تفسير سورة الذاريات - المجلس الأول - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سور الذاريات -المجلس الأول

لفضيلة الشيخ د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري

(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)).

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله e تسليماً كثيرا، أما بعد. فهذا هو المجلس الأول من مجالس تفسير سورة  الذاريات في هذا اليوم الثامن من ربيع الثاني من عام ألف وأربع مئة وثلاثة وثلاثين في هذه الدورة المباركة دورة الأترجة المقامة في جامع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه في بريدة.

هذه السورة العظيمة "سورة الذاريات"  تتحدث عن طريق العبودية وأنه واجب على كل الخلق أن يتوجهوا إلى الله U بالعبادة وأن يفروا إليه وحده وأن لا يعبدوا إلا الله I كما سيتبين في آخر السورة. وترسم للمؤمنين الصادقين طريق العبادة وماذا ينبغي عليهم أن يكونوا في عبادتهم لربهم I فقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة أن المتقين الذين يؤتون الجنة هم أولئك المحسنون الذين (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)).

هذه السورة العظيمة افتتحت بقوله I (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) وتلاحظون أن هذا الذي أقسم عليه الله U من أن الجزاء والحساب واقع هو الذي اختتمت به السورة التي قبلها وهي "سورة ق" عندما قال الله U (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)) هذا اليوم الذي وُعِد الناس إياه هو اليوم الذي يُقسِم الله عليه في قوله (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) أي وإن الجزاء والحساب لواقع لا محالة في ذلك. وقوله (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1)) الذاريات هي الرياح لأنها تذرو أي تحمل (ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2)) وهي السحب تحمل الماء بأمر الله U فإن الريح تحمل السحاب وتسيّره والسحاب تحمل الماء الذي يريد الله U أن يرزق به من شاء من عباده. قال (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3)) أكثر السَلَف على أن الجاريات هي السفن (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) الرحمن). (يُسْرًا) أي ميسرٌ جريها في الماء وهذا ملاحظ فإن السفينة تجري بفضل الله عز وجل في الماء وعليها من الأثقال ما لا يكون على غيرها من وسائل الاتصال. فانظروا يا إخواني إلى السفينة الواحدة كم تحمل من مئات الآلاف من الأطنان وتسير في الماء سيراً رفيقاً ميسراً! وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده. وقال بعضهم (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3)) هي النجوم فإنها تجري بأمر الله عز وجل جرياً يسيراً وسهلاً. قال ابن كثير -وكأنه يميل إلى هذا القول- وهذا أنسب للتدرج من الأدنى إلى الأعلى أي إن الله بدأ بالريح ثم ثنّى بالسحاب ثم ثلّث بالنجوم ثم ربّع بالمقسمات أمراً وهي الملائكة، فتدرّج من الأدنى إلى الأعلى. وأكثر السلف على أن الجاريات يسراً هي السفن وهذا قول الجمهور. وهذا من اختلاف التنوع لأن الجاريات وصف وهذا الوصف يصح أن يُطلق على السفن ويصح أن يُطلق على النجوم ولا إشكال في ذلك وهو كثير في التفسير. قال الله U (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4)) هي الملائكة تقسّم الأرزاق والآجال بأمر الله U لأن الله وكّلها بذلك وأمرها به. ثم ذكر المُقسَم عليه فقال (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5)) أقسم الله في هذه الأمور الأربعة لأنها آيات عظيمة، الريح آية من آيات الله العظيمة، والسحاب آية من آيات الله العظيمة، والسفن آية من آيات الله العظيمة، والملائكة وعملها بين العباد آية من آيات الله العظيمة، فهذه الآيات التي خلقها الله وجعلها في الخلق دليل على أن الله قادر على بعث الخلق يوم القيامة ومجازاتهم على ما يكون منهم. (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) الدين بمعنى الجزاء والحساب كما قال الله U (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) الفاتحة) أي مالك يوم الجزاء والحساب، ومنه قولهم "كما تدين تُدان" أي كما تجازي وتفعل يُفعل بك وتجازى، وقوله في الحديث «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» دان أي حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت.

قال الله U (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)) أقسم قسماً جديداً على أمر جديد وهو قوله (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7)) أي ذات البهاء والحُسن والخلق القوي المتين. (إِنَّكُمْ) أيها المشركون المكذِّبون للبعث (لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)) يعني قد اضطرب أمركم، وانظروا إلى التناسب يا إخواني بين المُقسَم به والمُقسَم عليه فقال (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7)) أي هذه السماء المحكمة أنتم مضطربون ومختلفون لم تتفقوا على شيء، مما يدل على أنكم لا تركنون إلى شيء. أفلا تكونون مثل هذه السماء أو ألا تعتبرون بمن خلق هذه السماء فأحكم خلقها؟ هل يليق به أن يخلق الخلق ثم لا يبعثهم؟ يدع الظالم على ظلمه والمظلوم على مظلمته والكافر في سوء عمله والمؤمن في حسن عمله لا يبعثهم فيجازيهم كلٌ بما يليق به ويناسبه؟! إن هذا لا يليق بمقام الله جل وعلا ولا بحكمته وعدله ولذلك قال (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)) أي في شأن البعث. (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)) يعني يُصرف ويُضَلّ عنه من ضلّ ومن كتب الله عليه الشقاوة. والإفك هو القلب ومنه المؤتفكات وهي قرى قوم لوط قلبها الله I لأنهم قلبوا الفطرة التي خلق الله الخلق عليها وهي أن يتزوج الرجال النساء فأخذوا ينكحون الرجال والذكران دون النساء وهذا من قلبهم للفطرة التي استقر عليها أمر البشرية، فقلب الله U ديارهم عليهم جزاء وفاقاً من جنس أعمالهم.

ثم قال الله U (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10)) أي لُعِنوا والقتل هنا بمعنى اللعن والطرد والإبعاد وقد يكون بمعنى الإهلاك أي أهلكهم الله عز وجل ودمّرهم. والخرّاصون هم الكذّابون الذين يتكلمون في اليقينيات وفي القطعيات بأهوائهم من دون علم فيجعلون هذه الأصنام آلهة من دون علم ولا بيّنة ويُنكرون أمر البعث من دون علم ولا بيّنة. (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)) غمرة الجهل والكفر والتكذيب ومحبة الحياة. (سَاهُونَ) أي لاهون عن البعث وعن التفكير فيه وعن النظر فيما جئت به يا محمد من هذه الأمور العِظام فهم ساهون، وهذا نلاحظه في عامة الكافرين (هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ) مشغولون بهذه الحياة، يجمعون لها، وينشغلون بها، وينسون ما خُلِقوا من أجله.

قال الله U (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12)) يعني متى التفتوا إلى الآخرة نتج منهم شيء واحد وهو السؤال متى يوم الدين؟ هذا ليس من أمرنا وليس شغلاً لنا، هذا من أمر الله U. ولذلك يسأل المشركون النبي e متى الساعة؟ النبي صلى الله عليه وسلم يبيّن لهم أن الساعة من أمر الله وأنه علمها إلى الله ولا يجوز لأحد أن يسأل عنها. قال (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12)) يعني هذا هو منتهى ما يهتمون به في أمر الدين أو في أمر الجزاء والحساب والبعث. متى؟ إن كان حقاً فأخبرنا متى سيكون؟ والمؤمن إنما يسأل ماذا سيلقى في يوم الدين؟ ولذلك لما سأل النبي e رجلٌ من الصحابة قال: متى الساعة يا رسول الله؟ مباشرة حول النبي e السؤال إليه فقال: «ما أعددت لها؟ قال: يا رسول الله ما أعددت لها كثير عمل إلا أني أُحبُّ الله ورسوله. فقال: أنت مع من أحببت».

قال الله U (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13)) أي في ذلك اليوم الذي هم يسألون عنه سيكونون (عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) أي يُختبرون ويُمتحنون كما يُفتن الذهب. الذهب ما يكون ذهباً حتى يُحرق فيتميز المعدن المعروف من الذهب من بقية الشوائب يسمى الفتن ويسمى الذهب الفتين. (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13)) أي يُعذّبون ويُحرقون. (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) أي عذابكم (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)) لأنهم كانوا إذا هدّدهم رسول الله e وبيّن لهم الوعيد الذي ينتظرهم قالوا: ائتنا بالعذاب، هات العذاب، نحن نريد هذا العذاب الذي أنت تتوعدنا به، فيقال لهم يوم القيامة (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) كنتم تطلبونه في الدنيا قد جاءكم اليوم على أتمّ ما يكون.

قال الله U (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)) بعد ما انتهى من ذكر هذه الحقيقة العظيمة وهي أن الناس سيبعثون وأن أمر البعث والجزاء حقٌ لا مرية فيه، بيّن مواقف الناس فقال (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)) المتّقون هم من جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية وحقيقة التقوى خوفٌ يبعث الإنسان على العمل ويُخيفه من مقامه بين يدي الله U. قال (فِي جَنَّاتٍ) وليست جنة يعني في بساتين متنوعة كما سيأتي معنا في سورة الرحمن (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)) قال النبي e «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» فنسأل الله الكريم من فضله. قال (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)) عيون أيضاً، وفي الجنة عيونٌ تنبع فيها من أعظم العيون، فيها عين التسنيم، وفيها السلسبيل. (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) أي يأخذون تلك النعمة قد قبلوها من الله U وحمدوا الله عليها. وقال ابن جرير: بل المعنى (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) أي يفعلون ما أمرهم به الله U فيؤدّون الواجبات ويقومون بها، ولكن الظاهر أن قوله (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) بمعنى أنهم قابلين وآخذين النعمة التي يُنعِم الله بها عليهم ويُكرمهم بها وهي الجنة لأنه قال بعدها (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)) أي يأخذون تلك النعمة وينالون ذلك الجزاء لماذا؟ لأنهم (كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)). و(إنّ) تأتي في القرآن كثيراً بمعنى التعليل يعني آخذين ما آتاهم ربهم ولهم في الجنة أو في الدار الآخرة جنات وعيون لأنهم كانوا قبل ذلك محسنين. (قَبْلَ ذَلِكَ) أي في الدنيا (مُحْسِنِينَ) أي يؤدّون العمل بإحسان. وحقيقة الإحسان قد أخبر عنها النبي e في الحديث المشهور حديث عمر أو حديث جبريل عندما سأله رسول الله e قال: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال العلماء: فدلّ الحديث على أن الإحسان له مرتبتان: المرتبة الأولى: «أن تعبد الله كأنك تراه» والمرتبة الثانية: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» نسأل الله الكريم من فضله «أن تعبد الله كأنك تراه» يعني تقوم بالعبادة وكأنك في حضرة الرب سبحانه وتعالى تراه بأمّ عينك من شدة حضوره في قلبك، خوفك منه، محبتك له، إجلالك لربك، تعظيمك لشأنه، فإن لم تستطع هذا المقام فاستحضر أنه هو I يراك ويطّلع عليك ولا يخفى شيء من عملك عنه I. (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)) والإحسان كما يكون في معاملة الخالق يكون أيضاً في معاملة المخلوق ولذلك جاءت الآيات مبيّنة الإحسان مع الخالق والإحسان مع المخلوق فقال الله I (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)) هذا إحسان في معاملة الخالق (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)) هذا إحسان في معاملة الخالق (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)) هذا إحسان في معاملة المخلوق، انظروا وهذه الآيات سبحان الله تتحدث عن مقام الإحسان مع أنها تشبه آيات سورة المعارج لكن آيات سورة المعارج لا تتحدث عن مقام الإحسان، تتحدث عما يُنجي الإنسان (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)) وهنا قال (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)) وهنا يتبين الفرق. الحق المعلوم هو الزكاة (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وهنا الحق هنا ليس هو الزكاة شيء زائد عن الزكاة يؤكد ما ذكرناه من أنه يتحدث عن مقام الإحسان. فإن المؤمن إما أن يكون مسلماً أو مؤمناً أو محسناً وهنا الحديث عن مقام الإحسان. فهؤلاء المحسنون قد أدّوا الزكاة وانتهوا منها لكن عندهم شيئاً آخر فوق الزكاة يرونه حقاً عليهم (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وهي الصدقات التي يتصدقون بها ويقومون بها. قال (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)) يعني كانوا قليلاً من الليل هجوعهم أي الذي ينامونه من الليل قليل لطول قيامهم وهذا هو اللائق بمقام الإحسان، وهو أنهم يقومون من الليل قياماً طويلاً. جاء في السُنة حدٌ بأنه الثلث، لأن لربك عليك حقاً، ولنفسك أيضاً عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه. ولذلك قال النبي e «أحب القيام إلى الله قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» فهو يقوم ثلث ما بين النصف والسدس فيصبح مجموع النوم ثلثين والقيام ثلث. إذاً (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)) أي كانوا قليلاً من الليل هجوعهم يعني ما ينامونه من الليل قليل. ويؤكد هذا المعنى قوله I في سورة المزمل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)) وقال (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (20) المزمل). إذاً (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)) قوله (مَا يَهْجَعُونَ) "ما" مصدرية، وتكون كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. القول الثاني وهو لجماعة من السلف (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)) أي لا يهجعون، "ما" نافية، ويكون المعنى أنهم يقومون شيئاً ولو قليلاً من الليل، لا يدعون قيام الليل ولو شيئاً قليلاً. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعونه يعني هذا يلتزمونه مع الله سبحانه وتعالى، فمن زاد فهو قد زاد في باب من أبواب الإحسان العظيمة، لكن هذا قدر لا يدعونه أبداً. والقول الأول عندي أولى والله أعلم لأنه يتحدث عن مقام الإحسان، ومقام الإحسان يقتضي أن يكون للإنسان حظٌ من قيام الليل طويل. وليس المراد أنهم يأخذون من الليل ولو شيئاً خمس دقائق أو عشر دقائق وإن كان هذا خير، لكن المقام الذي تتحدث عنه الآيات مقام أناس يسابقون في ميدان عظيم وهو ميدان الإحسان فالمناسب في حقهم أن يقال: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم يعني ما ينامونه قليل وجاءت السنة ببيان ذلك القليل بأنه الثلثين والثلث يكون للقيام. قال الله U (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)) سبحان الله! ما أعظم إحسانهم! لأنهم كانوا يقومون من الليل ثم إذا جاء آخر الليل في السَحَر قبيل الفجر جلسوا يستغفرون لماذا؟ لأنهم يقولون مع كل هذا الذي نعمله هذا لا يساوي شيئاً في جنبك يا الله، فنحن نستغفرك يا الله من التقصير في حقك، ونستغفرك يا الله من النقص الذي يكون فيما نتقرب به إليك، ونستغفرك يا الله من العُجْب الذي يقع في قلوبنا ونحن نقوم بين يديك. لأن الإنسان إذا كان في ظلمة الليل لا يراه أحد ولا يطلع عليه أحد إلا الله I قد يقع في قلبه شيء من العُجْب خصوصاً إذا قام من بين عشرة وعشرين في البيت أو ثلاثين في الجماعة ما قام منهم أحد كلهم ينامون الليل قد يقع في نفسه شيء من العُجْب فهو يمسح ذلك العُجْب بالاستغفار يقول يا رب إني تائب إليك أنا مذنب وأنا ملطّخٌ بالأوزار والآثام فأنا استغفر وأمحو ذلك كله. قال (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)) وأفضل الاستغفار كما قال بعض العلماء هو ما كان في الصلاة وهو أن تكثر من الاستغفار في صلاتك خصوصاً عندما تسجد بين يدي ربك «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم».

(وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)) أي في المال الذي آتاهم الله I ومَلَّكَهُم إياه (حَقٌّ لِلسَّائِلِ) وهو الذي يسأل المال وهذا واضح جداً ولم يختلف فيه (وَالْمَحْرُومِ) وهذا قد اختلف فيه على أقوال كثيرة بلغت ثمانية لكنها متقاربة، فالمقصود بالمحروم هو ذاك الشخص الذي لا مال له ولا يسأل الناس شيئاً ويتعفف ويبتلى كثيراً في أمر المال ما يكاد يأتيه مال حتى يذهب منه، تكثر عليه الأمراض والجوائح، وقد ابتلي في حياته بالمال. فهؤلاء المحسنون يعطون السائل الذي يأتي إليهم فيسألهم ويتفطّنون لذلك المحروم الذي لا يتفطّن له أحد كما قال النبي e «ليس المسكين بذاك الذي ترده اللقمة واللقمتان والدرهم والدرهمان، ولكنه الذي لا يجد غنىً فيغنيه ولا يُتفطّن له فيُتصدّق عليه» فالمؤمن الحريص يعطي في حالين إن جاءه سائل أعطاه وهو في الوقت ذاته يبحث ويترقب ويفتش عن أولئك الذين لا يستطيعون السؤال متعففون وهم أصحاب حاجات. قال الله U (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ) في الأرض أيها الناس آيات لمن كان عنده يقين، لمن أراد أن يستدلّ على قدرة الله، وعلى نعمة الله على عباده، في الأرض آيات، في الجبال، في الأودية، في الأشجار، في الأنهار، في الأحجار، في الطير، في كل ما نراه آيات، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) من بعد الأرض هناك ما هو أقرب للاستدلال على عظمة الله وقدرته وعظيم نعمته على عبده. (أَنْفُسِكُمْ) فيها آيات عجيبة وما يزال الناس يتفكرون في النفس الإنسانية ولن يستطيعوا أن يبلغوا المدى في ذلك لأن ما أودعه الله في هذه النفس شيء فوق طاقة البشر (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) إبراهيم). وقف أمامنا طبيب في يوم عرفة فقال: أريد أن أذكركم بنعمة الله هو طبيب عيون، هذه العين التي تنقل هذه المرئيات والمبصرات إنما هي مثل الكاميرا تعكس هذه الأشياء ثم ترسلها إلى المخ عبر سلك يسير جداً يوصل هذه المبصَرات إلى المخ فالمخ يترجمها ويعرف أن هذا إنسان، وهذا جدار، وهذه سماء، وهذا نور، وهذا أخضر، وهذا أحمر، إلى آخره. هذا السلك يقول أو هذا العرق أو العصب يسمى العصب البصري كم فيه من الأشرطة أو الألياف كل شريط مسؤول عن شيء معين، هذا عن البُعد، وهذا عن القرب، وهذا عن اللون الفلاني، وهذا عن اللون الفلاني، وهذا عن الجمادات، وهذا للمتحركات، وهذا للأشياء المبهمة، وهذا للأشياء الصافية، والناصعة، والقوية، والمنشورة، والخفيفة، إلى آخره، كم فيه من سلك؟ أعطوني يا ناس، فقالوا: ألف. قال: زيدوا. قلنا: عشرة آلاف. قال: زيدوا. قلنا: عشرين. المهم بعد إلى أن وصلنا مئة ألف. قال: فيه عشرين مليون سلك. قال: وهو لا يتعدى في حجمه أكثر من مليمتر أو اثنين مليمتر، اثنين مليمتر فيه عشرين مليون موصِل وكل واحد منها يوصل شيئاً لا يوصله الآخر ولذلك يقع الضعف في البصر أحياناً في رؤية الألوان أو القريب أو البعيد أو غير ذلك ما السبب؟ هناك مشكلة في السلك الموصِل، سبحان الله! ويقوم إنسان قد نام وهو مبصر ويقوم وقد عمي من أين؟ انقطع هذا السلك وأصبح إنساناً عمياناً بعدما كان مبصراً. (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) ثم قال (أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)) أفلا تنظرون وتتفكرون؟! ولذلك يقول ابن الجوزي رحمه الله في "زاد المسير" قال والوقف هنا قال (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ) في الأرض آيات وفي أنفسكم آيات ثم تعجّب فقال يعني أثار انتباهه فقال (أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)) يعني أفلا تنظرون وتتدبرون وتتفكرون في أمر السماء، في أمر الأرض، وفي أمر أنفسكم؟!

قال الله عز وجل (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)) في السماء رزقكم أيها الناس أي رزقكم يأتي من السماء. (وَمَا تُوعَدُونَ) أي ما وعدكم الله به في الجنة. (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)) هذا قَسَم ثالث (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) بعدما ذكر الأرض في قوله (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)) وذكر السماء في قوله (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)) أقسم بهما ثم قال (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أقسم بالله الذي خلقهم (إِنَّهُ لَحَقٌّ)

قيل (إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي البعث الذي أقسم عليه أولاً أعاد بعدما بدأ تأكيداً لهذا المعنى وهو معنى البعث والجزاء والنشور (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ) أي البعث والجزاء والنشور (لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)) أي مثل كلامكم الذي تنطقون وأنتم تعلمون أنكم تتكلمون، هذا الذي سيحدث من البعث سيكون مثل ما أنكم تتكلمون.

وقيل: وقوله (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ) أي هذا الذي ذكرناه لكم (لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)) والعجيب أن هذه السورة تحدثت عن أمر الرزق كثيراً وافتُتحت به (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4)) هذا كله حديث عن الرزق. وهنا قال (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) وسيأتي الحديث عن (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) ثم يأتي في آخر السورة قوله سبحانه وتعالى (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)) فيها حديث ظاهر عن الرزق.

 

قال الله U (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)) هل جاءك خبر ذلك الضيف الذي حلّ بأبيك إبراهيم؟ والضيف اسم جنس يُطلق على الواحد والجماعة أي أضياف. (الْمُكْرَمِينَ) لأن إبراهيم أكرمهم وأنزلهم منزلاً حسناً وهو أول من ضاف الضيف عليه الصلاة والسلام. (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) قوله (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) قال ابن القيم فيها مفاجأة يعني ما كانوا واضعين موعداً معه لأنه كان يستقبل الضيفان في أوقاته كلها عليه الصلاة والسلام. فهو تفاجئ بدخولهم عليه بأنه قد فتح بابه لمن يأتي إليه من الضيفان. قال (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا) أي نسلّم عليك سلاماً بدأوا بالسلام لأن سنّة المسلمين هي السلام. (قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25)) ردّ عليهم بأفضل مما جاؤوا به. قال العلماء: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة وذلك لأن الملائكة جاؤوا بـ(سلام) بصيغة فعلية قالوا (سَلَامًا) أي نسلّم سلاماً والصيغة الفعلية تدل على الحدوث والانقطاع، يحدث ثم ينقطع، لما أقول ضربت فإن الضرب وقع ثم انقطع. وكذلك نسلّم عليك أي سلّمنا ثم انقطع سلامنا. أما إبراهيم فقال عليه الصلاة والسلام (سَلَامٌ) أي سلامٌ عليكم و"سلامٌ عليكم" جملة اسمية والجملة الإسمية تدل على الثبوت والدوام وما كان ثابتاً دائماً أولى مما كان متقطعاً أو منقطعاً ولو كان متجدداً. فسلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة وهذا متسق مع قول الله عز وجل (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86) النساء). ثم قال (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25)) ما جابههم بكلمة توحشهم فلم يقل أنتم منكرون أو أنا لا أعرفكم وإنما قال (قَوْمٌ) لا يُعرفون، ما أحد يعرفهم يريد أن يتعرف عليهم. انظروا الآن أكرمهم وأضافهم وأدخلهم بيته ولما جلسوا واستقر بهم المجلس قال (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25)) يعني عرّفوني بأنفسكم من أنتم؟ لأني ما أعرفكم، لستم من أهل البلد، جاؤوا في صورة شباب حسان الوجوه عليهم منظر بهي وجميل فاستغرب فقال (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25)) أي عرّفوني بأنفسكم. ولذلك يستحب للضيف إذا نزل بأحد أن يبادر بالتعريف بنفسه، معك فلان بن فلان، أخوك فلان بن فلان، حتى تزول الوحشة. (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)) قال العلماء: "راغ إلى أهله" أي ذهب على سبيل الروغان يعني على سبيل الاختفاء وعدم إظهار الإكرام ما يريد أن يظهر لهم أنه سيذهب ليأتي بالطعام مثل الذي يقوم لقضاء حاجة أو شيء من ذلك ثم ما يشعر ضيفه إلا وقد جاء بالطعام. (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) الروغان هو الذهاب بسرعة وخُفية. (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ) هو جاء به من كرمه عليه الصلاة والسلام هو يأتي به ولا يدع خادمه أو أحداً غيره يُكرِم أضيافه. (فَجَاءَ بِعِجْلٍ) والعِجْل كبير وليس صغيراً. (سَمِينٍ (26)) وقد استسمنه لهم والعجيب أنه قال (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) ولم يقل راغ إلى السوق مما يدل على أن إبراهيم قد أعدّ العدّة للضيف في بيته. (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)) ووردت صفته في سورة هود (جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود) أي مشوي على الرَضَف وهي الحجارة المُحماة، وهذا ما يسمى بالحنيذ عند العرب اللحم المشوي على الحجارة. قال (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) أوصله إليهم ولم يقّربهم إليه يعني ما قال: قوموا، تفضلوا إلى طعامكم، وإنما أتى به إليهم إكراماً لهم. وهذا يدل على إكرام إبراهيم وعلى قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأن حمل العجل السمين في صحن أو في قِدر أو إناء يحتاج إلى قوة وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قد أوتي قوة. قال (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)) يعرض عليهم أن يأكلوا (أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). ولاحظوا أسلوب الإكرام ما قال: كلوا (أَلَا تَأْكُلُونَ) يعرض عليهم عرضاً لأن هذا من كرم اللفظ ألا تُلزِم وألا تأمر وألا تُجحِف في القول وإنما تعرض الأمر عرضاً. (أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لما رآهم لا يأكلون وقع في نفسه خوف لأن العادة أن الضيف يبادر إلى الانبساط والأكل من كرامة من يضيفه إذا كان مأمون الجانب. أما إذا كان صاحب سوء ويريد شيئاً من المنكر فإنه لا يفعل ما يريده المُضيّف. فلما رآهم رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم استغرب من هؤلاء الأضياف الذين يؤتى لهم بأطيب اللحم وهو العجل المحنوذ السمين ولا يتقدمون إليه ولا يمدّون إليه أيديهم؟! (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ (70) هود) وهنا قال (قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28)) في تلك اللحظة قالوا: أبشِر سيرزقك الله عز وجل (بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) وهو إسحاق ابن إبراهيم وسارة لأن سارة كانت عجوزاً عقيماً، بشّروه وبشّروها في نفس الوقت (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) هود) وهذا يدل على كرم الملائكة ومحبتهم لإدخال السرور على إبراهيم وعلى امرأته لم يوفِّروا هذا لأحد فبشّروه وبشّروها. أما إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنه رجل ما ظهر منه شيء وأما هي فلأنها امرأة والمرأة من عادتها أنها تستجيب لداعي الحزن بسرعة ولداعي الفرح أيضاً بسرعة ماذا فعلت؟ (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) يعني في صيحة تصيح وتصر وصكّت وجهها، انظروا صوت وفعل، أما إبراهيم ما ذكر عنه شيء وهذا يدل على كمال الرجل بأنه لا يظهر عليه التأثر بسهولة. (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)) في الآية الأخرى (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) هود) يقال أنها كانت قريبة من المئة أو تجاوزت المئة فسبحان من يخلق ويقدّر ويدبر أمر عباده على ما يشاء! (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) يعني لا تستغربي ولا تتعجبي (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ (73) هود). (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)) الحكيم في أفعاله وفي شرعه وفي قَدَره سبحانه وتعالى، والحكيم الحاكِم المُحكِم لأمره I، الحكيم ذو الحِكمة وذو الحُكم، والعليم بأمر خلقه يعلم كيف يرزقهم؟ ومتى يرزقهم؟ إلى آخره. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل