تفسير سورة الواقعة - المجلس الأول - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الواقعة - المجلس الأول

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿٣﴾ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ﴿٧﴾ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿٨﴾ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿٩﴾ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿١٠﴾ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴿١١﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿١٢﴾)

السورة اسمها الواقعة أي القيامة التي ستقع حقاً هذه السورة التي يؤخذ موضوعها من اسمها فاسمها الواقعة أي القيامة التي ستقع حقاً ليس لوقعتها كاذبة وموضوعها وحديثها يدور حول القيامة وأقسام الناس فيها. بدءاً من القيامة الصغرى وهي قيامة كل إنسان على حدة وذلك عندما ترِد إليه منيته ويحضره ملك الموت وقد جاء هذا في آخر السورة وأقسام الناس في ذلك (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)) أصحاب اليمين (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)) فهذا كله عندما يكون الإنسان مُدبراً عن الدنيا مُقبلاً على الآخرة في وقت تسليم الروح. ثم ذكر بعد ذلك وقد قدّمه في السورة منازلهم في الآخرة وقسمهم إلى ثلاثة أقسام أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون السابقون جعلني الله وإياكم منهم. فهذه السورة حديثها كلها عن هذا عن البعث والقيامة والجزاء والحساب وأقسام الناس وأصنافهم في تلك الدار سواء بدأت من لحظات تسليم الروح إلى أن يرِدَ كل أهل دارٍ دارهم. وهذه السورة جاءت متمّمة لما جاء في سورة الرحمن بل هما كالسورتين اللتين تمثلان سورة واحدة حيث إن ختام الثانية هو عَوْد على الأولى أو على أول الأولى ففي أول سورة الرحمن جاء الحديث عن القرآن (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)) وفي آخر سورة الواقعة (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)) وهذا يدل على أن السورتين مكمّلتان لبعضهما.

هذه السورة افتتحت بقول الله U(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)) أي عندما تقع هذه الواقعة وهي القيامة التي لا بد من وقوعها ولا شك ولا مرية في حصولها (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)) يعني لا يمكن أن يكون في وقوعها امتراء أو اختلاف أو تكذيب لوقوعها بل ستقع قطعاً. فلا بد لكم أيها العباد من أن تستعدوا لوقوعها وأن تتأهبوا ليومها وملاقاتها. قال (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)) من أعظم ما في هذا اليوم أنه يوم خفضٍ ورفع ففي ذلك اليوم يُخفض أناس ويُرفع آخرون وليس على مقامتهم في الدنيا فقد يكون إنسان أشهر إنسان في الدنيا من حيث السمعة والمال والجاه والمنصب والبنين والنعمة ولكنه في الآخرة مخفوضٌ في أسفل سافلين. وقد يكون الإنسان فقيراً مدقعاً لا يؤبه به ولا يُنظر إليه وحريٌ به إن شفع أن لا يُشفَّع وإن سأل أن لا يُعطى وإن جاء إلى مجلس أن لا يُقام إليه إلى آخر ما هنالك من أنواع عدم الذكر والشهرة وعدم الجاه والمنصب ولكنه في الآخرة ذو مقام عالٍ ومنصب رفيع عند الله سبحانه وتعالى. فالخافضة الرافعة الحقيقية هي الآخرة وليست الدنيا. وفي يوم القيامة يعرف الناس ذلك حقاً أما في الدنيا فهي دار بهرج ودار غرور ويخوّن فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن ويُرفع فيها الوضيع ويُوضع فيها الرفيع أما الآخرة ففيها الميزان الحقيقي.

قال الله U(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4)) أي في ذلك اليوم ترجّ الأرض رجّاً شديداً حتى يتهدّم ما عليها من بناء ويتفتت ما عليها من جبال ويزول من عليها من قائم وشاهد. (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5)) أي تفتت الجبال فيها تفتيتاً من شدة الرجّ الذي يكون عليها ودُكّت الجبال دَكّاً دَكّاً وتصبح في ذلك اليوم كثيباً مهيلاً وتكون كالعهن المنفوش وهذه كلها كما ذكرنا مراراً مراحل للجبال فهي في أول الأمر (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)) هذه الجبال تُنسَف وتُدكّ حتى تكون كثيباً مهيلاً ثم تكون بعد ذلك كالعهن المنفوش ثم تسيّر (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20)(فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)) فهي مراحل. وإنما ذُكرت الجبال لأنها الشيء الوحيد فيما يراه الناس لا يتغيّر، فهم يرون مثلاً الزروع والثمار والأشجار تتغير ويرون كثيراً من الأشياء تختلف عليهم أما الجبل فيبقى جبلاً في عهد أجدادك وآبائك وفي عهود الناس قبلك وفي عهدك وتعمَّر ثلاثين وأربعين ومئة سنة وأنت ترى الجبل على ما هو عليه لم يتزحزح ولم يتغير ولم يتبدل. يقول الله عز وجل هذا الشيء الثابت القائم في يوم القيامة يدكّ دكّاً ويبسّ بسّاً ويفتت تفتيتاً حتى يكون كالعهن المنفوش ثم يسيّر. (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴿٨٨﴾ النمل) وهذا في يوم القيامة فيذكر الله هذا نموذجاً للتغيّر الهائل الذي سيحصل. إذا كان الجبل هذا حاله في يوم القيامة فما بالك بما هو دون الجبل مما ترونه وتلامسونه وتحسونه؟! إنه أشد من ذلك وأعظم. قال (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6)) مثل الهباء والهباء هو هذه الذرّات التي تراها في ضوء الشمس إذا دخلت إلى الغرفة ترى أشياء تطير لا تكاد تُمسك بها ولا تكاد تجعل لها جرماً أو وزناً، فهذا هو مثل الجبال أو ما ستؤول إليه الجبال يوم القيامة. قال (وَكُنْتُمْ) أي في ذلك اليوم يوم تقع الواقعة الخافضة الرافعة تكونون (أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7)) أي أصناف ثلاثة لا تزيدون ولا تنقصون. قال (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) الصنف الأول هم أصحاب اليمين وهم أهل الإيمان والعمل الصالح. (مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8)) أيُّ شيء أصحاب الميمنة؟! هذا أسلوب للتعجيب وإثارة الانتباه وأن حالهم حال عظيم ينبغي للمؤمن أن ينتبه له، ومثله (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)) أي: أيّ شيء هذه القارعة؟! (الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)) كل هذه بهذا المعنى ومثله أيضاً (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17))، (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12)) يعني أيّ شيء هذه العقبة؟! إنها شيء عظيم ينبغي أن تنتبهوا له وأن تعجبوا منه.

قال الله U(وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9)) أصحاب الشمال يقال الشأم والشمال بمعنى واحد، (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) هذا الزوج الثاني. (مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) أيّ شيء أصحاب المشأمة؟! إن شأنهم عظيم وإن عذابهم الذي أُعِدّ لهم شديد ومهول ومؤلم. قال الله U (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)) أي هناك صنف ثالث وهم قومٌ سبقوا لم يسبقهم أحد، سارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السماوات والأرض. قيل هم الأنبياء وقيل السابقون هم الذين يسارعون إلى الخيرات ويسابقون إليها وينافسون فيها تجدهم أول المبادرين إلى الصلاة وأول الخارجين في سبيل الله وأول المنفقين في ذات الله عز وجل فهم يبادرون فهؤلاء هم السابقون يوم القيامة. فإذا أردت يا عبد الله أن ترى نفسك هل أنت من السابقين؟ فانظر إلى نفسك في ميادين الخير إن كنت تسبق وتتبع فاعلم أنك منهم وإن كنت دائماً تابعاً لا تأتي إلا بعد القوم ولا ترِد إلا بعد أن يرِدوا ولا تقوم حتى يقوموا فأنت لست من السابقين ونرجو أن تكون من أصحاب اليمين.

قال الله U (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)) أي هؤلاء الذين يدنيهم الله عزّ وجل ويقرّبهم ويرفع منزلتهم (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)). ثم قال الله U (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)) أي هؤلاء السابقون (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي جماعة كثيرة من الأولين (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أي سيكون عددهم قليلاً في الآخرين. وهل المقصود (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي الأمم المتقدمة؟ أو (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي من هذه الأمة؟ رجّح ابن جرير أنهم من الأمم المتقدمة فقال: إن السابقين في مجموع الأمم المتقدمة أكثر من السابقين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن الأمم التي تقدمت أمتنا أمم كثيرة جداً فنتج من ذلك أنه في كل أمة جماعة وجماعة وجماعة وجماعة حتى صاروا كثيرين من الأمم السابقة وصارت أمتنا بالنسبة لهم أو السابقون في أمتنا بالنسبة لهم قليل، هذا قول. والقول الثاني الذي رجّحه ابن كثير وهو أظهر -والله أعلم- أن (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي من أول هذه الأمة وهذا يعضده قول النبي: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» لأن خير كل أمة هم أوائلها والشرار يكونوا في الأواخر. فقال (ثُلَّةٌ) أي السابقون ثلة في أول هذه الأمة أي كثير في أول هذه الأمة كالصحابة رضوان الله تعالى عليهم. (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أي من هذه الأمة. قال بعض العلماء هذا عام في هذه الأمة وفي غيرها ففي هذه الأمة (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)) وفي الأمم السابقة في كل أمة ثلة من أوّليها سابقون وقليل من آخريها سابقون وهذا معنى جيد أيضاً وهو أن يكون المعنى شاملاً لهذه الأمة وللأمم المتقدمة.

قال الله U (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15)) هذه السُرر التي يوضعون عليها منسوجة بأي شيء؟ بالذهب من كمال النعيم حتى السرر تكون منسوجة بالذهب، وهذا ليس معتاداً في سرر أهل الدنيا يضعونها من الخشب لكن لكمال النعمة وتمام الفخامة واللذّة الحاصلة لأهل الإيمان في الجنة أو للمقرّبين السابقين في الجنة أن سُرَرَهم من الذهب (مَوْضُونَةٍ) أي منسوجة بالذهب. (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا) أي على هذه السرر والاتّكاء بمعنى الاضجاع أو الارتفاق أو التربّع كل ذلك يسمّى عند العرب اتكاءً. (مُتَقَابِلِينَ (16)) أي يقابل بعضهم بعضاً ولا يتدابرون لأن الجنة فيها كمال اللذة وكمال الأدب أيضاً المؤمنون هناك على تمام الأدب والخلق الحسن فهم يقابل بعضهم بعضاً ولا يدابر بعضهم بعضاً. وقد نهى النبي e عن التدابر وهو أن يلقّيَ الإنسان دبره لأخيه يستدبره من دون أن يكون هناك معنى يُعذر فيه بالاستدبار كما هو في الصلاة فإن الناس يصفون صفوفاً فمثل هذا لا حرج فيه. لكن إذا كانوا في مجلس لا ينبغي للمؤمن أن يستدبر أخاه المؤمن. قال الله U (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17)) يطوف عليهم بأنواع اللذائذ والطيبات والمشروبات والمأكولات (وِلْدَانٌ) أي غلمان في سِنٍّ صغيرة. (مُخَلَّدُونَ) أي باقون دائمون لا يكبرون ولا تتغير أسنانهم أو أجرامهم كما يحصل في الدنيا فإن الإنسان قد يكون عنده عبيد في مَيْعة الصبا وفي مقتبل العمر يتلذذ بالنظر إليهم ويتلذذ أيضاً بخدمتهم له لكن المشكلة في أنهم في كل يوم تزيد أعمارهم حتى تنبت لِحاهم وتظهر رجولتهم فلا يلتذّ الرجل بمجالستهم أو خدمتهم. أما في الجنة فهم باقون على الحال التي خُلِقوا عليها لا يزيدون ولا ينقصون (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ). وقيل إن مخلدين هنا بمعنى مسوّرين أي عليهم أسورة من الذهب لتمام الجمال والكمال. قال الله U (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18)) الأكواب هي هذه الكؤوس التي لا خراطيم لها ولا آذان تسمى أكواباً ما لها خرطوم كالإبريق وليس لها أذن تُمسك بها مثل فنجان الشاي ونحوها فهذه تسمى أكواب. (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) الإبريق معروف هو الذي يُجمَع فيه الشراب ويكون له أذن ويكون له أيضاً خرطوم يُصبّ منه ما فيه من الشراب. (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18)) الكأس هو إناء الخمر. (مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19)) هذه الكأس تأتيهم من عين فيها خمر. هذه الخمر لذّة للشاربين ليس فيها من وَضَر وضَرَر خمر الدنيا شيء. خمر الدنيا تشتمل على صداع الرأس وعلى القيء وعلى البول وعلى السُكْر وهو ذهاب العقل أربعة أشياء نزّه الله عز وجل خمر الآخرة منها فقال هنا (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) أي لا يصيبهم صداع بسببها. الألم الذي يحدث والصداع والدوار الذي يكون في الرؤوس بسببها لا يكون لخمر الجنة. وقيل (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) أي لا يتفرقون عنها كما يحصل في خمر الدنيا إذا شربها أهلها فإنهم يصيبهم الصداع والقيء ونحوه فيتفرقون شَذَر مَذَر كل منهم قد كَرِه صاحبه والمعنى الأول هو الذي عليه الجمهور. (وَلَا يُنْزِفُونَ) يعني لا يصيبهم نزفٌ في عقولهم، لا تذهب عقولهم. وقال بعضهم لا يصيبهم نزفٌ من بطونهم يعني لا يصيبهم القيء الذي يخرج من بطونهم بسبب دخول الخمر فيه مثل ما يكون في خمر الدنيا، نسأل الله العافية والسلامة. ثم قال (وَفَاكِهَةٍ) أي يطوف هؤلاء الولدان المخلّدون بأكواب وبفاكهة، فاكهة يأتون بها إلى المؤمنين وهذه الفاكهة أنواع منوّعة فيها (مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52)). (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)) يريد هذا ثم بعد قليل يريد هذا ثم بعد قليل يختار هذا، لذّة الاختيار يعني لا يُفرَض عليهم نوع واحد من الفاكهة يُجبرون على أكله، لا، بل طيب الفاكهة في أنها تُتَخيَّر ولذلك تلتذ عندما يوضع أمامك صحن من الفاكهة فيه أربعة أو خمسة أو ستة أنواع من الفاكهة يكون ألذ وأطيب فمرة تأخذ من هذا ومرة تأخذ من هذا أما إذا كان نوعاً واحداً تشعر بالملل تأكل هذا النوع مرة ثم تنتهي ولا تشعر بأن فيه شيء من التجديد وإذهاب السآمة.

قال الله U(وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)) أيضاً يطوفون عليهم بلحم الطير ومما يشتهونه إن أرادوه مشوياً أو مقلياً أو مطبوخاً وبأيّ صورة من الصور، نسأل الله الكريم من فضله. (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)) بحسب هذه الطيور التي تطير في الجنة إذا اشتهى أحدٌ منهم شيئاً نزل إليه ذلك الشيء على الوجه الذي يشتهيه، إن اشتهاه مشوياً نزل إليه مشوياً وإن اشتهاه مطبوخاً نزل إليه مطبوخاً ثم إذا انتهى منه طار وعاد إلى ما كان عليه. قال الله عز وجل (وَحُورٌ عِينٌ ﴿٢٢﴾) ولهم فيها حور عين وقرئت (وحورٍ عين) فهل معناها ويطوف عليهم بفاكهة وحور؟ لا يطاف بالحور بل المؤمن يطوف عليه ولكن المقصود (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ) يتنعمون بها وبفاكهةٍ وبلحمٍ وبحورٍ هذا على قراءة (وَحُورٍ عِينٍ) أما على القراءة التي نحن نقرأ بها (وَحُورٌ عِينٌ (22)) فمعناها ولهم فيها حورٌ عين والحور هي نساء الجنة سميت حوراء لشدة بياضها و(عين) لجمال عينها واتساعها. قال الله عز وجل (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)) مثلهن الله عز وجل لترغيب النفوس بهن فمثلهن كأمثال اللؤلؤ واللؤلؤ مشهور بصفائه وبياضه والمكنون أي المستور لأن النفس تطمع في الشيء المستور المغطّى وليس في الشيء المكشوف قد قامت إحدى المعلّمات مرة بين طالباتها ووضعت لهن حلوى، حلوى مكشوفة وحلوى مغطاة ودارت عليهن فكل الطالبات اخترن من المغطّى، فقالت: انظروا يا بناتي متى تحجبتِ واستترتِ رغِب الناس فيك ومتى انكشفت ابتُذِلت لم يرغب فيك أحد فكان درساً عملياً للنساء في أهمية الستر وعِظَم منزلة الحجاب. وهنا يقول الله عز وجل (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)) المستور الرطب الذي لم تلمسه يد ولم تقع عليه عين. قال الله عز وجل (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)) هذا كله لأجل جزائهم جازينهم به لأجل عملهم، جزاءً لهم على عملهم وهذا يبيّن لك أن القضية مقابل عمل كما قال الله عز وجل في سورة الرحمن (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)) وهنا (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)) فلا يُنال عشوائياً بل يُنال بعمل يعمله الإنسان ويتقي الله عز وجل فيه يكفي أن الله ابتدأ هذا القِسم بقوله (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)) والسبق يعني معنى معيناً وهو أن تبادر إلى العمل. إذا دُعيت إلى الصدقة فسابق وإذا سمعت المؤذن يقول حيّ على الصلاة فبادر وإذا قيل حيّ على الجهاد فلا تتردد مثلما فعل "حنظلة غسيل الملائكة" الذي وهو في ليلة عرسه لما سمع حيّ على الجهاد نزل قبل أن يغتسل ودخل المعركة وهو لم يغتسل وقُتِل في أول المقتولين رضي الله تعالى عنه وأرضاه وماذا حصل؟ غسّلته الملائكة لأنه كان جُنُباً وفي ليلة عرس! وليس في ليلة من ليالي إنسان متزوج قد مر به دهر! فانظروا هؤلاء هم السابقون نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم. قال الله عز وجلّ (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25)) يعني سبحان الله في كل موطن تُذكر فيه الجنة يذكر فيه ألوان النعمة حتى تتشبع النفس، في الطعام في الشراب في النكاح في المتكأ والمرتفق، في المجالسة والأدب ثم في الكلام والسماع، ماذا تسمع؟ (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) أي كلاماً لاغياً لا منفعة فيه يؤذي النفوس ويكدِّر الخواطر. (وَلَا تَأْثِيمًا) أي كلاماً يأثمون بسماعه فيه سبٌ وشتم وغيبة ونميمة وإلى آخره مما لا يليق بمجالس المؤمنين. ففي الجنة لا تسمع شيئاً من ذلك لا لغو ولا تأثيم إلا شيئاً واحداً (قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)) إلا أن يقال سلامٌ عليكم، فالملائكة يسلِّمون عليهم والمؤمنون يسلِّم بعضهم على بعض ما يمرون بملأ في الجنة إلا سلَّم بعضهم على بعض أسأل الله أن يعيننا على أن ندرك ذلك الفضل وهذا الخير. قال الله (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)) وهنا انتهى من صفة القوم الأولين وهم السابقون جعلني الله وإياكم منهم.

ثم انتقل إلى الذين بعدهم فقال (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)) قد طرأ لي في هذا الموطن أن هذا مما يؤكد أن ما ذُكِر في سورة الرحمن في قوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48)) أن الجنتين الأوليين أعظم من الجنتين الأخريين لأنه هنا ذكر السابقين أولاً ثم ذكر عموم المؤمنين ثانياً فقال (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)). أصحاب اليمين هم الذين كانوا من أهل اليمين في الدنيا ومن أهل اليمين في الآخرة الذين يأخذون كتبهم باليمين والذين هم أيضاً ميمونون مباركون. (مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) أيّ شيء أصحاب اليمين؟ إنهم ذوو منازل عجيبة وصفات رائعة عظيمة. ثم ذكر نعمته فقال (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28)) أي هم في جنة فيها سدر مخضود والسدر شجر معروف في بلاد العرب ومعروف عند غير العرب لكن المعروف في بلاد العرب قليل الثمر كثير الشوك لا تكاد تصل إلى النبق فيه إلا بمشقة ومع ذلك نَبْقُه فيه كثير من الإشكال يعني أحياناً تجدها مرة وأحياناً فاسدة من أحد أطرافها وأحياناً صغيرة لا تستمع بها لأن النواة تؤذيك فيها وأحياناً مع شوكها، فالله عز وجل قال (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28)) هذا السدر مخضود أي مقلوع شوكه قد خُضِدَ شوكه أي أزيل وقيل مخضود أي مملوء ثمراً ولا مانع من اجتماع الأمرين وهو أن يكون سدر الجنة قد خُضِدَ شوكه وامتلأ ثمره فلا أطيب منه، قال بعض السلف: يجعل بدل كل شوكة ثمرة. قال الله عز وجل (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)) الطلح أيضاً شجر معروف في بلاد العرب وهو شجر كبار يستحسن الناس ظلّه ومعروف الآن في أوديتنا في هذه البلاد وفي سائر الجزيرة العربية الطلح من أشهر أنواع الشجر. (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)) أي منضّد ومنظّم ومرتّب وليس مشوشاً صورته ليست ملائمة. وقيل (مَنْضُودٍ) أي متراكم الثمر أي ثمره منضّد فيه ولا مانع من اجتماع المعنيين فيكون منضوداً أي مرتّباً جميلاً رائعاً ويكون أيضاً فيه ثمر كثير مرتّب. وقيل إن الطلح هو الموز، والذي يظهر والله أعلم أن الأول أولى لأن الطلح شجر معروف في بلاد العرب أما الموز فليس معروفاً عندهم والله أعلم يعني ليس من الشجر الذي يعرفه العرب في سائر الجزيرة، قد يكون موجوداً في بعض المناطق لكنه في الجملة ليس هو الأشهر من أشجارهم. قال الله عز وجل (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30)) الظلّ الذي لأهل اليمين ظل ممدود أي طويل جداً لا نهاية له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها اقرأوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30))» مئة عام لا يقطعها من طولها وطول ما تحتها! فإن قيل هل في الجنة ظلّ؟! هل في الجنة شمس حتى يكون فيها ظل؟ (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)) ولكن هذا ما تحت الشجرة يسمى ظِلاً وما سوى ذلك ليس فيها شمس وإنما حاله كحال النهار قبل طلوع الشمس ما بين الفجر إلى طلوع الشمس هذا هو حال أهل الجنة الذي هو أحسن أحوال الدنيا. فأجمل الزمان في اليوم والليلة هو هذا الزمن الذي يكون ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس لا حارّ ولا بارد، لا شمس مُجهِرة ولا ليل مظلِم، لا بياض فاقع ولا سواد معمي وإنما شيء مكوّن من ذلك كله، فنسأل الله سبحانه وتعالى الكريم من فضله. قال الله عز وجل (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)) أي هذه النعمة وهذا الظلّ وهذه الأشجار ليست مقطوعة لا تنقطع عنهم بل هي باقية ومستمرة أبد الآباد ودهر الدهارير. (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي غير مقطوع. (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)) أي لا يمنعون عنها لا بثمن ولا بجدار ولا بمرض ولا بأي شيء آخر ما يمنع عنهم شيء. ونحن الآن نلاحظ أن بعض الفاكهة تمنع عنا لو حصل بيننا وبين دولة معينة مشكلة فمُنِعَت خيراتها أن تصل إلينا ما استطعنا أن نصل إلى تلك الفاكهة أو مُنعنا من دخول تلك المنطقة ما استطعنا أن نصل إليها أو أن فاكهة الشتاء جاء الصيف انقطعت عنا وامتنعت منا، أما في الجنة لا صيف ولا شتاء ولا جدران ولا حيطان ولا أسوار تمنعك من الوصول إلى ما تريد. قال الله عز وجل (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)) أما فُرُشُها ومتكآتها فهي مرفوعة يعني مرتفعة فيجلس الناس عليها وهم مرتفعون حتى يتلذذوا بالجلوس ويراقبوا المكان من بعيد. وقيل مرفوعة لأنها من جنس عالي وليست من جنس نازل كما ورد وصفها في سورة الرحمن (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54)). وقيل إن الفُرُش هنا كناية عن نساء الجنة فتسمى المرأة فراشاً وتسمى إزاراً وتسمى رداءً وتسمى لباساً (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) وتسمى فراشاً فقال (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34)) فإن قيل لِمَ سُمّيت مرفوعة؟ قيل لأنها قد ارتفعت عن الأدناس والأرجاس فليس فيها حيض ولا نُفاس وليس فيها قذىً ولا أذى ولا رائحة كريهة ولا مرض ولا شيء مما يكون في نساء الدنيا فرش مرفوعة. وقيل مرفوعة عن الخطايا والذنوب أو عن الأخلاق السيئة والأمور السافلة التي قد تكون في نساء الدنيا.

 

ثم قال الله عز وجل (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)) إن قلنا إن الفُرُش هو الفُرُش المعروفة فقوله (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)) عند العلماء يرون أنها إشارة إلى نساء الجنة فإلى أي شيء يعود الضمير؟ قال عاد الضمير على ما يكون في الفرش عادة فالفراش يكون فيه زوجة ويكون معه حورية ولذلك لما ذكر الفرش ذكر من يكون فيهن فانتبه الذهن قال (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)). أما إن قيل (وَفُرُشٍ) أي نساء مرفوعة صار المعنى واضحاً وهو (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)) أي الفرش وهنّ النساء فعاد الضمير على الفرش وهن النساء. فقوله (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35)) أي ابتدأنا خلقهن وأعدناهن ليس على الحال التي كنّ عليها في الدنيا بل حال جديدة حال بهيّة وجميلة. ولذلك جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال إن الجنة لا يدخلها العجائز فولّت وهي تبكي فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألم تسمعي قول الله عز وجل (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37))؟ أنت أيتها العجوز ستكونين في الآخرة فتاة في غاية الجمال والشباب والنضارة والغضارة والفتوة والروعة والحسن والبهاء. قال (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36)) وهذه البكارة ليست للحظة واحدة بل هي ممتدة أيضاً ومستمرة كلما أتاها زوجها وجدها بِكراً، سبحان الله! إذاً ما في الجنة يخالف ما في الدنيا مخالفة تامة كل ما في الدنيا من اللّذات يبقى في الجنة ويدوم. أما في الدنيا فإنك تعطى منه نصيباً يسيراً لتذوق حتى تطمع في فضل الله عز وجل ثم لا يبقى لئلا يتعلق قلبك بهذه النعمة فتركن إلى الدنيا. قال الله عز وجل (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا) العَروب المرأة المتغنّجة المتحبّبة إلى زوجها التي تعشق زوجها وتهواه ولا ترى شيئاً سواه، يقال عروب ويقال غنِجة ويقال شَكِلة وهي المرأة التي تتحبب وتتأنس وتتلطف مع زوجها وحسنةُ الكلام لذيذة الألفاظ. قال (عُرُبًا أَتْرَابًا (37)) أي في سنّ واحدة ليس بينهن كبيرة أو صغيرة لتعيش بين متناقضات كما يحصل مثلاً في الدنيا. تجد الرجل قد يتزوج امرأة تبقى معه عشراً أو عشرين من السنين ثم يتزوج بعدها أخرى صغيرة لا يستطيع يطلّق الأولى لأنه لها منها أولاد وله معها عِشرة وهو راغب في الصغيرة وهذه لها ليلة وهذه لها ليلة إن جاء إلى هذه أصابه إشكال وإن جاء إلى هذه أيضاً صار عنده إشكال فهو يعيش حياة فيها شيء من النكد وإن كان ظاهرها السرور أما في الجنّة فكل الزوجات الموجودات في سنّ واحدة وعلى قدر هائل من الجمال واللذة والمحبة وليس بينهن شيء من الغيرة ولا شيء مما يحصل من نساء الدنيا من الكَدَر. قال الله عز وجل (عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)) أي هذا كله لأصحاب اليمين. وبعضهم قال (أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)) يعني هنّ في سنّ أصحاب اليمين يعني المرأة وزوجها كلاهما في سنّ متقاربة كلهم في قوة الشباب وفتوته. (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39)) أي أصحاب اليمين هم جماعة كثيرة من الأولين وجماعة كثيرة من الآخرين ليسوا مثل السابقين الذين هم (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14)) بل هؤلاء (ثُلَّةٌ) أي كثيرون (مِنَ الْأَوَّلِينَ (39)) سواء من هذه الأمة أو من الأمم المتقدّمة (وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)) أي من هذه الأمة أو من الأمم المتقدّمة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل