تفسير سورة الذاريات - المجلس الثاني والأخير - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الذاريات - المجلس الثاني والأخير

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)).

 (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)) عندما قدّم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الطعام لأضيافه ورأى أيديهم لا تصل إليه نكِرهم عند ذلك بلّغوه بأنفسهم وعلّموه من هم ونقلوا إليه البشارة فبشّروه بغلام عليم وهو إسحاق، ثم بشّروا امرأته بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)). عند ذلك قال لهم إبراهيم (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)) يعني إن كنتم قد جئتم من عند الله عز وجل ما هو خطبكم؟ ما شأنكم؟ ما أمركم؟ ما خبركم؟ (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32)) نحن جئنا مرسَلين إلى قوم مجرمين (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33)) أي حجارة قد خُلِقت وكُوّنِت من الطين فهي يابسة. (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) أي مُعلّمة قد وضِعت عليها علامات قد وضع الله عليها علامات فكل حجارة تقع على مجرم من هؤلاء المجرمين. (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)) هنا اختصر القصة وفي الآيات الأخرى في سورة العنكبوت وفي هود جاء بها بشيء من التوسع وذِكْر كثيرٍ من الأمور التي لم تذكر في هذا المكان لأن إبراهيم لما قالوا له: إنا سنذهب لنهلك أهل هذه القرية الظالمين قال: أرأيتم لو كان في نصف أهلها مؤمنين أكنتم تهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فإن كان فيهم ربعهم؟ قالوا: لا، (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) فكان عليه الصلاة والسلام خائفاً على من؟ على لوط أن يشمله العذاب معهم لأنهم ذكروا أنهم سيهلكون القرى ويدمرونها كلها فخاف على ذلك المؤمن النبي الكريم لوط الذي هو ابن أخِ إبراهيم u. (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ) وهنا قال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)) أي أخرج الله U من كان فيها من المؤمنين وهم لوط وبناته. ثم قال الله (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ) بيت واحد من بين هذه القرى المنتثرة في تلك المنطقة بيت واحد من المسلمين الذين أسلموا لله U. وهنا يأتي السؤال لماذا قال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36))؟ هذا سؤال كثيراً ما يتداوله الناس أو يذكرونه ويطرحونه، والجواب عليه واضح: البيت المسلم هو بيت واحد الذي يظهر منه الإسلام لأنه بيت مسلم قد أسلم لله ظاهراً، فيه امرأة منافقة لكنه بيت مسلم. البيت مسلم لكن أهله ليسوا كلهم مؤمنين، البيت مسلم من فيه مسلمون، الزوجة هذه كانت مع قومها في قلبها وكفرها لكن في الظاهرية مع لوط ولذلك البيت مسلم، لكن هل أهله كلهم مؤمنون؟ لا، ولذلك قال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)) وهم لوط وبناته وما وجد فيها إلا بيت واحد مسلم ما يقول بيت مؤمن لأنه لو قال بيت مؤمن لدخلت امرأة لوط، قال بيت مسلم أي ظاهره الإسلام لكنه ليس البيت كله مؤمناً لأن فيهم امرأة لوط u. ولذلك قال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)) وهم لوط وبناته لأن الله قال له ماذا؟ قال (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ). فالمرأة ليست منهم ولذلك لما خرجت أرادت أن تخرج معهم التفت إلى قومها فأخذها العذاب. وخرج لوط u وبناته فالذين خرجوا هم المؤمنون. لكن لما تنظر إلى البيوت ليس هناك إلا بيت واحد هو البيت المسلم سمي مسلماً لأن فيه ماذا؟ فيه مؤمنون وفيهم كافرة، وهذه الكافرة ظاهرها إسلام وباطنها كفر محض ولذلك قال (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)). ما نجى إلا المؤمنون وهم لوط وبناته وما وجد فيهم إلا بيت مسلم واحد فسمّى البيت بالإسلام لأنه قد ظهر منه الإسلام والباطن فيه فيهم أهل إيمان وفيهم أهل كفران لكن كلهم قد ظهر منهم الإسلام.

قال (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا) أي في تلك الفَعلة التي فعلناها بهم (آيَةً) جعلناها آية عظيمة وسيأتي معنا إن شاء الله في سورة القمر ماذا فعل الله بهم؟ طمس أعينهم ثم حُمِلت تلك القرى حتى بلغت عنان السماء ثم قُلِبت ثم رُموا بالحجارة ثم كانت عليهم الصيحة فجمع الله عليهم أربعة أنواع من العذاب: (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ) والصيحة والحجارة والقَلْب وكل واحد له حكمة وليس هذا موطن التفصيل فيه.

قال (وَتَرَكْنَا فِيهَا) إما أن يكون في الفعلة والعقوبة التي عليه

أو (وَتَرَكْنَا فِيهَا) أي في قراهم (آيَةً) حيث جعل الله مكان قراهم ماء مالحاً ممجوجاً منتناً لا يحيا فيه شيء وهو مكان البحر الميت.

(وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ) وهو المكان الذي في منطقة الأردن بين الأردن وفلسطين منطقة البحر الميت هذه يقال أنها من أثر أولئك ولذلك يستحب كثير من العلماء أو يرى بعض العلماء وجوب أن يمر بها مروراً ولا يمكث فيها لأنها من ديار القوم المعذبين وهذا محل بحث وإشكال. قال (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً) لمن؟ (لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)) لماذا لا يكون للناس جميعاً؟ هي الحقيقة آية للناس جميعاً ولكن لكون الذين يخافون العذاب الأليم هم الذين ينتفعون بمثل هذه الآية ذكرهم وإلا فهي آية للناس أجمعين.

قال الله U (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)). قوله (وَفِي مُوسَى) أي وفي موسى آية لأنه قال قبلها (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً) (وَفِي مُوسَى) أي آية أخرى. فقوله (وَفِي مُوسَى) معطوفٌ على قوله (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً). (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)) أي بآيات باهرة واضحة الدلالة لا يكاد يراها أحد إلا ويؤمن بها. ولذلك السحرة وهم أهل السحر والضلال عندما رأوا تلك الآية من موسى سجدوا لله رب العالمين، رب موسى وهارون من شدة إبانتها للحق وإيضاحها له. (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ) أي بحجّة (مُبِينٍ) أي بيّنة ظاهرة في دلالتها على أن موسى رسول من عند الله. (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39)) تولى بركنه إما أن يكون معناها: تولى بجنوده وأصحابه سُميَّ الجنود والأصحاب ركناً لأنه يركن إليهم أو (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) أي بجانبه الذي يركن إليه مثل قوله U (ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يعني تولّى مُعرِضاً مستكبراً عن الحق وما كان عنده إلا إحدى كلمتين (سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ساحر من أين؟ السحرة أنفسهم آمنوا كيف يكون ساحراً؟! آمنوا علموا أن هذا من عند الله. مجنون، كيف يكون مثل هذا الذي هو أعقل العالمين مجنوناً؟! لكنها طريقة الكفار في التعامل مع آيات الحق لا يقابلونها إلا بالتهم المعلبة تهم جاهزة، سحر كهانة إرهاب إلى آخره العبارات التي يقولونها ولا يذكرون عليها دليلاً ولا مبرراً وهذا من ضعف الباطل، باطل ضعيف الحجة ليست عنده حجة ولا يستند إلى حجة. ولذلك عندما تأتي آيات الحق شاهدة يقابلونها بمدافع الدعاوى والتهم التي دائماً يقابلون بها الحق في كل زمان هؤلاء رجعيون هؤلاء متخلفون حتى إنهم يعيّرون أهل الحق بما يُمدَحون به مثل ما قالوا في حق لوط (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) لماذا أخرجوهم؟ لأنهم يسرقون أو لأنهم يزنون أو لأنهم يكذبون؟! (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) النمل) عيبهم ومشكلتهم الوحيدة أنهم يتطهرون!.

قال الله عز وجل (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) أي ألقيناهم فيه وطرحناهم طرحاً على سبيل الإهمال. (فِي الْيَمِّ) أي في البحر (وَهُوَ مُلِيمٌ (40)) أي ملوم على فعلته لأنه قام بها مختاراً عناداً واستكباراً. قال (وَفِي عَادٍ) أي آية أخرى (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ) وعاد هي القبيلة المعروفة في جزيرة العرب ومساكنهم الأحقاف وهي جنوب الجزيرة منطقة الربع الخالي إلى حضر موت. ولعل ما في هذه المنطقة من الرمال هو أثر من آثار تلك الريح العقيم التي نزلت أو عُذِّب بها أولئك القوم وما زال فيها أثر الريح إلى اليوم سبحان الله! ففيها رياح مستمرة تدور بتلك الرمال فيها إلى اليوم: تأتي للمنطقة وفيها جبل عظيم من الرمل ثم تأتي من الغد فلا تلقى الجبل في مكانه سبحان الله إلى اليوم وهذا موجود قال (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41)) يعني التي لا خير فيها. قال النبي صلى الله عليه وسلم «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» وهي ريح الجنوب، الريح التي تأتي من جهة الجنوب هي التي أُهلِكت بها عاد. (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)) أي جعلته مدقوقاً كالرميم تدقّه دقّاً فكانت تأخذ هؤلاء الأقوام على عِظَم خلقهم التي لم يخلق مثلها في البلاد أوتوا بسطة في الخلق تحمل الرجل ثم تحمله في عنان السماء ثم تلقيه على رأسه فيصبحون كأنهم أعجاز نخل خاوية سبحان الله! كأنها نخلة مقلوبة. أعجاز نخل خاوية قد ذهبت رؤوسهم واندقّ أعلاهم الكتف وما يليه قد اندق كأنهم أعجاز نخل خاوية. قال (إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ) أي آية أخرى (إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43)) بعدما كذبوا برسولهم صالح عليه الصلاة والسلام وعقروا الناقة التي جعلها الله عزّ وجل لهم آية عظيمة قيل لهم تمتعوا حتى حين يعني حتى ينزل بكم العذاب. (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) وهي صيحة عظيمة لم تُبقي منهم دياراً ولا نافخ نار. (وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44)) سبحان الله يعني ينظرون إلى هذا العذاب وهو يحلّ بهم وينزل في ديارهم. (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)) ما استطاعوا أن يقوموا ولا استطاعوا أن يجدوا أحداً ينصرهم من بأس الله إذا نزل بهم.

قال الله عز وجل (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ) أي من قبل هؤلاء جميعاً من قبل لوط ومن قبل عاد ومن قبل فرعون ومن قبل ثمود (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)) أي قوماً خرجوا عن طاعة الله عز وجل وتمرّدوا على أنبياء الله. لما انتهى من ذكر هؤلاء القوم الذين تمرّدوا على عبودية الله عز وجل ولم يسلكوا الطريق الموصِل إلى الله كما سلكه إبراهيم وكما جاء في صفات المتقين الذين جعل الله لهم الجنات والعيون قال مستدلاً على قدرة الله وعلى أن القلوب يجب أن تنصرف إليه وأن تفر إليه وأن لا تلتجئ إلى أحد إلا له سبحانه وتعالى قال (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)). هذه السماء التي ترونها والتي أقسمنا بها وأقسمنا بربها (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7))، (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)) قال (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا) هذه السماء (بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)) أي بنيناها بقوة. بالمناسبة هذه "أيدٍ" ليست بمعنى اليد الجارحة المعروفة وإنما أيدٍ من آد يئيدُ أي بقوة كما قال الله عز وجل (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) ص)، (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) ص) أي ذا القوة. فهنا (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أي بقوة ولذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما كتبوا المصحف كان لكتابتهم أسرار وأعاجيب ولو تأملتم الآن بين أيديكم انظروا (بأييد) كيف كتبت؟ بياءين يبين لك أن هناك فرق بين الأيدي التي هي جمع يدٍ والأيد التي من آد يئيدُ فكتبت بياءين، فليست هذه الآية من آيات الصفات أصلاً ولذلك (بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أي بقوة (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)) أي موسعون في الخلق خلقنا وسيع جداً عظيم ولذلك الآن في مطامع الخلق في أن يتطلعوا إلى هذه السماء يحاولون أن يصلوا فيها إلى شيء ما استطاعوا، صنعوا مجاهر عظيمة جداً وأخذوا يتطلعون إلى هذا الكون الفسيح يحاولون أن يصلوا منه إلى نتيجة وإلى نهاية ما استطاعوا من أنت يا ابن آدم؟ أنت مخلوق ضعيف جداً وقليل وصغير وحقير وما أنت بشيء في هذا الملكوت العظيم الذي يحيط بنا وهي السماء. وبعض الناس استدل بهذه الآية قال: موسِع اسم فاعل من أوسع تدل على الاستمرار، موسعون أي نزيد في الخلق شيئاً فشيئاً. وأثبتت بعض البحوث الآن أن الخلق يتسع أو السماء تتسع وهذا الكون يزيد يوماً بعد يوم فإن صحّ ما قالوه كان في الآية دلالة على هذا المعنى وإن لم يصح فمعنى الآية أن الله أوسع في الخلق وعظّمه.

قال الله عز وجل (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا) انظروا استدل بآية سماوية وبآية أرضية. الآية السماوية ترفع إليها بصرك والآية الأرضية تلمسها بيدك تنظر إليها وهي قريبة منك. (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا) جعلناها فراشاً (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)) مع العلم أنها معلّقة ليست متكئة على شيء بل هي في الهواء ولو شاء الله عز وجل لجعلها مضطربة تميد وتتمايل فلا يستقر عليها بناء ولا يعيش عليها إنسان. قال (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)) من كل شيء خلق الله زوجين جعل كل شيء مكوّن من زوجين، فالزوجية لازمت الخلق. ولذلك ابن آدم مخلوق من زوجين والحيوانات مخلوقة من زوجين بل إن الناس الآن تأملوا في هذه الكائنات فوجدوا أن كل الكائنات مكوّنة من زوجين حتى الماء ذرة من الهيدروجين والأوكسجين مكون من زوجين، الكهرباء سالب وموجب، الهواء نفس العملية مكون من زوجين، كل شيء لماذا؟ ليبين لك الله U أن هذا الكون ما يقوم بمفرده بل لا بد يظهر الضعف عليه فلا يقوم وحده إلا هو I الأحد الصمد الذي يقوم بكل شيء ويقيم كل شيء ولا يحتاج إلى شيء من خلقهI ، فردٌ صمد، وأما خلقه فهم لا يقومون إلا بشيء يكمّلهم ويقيمهم.

قال الله عز وجل (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) هذا الذي خلق السماء وفَرَش الأرض وخلقكم من ضعف وبيّن ضعفكم لا تذهبوا إلى أحد سواه فرّوا منه إليه ولا أحد يُفرّ منه إليه إلا هو I. (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)) (إِنِّي) أي النبي e (لَكُمْ مِنْهُ) أي من الله (نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)) أنذركم وأخوّفكم من الله I فينبغي علينا يا إخواني أن نسارع بأن نفرّ إلى الله جل وعلا، والفرار منه إليه يكون بالعبودية الحقّة بأن نكون من المؤمنين الصادقين الذين (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)).

قال (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي لا تجعلوا مع الله إلهاً تعبدونه فإنه لا يستحق العبادة أحدٌ إلا الله، وما هذه الآلهة التي تجعلونها (إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) ليس لها من الألوهية نصيب إلا الأسماء التي ركبتموها عليها وإلا فلا حقّ لها في هذه الألوهية. (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)) أخوّفكم به سبحانه وتعالى وأُنذِركم من عذابه.

قال الله عز وجل (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)) يبيّن الله عز وجل سُنّة من سنن المكذبين وهي أنهم ما أتى المكذبين من رسول إلا قالوا فيه إنه ساحر أو مجنون. (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ) أيّ رسول جاء وبُعِث إلى أي أمة إلا قيل فيه إما ساحر أو مجنون ومستمرة هذه حتى في ورثة هؤلاء الرسل من المصلحين والدعاة إلى الله عز وجل تقال فيهم مثل هذه الكلمات. فإذا قيل في حقك شيء من هذا أيّاً كانت هذه التهمة بأي لون أو بأي لفظ يدل على التنقصّ منك وعلى المجازفة في اتهامك فلا تقلق فقد قيل في حق من هو خير منك رسول الله صلى الله عليه وسلم والكوكبة العظيمة من رسل الله من أول الدهر إلى اليوم.

قال الله عز وجل (أَتَوَاصَوْا بِهِ) يعني هل وصّى بعضهم بعضاً بهذا الذي يقولونه ساحر أو مجنون؟! قال الله (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)) هذه نتيجة الطغيان، النتيجة الحتمية للطغيان أنها توصل إلى هذا، فالطاغية ما يسمع ولا يخضع إلا للمحركات الداخلية الشهوانية يريد شيئاً يستجيب لشهوته فأنت ما دمت تقول له أحسنت وأنت الملك المعظّم وأنت الفاضل وأنت الذي على الطريق المستقيم وأنت أحسن الخلق والناس معجب، وإذا قلت له اتقِ الله انتبه إنما أنت بشر ويجب عليك أن تطيع الله انتفخ وما يعقل من كلامك شيئاً فيبدأ باتهامك بالسحر والكهانة والجنون وغيرها من التهم. (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)) ولذلك قال الله في سورة العلق (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)) متى رأى الإنسان نفسه استغنى لا بد أن يطغى وإذا طغى قال مثل هذا الكلام ساحر أو مجنون.

قال الله عز وجل (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) يعني يا محمد عندما يقولون لك هذه العبارات ويصمونك بهذا الوصم لا تتشاغل بهم ولا يكون من همك أن تدافع أنا لست ساحراً ولا مجنوناً، لا تتشاغل بهم تولّى عنهم اتركهم أنت قد بلّغت أدّيت ما عليك، هذه التهم إياك أن تحرقك أو تؤثر على نفسيتك إنها سُنّة قد كانت في المكذّبين مع الأنبياء السابقين وهي معك أيضاً كما كانت مع من قبلك (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)) لا تُلام.

قال الله U (وَذَكِّرْ) هذه المهمة التي بعثك بها أن تذكر أن تأتي بالذي عندك فتذكّر. والتذكير من مقتضاه أنك تأتي بالشيء مرة بعد أخرى تذكّر، ما تقول الشيء مرة واحدة وتقول خلاص انتهيت لا، التذكير من لوازمه أن يكون مرة بعد أخرى. لما أقول ذكّرني يا أخي بهذا الأمر فأنت تتصل وتذكّر وتتصل وتذكّر وتتصل وتذكّر أي تنقلني من حالة الغفلة إلى حالة الذكر واليقظة وهذه مهمة الأنبياء بل هذا هو الذي جاء بالقرآن يأتي التذكير بوحدانية الله في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود إلى أن تصل إلى سورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)) تذكير مرة بعد أخرى، وعسى أن ننجو وعسى أن نعقل. ولذلك كثير من الناس يقول أنا كم مرة نبهت ونصحت وقلت لكن ما من سامع ولا من مجيب ولا من مطيع! نقول ذكِّر كما أمر النبي e أن يذكِّر ولذلك لا تيأس. كم مرة يقول بعض الناس يا أخي أنا الكلمة هذه رددتها مراراً وتكراراً وقلتها لجماعة المسجد أو لأصحابي أو لأهل بيتي أو لزوجتي أو لأبنائي والله عشر أو عشرين مرة! ذكّر (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)) أي هذه الذكرى سينتفع بها أهل الإيمان. ولذلك سبحان الله أنا أقول لكم عن نفسي وعن أنفسكم كلنا الآن نعرف وجوب بر الوالدين لكن لو حدثتكم الآن دقيقتين عن برّ الوالدين كل واحد تهفو نفسه أنه يطلع الآن يذهب إلى والده أو والدته أو الحيّ منهما ويريد أن يقدّم شيئاً، هو استجد لك علم جديد؟! ما استجد لكن هذه فائدة الذكرى ينتفع بها المؤمن مهما كانت ينتفع بها ولماذا هو الذي ينتفع؟ لوجود الأرض الطيبة التي تحمل الإيمان القلب الذي يحمل الإيمان هو الذي يقبل الخير الذي يأتي من الذكرى قال (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)).

قال الله U (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) ما خلقت هذا الخلق إلا من أجل أن يعبدوني. فإن قلت هل المقصود ما خلقتهم إلا ليعبدوني جميعاً؟ إذاً هل تحقق هذا؟ ما تحقق، فنقول (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) أي طوعاً وكرهاً فمن الناس من يعبد الله طوعاً وهم المؤمنون الصادقون ومن الناس من يعبد الله كرهاً وهم سائر الخلق لأنهم هم عباد لله ذليلون خاضعون لا يستطيعون الخروج من عبوديتهم لله سبحانه وتعالى، هم عباد مقهورون قهراً. وبهذا تكون الآية عامة صالحة للإنس والجنّ المؤمن والكافر البرّ والفاجر المطيع والعاصي. أو يقال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) أنا خلقتهم وأنا أريد منهم أن يعبدون إرادة شرعية والإرادة الشرعية لا يلزم وقوعها. إذا أراد الله شيئاً شرعاً لا يلزم أن يقع. ما الذي يلزم وقوعه؟ الإرادة الكونية القدرية فإذا أراد الله شيئاً كوناً وقدراً لا بد من وقوعه، أما إذا أراد شيئاً شرعاً يعني أنا أحب ذلك وأرغب فيه يا عبادي فإنه قد يقع منهم وقد لا يقع منهم، وهذا هو الذي استظهره الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله تعالى في "أضواء البيان" وهو أن قوله (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) أي هذا الذي أريده منهم فمنهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعل ذلك.

قال الله U (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)) أنا لا أريد منهم شيئاً أنا ما خلقتهم إلا من أجل أن يعبدوني ومن قام بها استحق جزائي العظيم ومن لم يقم بها فله عليّ أن أعذّبه عذاباً أليماً. قال (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)) قوله (مِنْ رِزْقٍ) في سياق النفي تدل على تمام الاستغراق في النفي، ما أريد منهم أي شيئاً من الرزق لأني أنا الغني الذي بيدي كل شيء. (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) الذي يكون منه الرزق فما من أحد يُرزق إلا ورزقه من ربه I. (ذُو الْقُوَّةِ) أي صاحب القوة الذي بيده كل شيء وعنده كل شيء ومنه كل شيء ولا يعجزه شيء. (الْمَتِينُ (58)) المتانة في الشيء بمعنى عدم الانقطاع. (ذُو الْقُوَّةِ) الذي لا يمكن أن يقطعه شيء عما يريد فهو ذو قوة ومتين I لا يمكن أن يقطعه عما يريد أحد، متين سبحانه وتعالى. وبعضهم قرأ (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ) أي القوة قوة متينة شديدة والقراءة المشهورة (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)) أي الله متينٌ I.

ثم قال الله U خاتماً هذه السورة بتهديد أولئك المعرضين عن عبوديته (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أي ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي (ذَنُوبًا) الذَنوب يراد به الدلو يقال له ذنوب، والمقصود هنا النصيب والحظّ فإن لهم نصيباً وحظاً من العذاب مثل نصيب وحظّ من سبقهم من الأمم التي كذبت قبلهم. فإن قلت لِمَ سمى النصيب ذنوباً؟ ليشبّه نصيبهم من العذاب بما يكون في الدلو فإن الدلو يأتي مرة بعد أخرى، هذا واحد وهذا واحد وهذا واحد ولكل أمة تكذِّب لها نصيب غير نصيب من سبقها. وأيضاً لأن ما في الدلو يصبّ والعذاب غالباً ينزل على العباد صبّاً كما يأتي الماء الذي في الدلو صباً. (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ) أي مثل نصيب من سبقهم (مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59)) يعني العذاب نازل بهم نازل بهم فلا يستعجلونه. ما الذي يدعوهم لاستعجاله؟

(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)) أي ويل لهؤلاء الكافرين من يومهم الذي ينتظرهم الذي قد وعدهم الله إياه ولاحظوا في القرآن يا إخواني يأتي التعليق بالاسم الموصول لماذا؟ لكي يصلُح التعليق لماذا (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا)؟ ما قال فإن لهم ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم لو قال فإن لهم ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم ما عرفنا لماذا لهم ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم؟ فلما قال (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ) لماذا؟ لظُلمهم لأنه علّق الحكم بالظلم قال (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا). (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)) لماذا ويل لهم؟ لأنهم كفروا، فكذلك كل من كفر وكذلك كل من ظلم. بهذا نعرف أن هذه السورة العظيمة اشتملت على معاني جليلة يجمعها وينتظمها أن هذه السورة سورة العبودية لله، يجب على العباد أن يلتجئوا إلى الله ويفرّوا إليه وأن لا يعبدوا إلا إياه وأن يعبدوه حق العبادة وأن يترقوا في مدارج العبودية حتى يصلوا مرتبة الإحسان فيكونون (قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)) وإلا يفعلوا يكونون مثل قوم لوط الذين أنزل الله (عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)) ومثل فرعون الذي تولّى (بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)) ومثل عاد إذ أرسل الله (عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)) ومثل ثمود الذين عتوا عن أمر ربهم (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)) وأنتم أيها المذكَّرون بهذه النعمة والذين قيل لكم فرّوا إلى الله إياكم أن تكذّبوا فإنكم ما أُمرتم إلا بحق وإياكم أن تسلكوا مسالك الأمم السابقة التي ما أتاهم (مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)) سبحان الله! (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)) هذه هي النتيجة الحتمية للطغيان. ما طغى أناسٌ إلا كذّبوا بهذه الحقائق ودفعوا هذه الآيات التي تأتي بها رسل الله من قِبَل الله I.

 

نسأل الله I أن يجعلني وإياكم جميعاً من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك ماض فينا حكمك عدل فينا قضاؤك نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم علّمنا منه ما جهلنا وذكّرنا منه ما نُسِّينا وارزقنا تلاوته على الوجه الذي يرضيك عنا يا حيّ يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل