تفسير سورة الرحمن - المجلس الثاني والأخير- د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الرحمن - المجلس الثاني والأخير-

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40))

يقول الله U(فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) هذا وصفٌ للسماء في يوم القيامة عندما يأذن الله عز وجل بذهاب هذه الأكوان واجتماع الخلق لفصل القضاء ونزول الرب سبحانه وتعالى لهذه المهمة العظيمة (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) الفجر). في ذلك اليوم تشقق السماء وتُفتّح (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) النبأ) وفي قراءة (وَفُتِّحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) النبأ) أي شُقّقت. قال الله واصفاً إياها هنا (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) يصف لونها كيف تكون؟ قال مثل الوردة الوردة المعروفة أو مثل الفَرَس الوردة وهو نوع من أنواع الفرس يتغير لونه بتغير فصول السنة فيكون مرةً أصفر ومرة أحمر ومرة أخضر ومرة أغبر فالسماء تتلوّن وهذا التغير يأتي من جهتين مثل تغير الوردة وتغير الدهان فالدهان أيضاً يعطي ألواناً مختلفة ولذلك من شدة إذابتها فهي تعطي ألواناً مختلفة. (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) أي مثل الدهن الذي يتغير لونه مرة يكون أخضر ومرة يميل إلى الصفرة ومرة يميل إلى الحُمرة. قال الله U(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ) أي في ذلك اليوم الذي تتشقق فيه السماء (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) لماذا لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان؟ لأنهم يردون إلى الديّان الذي يعلم كل شيء فلا أحد يُسأل عن ذنبه ولأن لكل واحد منهم سيمة (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) وأهل الايمان يُعرفون بالتحجيل كما تُعرف أمة محمد e من آثار الوضوء لهم بياض يُرى في وجوههم وفي أيديهم وأرجلهم من آثار الوضوء، نسأل الله I أن نكون منهم ويحشرنا في زمرتهم. قال (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) أي في ذلك اليوم لا يُسأل أنسي ولا جنيّ عن ذنبه لأن الله عالم بكل أولئك. فإن قلت ورد في القرآن ما يدل على سؤال الناس عن ذنوبهم فما هو الجواب؟ قلنا هذا يدلّ على أن القيامة مراحل كثيرة جداً، ففي مرة يُسألون وفي مرة يجحدون وفي مرة لا يُسألون كما إذا سألهم الله U أنكروا (قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) الأنعام) فعند ذلك يختم الله على أفواههم (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وإنما يريد الله U بسؤالهم واستنطاق جوارحهم أن تكون الشهادة تامة عليهم.

قال الله U(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ) لهم سيمة سواد الوجوه وزرقة العيون. (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) أي يؤخذون بنواصيهم وأقدامهم فيكبّون أو يكبكبون في نار جهنم (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) الشعراء). قيل إنه تجمع نواصيهم إلى أقدامهم يعني كأن الإنسان يلفّ لفاً إما من الخلف أو من الأمام وكلاهما شر، فيرمون ويقذفون قذفاً في نار جهنم. (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) ، ما يقال لهم أرأيتم تلك؟ إنها جهنم، لا، ذوقوها بالفعل مباشرةً التي كنتم تكذبون بها وتستعجلونها وتقولون لنبيكم الذي بُعِث فيكم أين هي جهنم؟ أعطنا النار التي تعدنا بها، يقال لكم (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) والمجرمون لم يُذكروا في القرآن إلا ويراد بهم الكفار، لم يذكروا في موطنٍ ويراد بهم غير الكفار. قال (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) أي يُنقلون مرةً إلى الحميم الآن أي الحارّ الذي انتهى أو بلغ الغاية في حرّه أو بين النار وبين الحميم مرة هنا ومرة هنا. (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ (29) الكهف) فهم إن خرجوا من هذه أو تركوا هذه جاءتهم تلك وهكذا هم بين عذاب وآخر يلوّن لهم تلويناً. قال الله U (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) بأي نعم الله عليكما تكذبان أيها الثقلان؟.

قال الله U(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) هذا من مثاني القرآن أن يُذكر الترهيب ثم يُذكر الترغيب وأن يُذكر الوعيد ثم يذكر الوعد وأن يُذكر العقوبة لمن خالف ثم يُذكر الجزاء الحسن لمن اتقى واستقام وأطاع. قال (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) أي من خاف القيام بين يدي الله وامتلأ قلبه بالخوف من مقامه بين يدي الله U حتى وإن عصى وحتى إن أذنب دائماً تجده خائفاً يُشفق من وقت قيامه ووقوفه بين يدي ربه U. ولذلك ورد في الحديث أن رسول الله eقرأ هذه الآية (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) فقال أبو الدرداء t: وإن زنى وإن سرق؟ فقال النبي e(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق؟ فقال النبي e(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال النبي e: وإن رَغِم أنف أبي الدرداء. هذا المؤمن ما دام يُقلقه خوفه من مقامه بين يدي الله فهو على خير ولا أحد منا يأمن أن يقع في معصية أو يذنب لكن العبرة ماذا بعد الذنب؟ هل أنت خائف أو آمن؟ فإن كنت آمناً فأبشِر بالخوف وإن كنت خائفاً فأبشِر بالأمن لأن من خاف في الدنيا أمّنه الله يوم القيامة ومن أمن في الدنيا خوّفه الله يوم القيامة. قال الله U(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ليست جنة واحدة، جنتان. قال النبي e: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيها وهاتان الجنتان جنتان من ذهب هما التي ذكرهما الله U في أول هذا الجزاء والوعد الحسن وجنتان من فضة هما التي ذكرهما الله U في قوله (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ). قال الله U(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) أي ذواتا صاحبتا أغصان كثيرة، وقيل (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) أي ألوان كثيرة من الفاكهة وقد جمع بعض المفسرين فقال لا مانع من الجمع بين الأمرين فيقال ذواتا أغصان كثيرة متشابكة فيها ألوان من الطعوم والفاكهة. (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) فيهما عينان تجريان عينان عظيمتان تجريان جرياناً من غير أن يكون لهما أخدود، وهذا من عجائب أنهار الجنة أنه ليس فيها أخاديد بل الماء يجري هكذا فوق ظهرها، سبحان من يوقفه ويميزه ويجعله يمشي في غير أخدود!. قال الله U(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) كل فاكهة وضعها الله فيها زوجان، نوعان مختلفان من الطعوم وألوان والمذاقات واللذة والبهجة. (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ثم ذكر الله U بعدما ذكر المنظر في قوله (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) والمطعم (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) والمشرب (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) ذكر المجلس والزوجة فقال (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) أي يضطجعون ويرتفقون ويجلسون على فرش بطائنها من إستبرق، بطانتها مما غلُظ من الديباج. والعادة أن البطانة لا يهتم الناس بها كاهتمامهم بالظِهَارة فإذا كانت البطانة من هذا النوع العالي الفاخر فما ظنّكم بالظِهارة؟! هذا شيءٌ لا يوصف فاستدل على علو المجلس والبساط الذي يجلسون عليه أو المكان الذي يتكئون عليه بالأدنى ليُعرَف الأعلى، قال (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) والإستبرق ما غلظ من الديباج. (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) أي ثمرهما وجناهما دانٍ أي قريب. تصور جالس على أريكة والعنب يتدلى عليك والرمان والتفاح والموز والتين والنخل يتدلى بين يديك، ترغب في التمرة فما هو إلا أن تتدلى لك التمرة وتقبس هذه التمرة تأخذها فتأكلها. وتعرفون نحن من لذائذ هذه الدنيا أن الإنسان يقطف من الشجرة مباشرة ثم يفتح ويأكل أفضل من الذي يأتيك في كرتون ومعلّب ويساق من أقصى الأرض يميناً أو شمالاً. قال الله U(وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لا، ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب. قال الله U(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) لما ذكر الفرش والمتكئات لا بد أن يذكر الزوجات لتتم نعمة اللقاء ولذة الأُنس والقُرب. قال (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) المرأة في الجنة قاصرة طرف على زوجها لا تتعدى بعينيها إلى غير زوجها ليس كما يحدث في الدنيا قد تكون بعض الزوجات تطمح عينها لتنظر إلى غير زوجها أو لتتطلع إلى من هو أجمل أو أفضل أو أحلى من زوجها، أما في الجنة فالزوج آمن، هذه المرأة لا ترى شيئاً في العالم إلا زوجها فهي بهيجة به مسرورة بالنظر إليه. قال الله U(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ) أي لم يفتضضهن ولم يجامعهن قبلهم إنس قبلهم ولا جان لم يأتهن أحدٌ قبلهم لا من الإنس ولا من الجن وهذه الآية تدل صراحةً على أن الجنّ يدخلون الجنة خلافاً لمن قال من السلف إن الجنّ لا يدخلون الجنة، والصحيح أن الجن كما أنهم مكلّفون في الدنيا فهم مجازون في الآخرة إما بنار أو جنة. قال الله U(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) يصف هؤلاء النساء وهؤلاء الزوجات في الجنة بأنهن مثل الياقوت والمرجان، الياقوت في صفائه والمرجان في بياضه. المرجان هو صِغار اللؤلؤ وقيل كباره واللؤلؤ يتميز ببياضه العجيب، فالمرأة في الجنة يذكرها الله U بأن فيها صفاء يُرى مُخّ ساقها من وراء ثوبها ولو اطلعت على الدنيا لأضاءت ما بين المشرق والمغرب ولتغيرت الرائحة في العالم كله، لا إله إلا الله! فهذا من واحدة من نساء الجنة، قال الله U(كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) سبحان الله! افتتحت الآية بذكر صفة لهؤلاء المؤمنين واختتمت بذكر صفة أخرى ليبيّن لك أن هذا الجزاء يحتاج إلى هاتين الصفتين، فافتتحت بقوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) هذا الخوف الذي يجتاح القلب ويعمره ويسكنه حتى يكون الإنسان في كل أوقاته خائفاً من الله، يتقي الله في كل شيء. وأيضاً اختتمت بذكر الإحسان، الإحسان هو مرتبة عالية. قال النبي e فيها: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) هل الإحسان منا هو جزاء لذلك الإحسان الذي صدر منكم أيها العباد؟ عندما صليتم فأحسنتم وزكيتم فأحسنتم وطلبتم العلم فأحسنتم وعلّمتم فأحسنتم وبررتم بآبائكم وأمهاتكم فأحسنتم ووصلتم أرحامكم فأحسنتم وجاهدتم أعداءكم فأحسنتم وفي كل شيء تُحسنون فالإحسان منزلة عالية يستحق العبد عليها هذا الجزاء الكريم من رب رحيم I. وإياكم ومن يستمع إلينا في هذه الساعة من الكريم المنّان.

قال الله U(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب. قال الله I(وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) اختلف من دونهما أي من سواهما أو من دونهما ما هو أقل منهما في الفضل وهذا هو الصحيح. لأنك إذا تأملت في الجزاءين وجدت أن الجزاء الأول أعلى من الجزاء الثاني، فهو في الأول قال (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) أي أغصان كثيرة متشابكة عليها ألوان الطعوم والثمار قال (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) وقال (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) لاحظتم؟ وقال (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) هنّ قصرن أطرافهن اختياراً على أزواجهن و(مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) وختم ذلك بقوله (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) مما يدل على رفعة الجنتين الأوليين. وأما الأخريين ماذا قال؟ (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) فعدّد وقال (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) أي تنبعان بالماء، فرق بين تجريان وتنبعان. وقال (مُدْهَامَّتَانِ) أي خضراوان من شدة الريّ لكن ما قال (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) أي أغصان طويلة، إن في الجنة لشجرةً يسير الجواد المُضمّر في ظلّها مئة عام لا يقطعها، لا إله إلا اللهّ! هل هناك أحد يستطيع أن يتصور هذا المشهد؟ شجرة مئة عام يسير فيها جواد في غاية السرعة لا يقطعها! الله أكبر! نسأل الله الكريم من فضله. قال (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ) أي خضراوان شديدتا الخضرة قد امتلأتا بالماء فهما مخضرّتان. (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب. (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) أي تنبعان بالماء. قال العلماء العينان عين التسنيم وعين السلسبيل. قال الله عز وجل (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذِّب. (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ) ثم خصّ من الفاكهة نوعين فقال (وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) لعظمهما وأهميتهما وكبير فائدتهما، وهذه من طريقة القرآن في التنبيه على مزايا بعض الأشياء على بعض. فالفاكهة كلها لذيذة وطيبة ولكن منها ما هو فاضل ومنها ما هو مفضول، منها ما هو جيد في غاية الجودة ومنها ما هو دون ذلك في المرتبة، فخصّ من بين الفاكهة النخل والرمان. ثم قال (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) قيل خيرات نعم كثيرة وافرة ولكن الظاهر أن الخيرات والخيّرات المقصود بهنّ الزوجات والحور التي يزوّج بهن المؤمن في الجنة. (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) أي جميلات في غاية الجمال والروعة بل إن الله سبحانه وتعالى يلوّن هؤلاء النساء ففي كل يوم يتغير شكلها ولونها حتى لا يملّ منها المؤمن فيلس في الجنة داراً للملل ما فيها شيء يسهم كل ما فيها متجدد المؤمنون يذهبون فينظرون إلى وجه الله الكريم في كل جمعة ومنهم من ينظر إلى الله عز وجل كل يوم وهذا باختلاف مراتبهم ومنازلهم، فإذا رجعوا إليهم فيقولون لهم أهليهم: لقد عدتم إلينا بوجه غير الذي ذهبتم به من عندنا لقد ازددتم من بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون هم أيضاً لأهليهم: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً. فما في الجنة إلا زيادة في الحسن والجمال وليس فيها شيء من السآمة والملل نسأل الله الكريم من فضله. قال (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) أي قد حُبسن في الخيام أي جالسات فيهن بطمأنينة ورضى لا تتطلع إلى أن تخرج وهذا ترغيب للمؤمنة في أن أعلى منازلها أن تبقى في منزلها وأن تقتصر على بيتها. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما حجّ بزوجاته بعد ما رجع من الحج قال لسودة: "هذه ثم الزمنَ ظهور الحُصر" يعني أبقين في بيوتكن يكفي حتى في الحج يكفي ترى جلوسكم في البيوت خير لكن من أي شيء آخر. وقيل لفاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أم الحسنين ما خير للمرأة يا بنت رسول الله؟ قالت: خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يروها. أخير شيء للمرأة ما هو أن تجعل عباءة على جسدها أو على جسمها ولكن أن تجعل بينها وبين الرجال جداراً لا تخترقه الأنظار، هذا خير شيءٍ للمرأة. ولكن لما كان هذا الأمر شاقاً لم يوجبه الله عليهن فخيّرهن لكن من هي التي تقوم بذلك؟ قد بلغني أن امرأة بالمدينة أمٌ لأحد الدعاة تقول: ما دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذُ ستين عاماً فتقول لها النساء كيف ما تروحين تصلين في المسجد النبوي وتأنسين في الصلاة فيه؟ فتقول: لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وبيوتهن خير لهن. هذه قالها لمن؟ للصحابيات اللواتي كن يصلين معه، فبيتي خير لي من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتعجبت من هذا لأن هذا والله نادر في النساء. قال الله عز وجل (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) أي لم يجامعهن ولم يفتضضهن إنس قبلهم ولا جان ومن مُتَع الجنة أن الرجل كلما أتى أهله وجد المرأة بِكراً عذراء ويُعطى المؤمن في الجنة قوة مئة في الطعام والشراب والجِماع. قال الله عز وجل (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) متكئين على رفرف خضر، الرفرف هي نوع من الفُرُش جعلها الله عز وجل للمؤمنين في الجنة. قيل يسمونها "المحابس" بلغة العرب وهي كأنها أطراف الفُرُش (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ). وقيل هي نوع من البسط الناعمة. رفرف خضر ذكر الله عز وجل لونها. (وَعَبْقَرِيٍّ) وبُسُط مبثوثة في الجنة، حسان. العبقري يقولون هو الشيء العالي في جنسه يسمى عبقرياً حتى في البشر يقال فلان عبقري أنه عالي الذكاء. وكذلك من البسط والفرش العبقري منها هو البساط المتناهي في النفاسة والجمال والجودة والنعومة. قال (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) في غاية الحسن عندما تنظر إلى البساط لا تدري هل هو روضة غنّاء فيها أزهار وأشجار وورود وأشياء تملأ العين؟ أو هو بساط من حسنه وجماله؟. قال الله عز وجل (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). ثم قال (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لاحظوا لما ذكر قوله (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) لما ذكر الاتكاء في المشهدين يذكر على أي شيء يتكئون، وهو أنهم يتكئون على فرش عالية ونفيسة ورفيعة وجميلة ليس كما في يحصل في الدنيا أحياناً تجد مكاناً تتكئ عليه لكن يكون جامداً أو يابساً أو لا يكون نظيفاً أو لا يكون طيباً أو يكون طيباً وناعماً لكن لا يكون جميلاً. أما في الجنة فيأتي الأمر مستوفى من جميع جوانبه لا يُترك شيئاً من النعمة ولا من اللذة ولا من السرور والحبور إلا أدركه المؤمنون في الجنة، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى عليهم. قال (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ) استدلّ بعض المعاصرين بهذه الآية على أن اللون الأخضر هو سيد الألوان وقال إن الله عز وجل ذكر اللون الأخضر لباساً ولوناً مختاراً لأهل الجنة، ولا شك أن استنباط مثل هذه المعاني من الآيات له قيمة. قال (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) لا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب.

(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)  تبارك بمعنى كثُر خيره وبِرّه وإحسانه وعمّ نفعه وعظُمت جلالته وقدره. (تَبَارَكَ) من تفاعل الذي يكثُر منه شيئاً بعد شيء. وقد جاء هذا المعنى لربنا سبحانه وتعالى في عدد من المواطن (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الفرقان) أي كثُر خيره. وهذا يدلّ على أن "تبارك" تأتي مع الشيء الكثير الخير لأنه كيف يكون تبارك ولا يذكر في الآية شيء كثير خيره؟! فلما يقول (نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ (1) الفرقان) ليدل ذلك على كثرة الخير الموجود في القرآن شيءٌ لا يقادَر قدره ولا يوصَل إلى منتهاه (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى (31) الرعد) أي لكان هذا القرآن من كثرة خيره وبركته ومن عظم قدره ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى فهو كلامه. وقال (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الملك) وقال هنا (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) وقال (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون) فالتبارك هو دلالة على كثرة الخير وامتداده واتساعه وعظمه وجلالته. قال (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) هل قوله اسم ربك اسم هذه صلة زائدة والمقصود تبارك ربك؟ أو أنها أصلية؟ قولان لأهل العلم والصحيح منهما أن قوله تبارك هي للاسم وإذا كان الاسم "تبارك" فلا شك في أن الذات "تبارك" كما قال (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون) (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الملك) (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ (1) الفرقان) فهذه كلها لله. وهنا بركةٌ أخرى نابعة من اسم الله عز وجل، فاسم الله أيضاً تعاظم خيره وتكاثر بِرّه وإحسانه ولذلك إذا ذكر اسم الله على شيء انتفع ذلك الشيء بذكر اسم الله. انظر للذبيحة تذبحها فتقول بسم الله فتحلّ فإذا لم تذكر اسم الله عليها لم تحلّ كما هو قول جماعة من أهل العلم. ولو تقصّد وهو ذاكر أن لا يذكر اسم الله عليها فإن الصحيح أنها لا تحلّ إذا قصد أن لا يذكر اسم الله عز وجل عليها وتعمد ذلك. وانظر إلى الإنسان إذا قال بسم الله فذكر اسم الله سبحانه وتعالى لم يستطع الجن ولا المخلوقات غير المرئية أن تشاهد عورتك، ستر ما بين عوراتنا وأعين الجن أن نقول بسم الله، هذه من بركة اسم الله. اسم الله إذا ذكرته في شيء عمّ نفعه وكثر خيره ولذلك يقول الإنسان في بداية قراءته (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وجاء في أول آية أُنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أي مبتدئاً ومستعيناً باسم ربك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما ذُكر الاسم ليبيَّن أنه لا ينبغي للإنسان أن يذكر الله بقلبه مجرّداً عندما يريد التلاوة أو عندما يريد البداءة بشيء وإنما يذكر الله مبتدئاً باسمه ولذلك جاء التسبيح مقرونا بالاسم فقال (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الأعلى) وما قال سبحْ ربك الأعلى لماذا؟ لأنه كيف تسبح؟ لا تسبح الله إلا عن طريق الاسم، فلا يقصد أن تسبح الله تسبيحاً مجرداً بقلبك تنزهه بقلبك بل سبِّح ربك ذاكراً اسمه ولذلك تقول في ركوعك وفي سجودك سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى. قال (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) أي صاحب الجلال والمهابة والمكانة العظيمة، الكبير جلّ جلاله، العظيم سبحانه. والإكرام الذي يُكرم عباده المؤمنين والإكرام الذي ينبغي أن يُكرَم ويُجلّ ويُعلا وفلا يُهان جل جلاله لا يُهان هو ولا اسمه ولا يُهان شيء من شرعه ولا يُخفض شيء متصل به سبحانه وتعالى حتى إذا العلماء كرهوا أن يقال مُسيجد ومُصيحف لماذا؟ قالوا كل شيء متصل بالله لا يجوز تصغيره ولا التقليل منه ولا عدم إكرامه بل يجب إكرامه.

وبهذه المناسبة نحن ننبه إلى قضية إكرام كلام الله عز وجل بمدّ الأرجل كان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يشدد في هذا كثيراً ويرى أنه لا يجوز مدّ الرِجل إلى المصحف إذا كان المصحف أمام الرجل وذكر الشيخ مسألة لطيفة فقال لو كان أبوك في ذلك المكان أكنت تمدّ رِجلك؟ قالوا لا، قال والله للمصحف خيرٌ من أبيك وخير من الدنيا وما عليها. فلا ينبغي مد الرِجل إليه لكن لو كانت المصاحف بعيدة أو كانت مرتفعة وعالية عن الأرجل فلا بأس ونرجو أن لا يكون في ذلك شيء من الحرج.

 

وبهذا تكون هذه السورة قد انتهت وهي سورة الرحمة فمن أراد أن يتذكر رحمة الله عز وجل ومن أراد أن يشكر نعمة الله عز وجل فليقرأ هذه السورة ليجد فيها ذكر الدنيا وذكر الآخرة، النعم التي أنعم الله بها علينا في الدنيا والنعم التي أنعم الله بها علينا أو سينعم بها علينا في الآخرة، كلها مذكورة في هذه السورة التي افتتحت بقوله (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل