حديث عن أصناف الناس في يوم القيامة وهذا حديث عن أصناف الناس عند نزع الروح (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)) قد يقول قائل أي هي الروح؟ من أين قدَّرتَ الروح؟ قلنا للعلم بها لأنه لا يمكن ينسب الشيء إلا إليها كما قال الله عز وجل في قصة سليمان قال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)) ما هي التي توارت بالحجاب؟ أين هي الشمس؟ ما جاءت لكن لا يمكن ينسب هذا إلا إليها قالوا وقد جاء شيء يشير ويوحي بها وهو العشي لكنه لم تذكر الشمس. وهنا (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)) ما هو الذي بلغ الحلقوم؟ ما ينسب إلا إلى شيء واحد وهو الروح. قال الله U(فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)) جعلني الله وإياكم منهم (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)) رَوْحٌ بمعنى راحة واستراحة تامة وقيل بمعنى فرح (فَرَوْحٌ) أي فرحٌ وقيل بمعنى رحمة وكلها صحيحة فاستراحة وفرح ورحمة وريحان. قيل في ريحان استراحة وقيل الريحان ريحٌ طيب فلا يموت أحد من أهل الايمان إلا شمّ رائحة الجنة. قال (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90)) أما إن كان من أصحاب اليمين (فسلام لك من أصحاب اليمين) لهؤلاء سلام من الملائكة أصحاب اليمين كما قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)) ماذا؟ (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)) وفي الآية الأخرى (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)) فأنتم يُسَلَّم عليكم في تلك اللحظة تسلم عليكم الملائكة. وقيل (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91)) أن المعنى أنك ترى فيهن ما تحب من السلامة وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء كما قال ذلك الزجاج وغيره وقال البخاري (فَسَلَامٌ لَكَ) أي فمسلَّم لك أنك من أصحاب اليمين. (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93)) يعني النُزُل الذي يعد لهم والضيافة التي تقدم لهم في أول ما يردون الآخرة حميم (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)) أي يُصلون الجحيم أي يدخلونها ويقاسون حرها.

قال الله (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) إما أن يكون المراد (إِنَّ هَذَا) الخبر (لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) لا مرية فيه ولا شك فيه فاستعدوا واجعلوا أنفسكم في أحد هذه الأصناف، وإما أن يكون المراد (إِنَّ هَذَا) أي القرآن الذي أشير إليه بقوله (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)).

 

قال (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) ختمت هذه السورة بالأمر بالتسبيح فعلى المسلم أن يستكثر منه وقد أمر النبي eأن نُكثِر من التسبيح، كان u يقول «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل