تفسير سورة الدخان - المجلس الثالث والأخير - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الدخان - المجلس الثالث والأخير

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

 (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)).

قال الله I (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51)) من عادة القرآن أنه إذا ذكر أهل الشقاوة ذكر أهل السعادة، وإذا ذكر الأشقياء ذكر السعداء، وإذا ذكر الجنة ذكر النار، لأنه مثاني، وبهذا يتبين مناسبة هذه الآيات لما قبلها إذ ذكر الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآيات حال الأشقياء ثم عطف بذكر السعداء فقال سبحانه (إِنَّ الْمُتَّقِينَ) أي أهل التقوى، والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه (فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) أي في الآخرة وهو الجنة ذلك هو المقام الأمين، قال ابن القيم رحمه الله: جمع الله لهم بين حسن المنزل وحصول الأمن فيه من كل مكروه واشتماله على الثمار وحسن اللباس وكمال العشرة لمقابلة بعضهم بعضا وتمام اللذة بالحور العين ودعائهم بجمع أنواع الفاكهة مع أمنهم من انقطاعها ومضرتها وغائلتها وختام ذلك أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا. وهذا من كمال النعيم فإن اللذة مهما عظمت لا تكمل إلا بدوامها فلذات الدنيا مهما تلذذ بها المتلذذ فهي ناقصة لذة ناقصة وذلك بانقطاعها إما بموت صاحبها وذهابه عنها أو بذهاب تلك اللذة وذلك النعيم عن صاحبها أما الجنة فإنها دار النعيم المقيم الدائم (فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) مقام موضع الإقامة والأمن الأمن من كل سوء وآفة ومكروه (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ) السندس هو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها والإستبرق هو ما فيه بريق ولمعان وما يلبس على أعالي القماش، وقال ابن عطية: السندس رقيق الحرير والإستبرق غليظه (مُتَقَابِلِينَ) وذلك من كمال نعيمهم فلا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.

 

ثم قال الله I (كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54)) أي هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين الحسان اللاتي (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) الرحمن(كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) الرحمن) والحور جمع حوراء وهي المرأة الشابة الحسنة الجميلة البيضاء شديدة سواد العين، وعِين جمع عيناء وهي العظيمة العين من النساء ولذا تمدح النساء بعظم عيونهن تشبه بالحور العين (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55)) مهما طلبوا من أنواع الفواكه فهي حاضرة ومع ذلك آمنين من غوائلها وآمنين من انقطاعها وآمنين من مضرتها. ثم ختم الله هذا النعيم بقوله (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) والاستثناء منقطع أي (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا) أي في الجنة الموت أبدا كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله e قال: «يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) إلا هنا بمعنى لكن، أي لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى التي ذاقوها فقط، وقيل بمعنى سوى الموتة الأولى، وقيل لا يذوقون فيها الموت بعد الموتة الأولى، وبعد تقدير إلا بعد هو تقدير ابن جرير : وسوى هو رأي ابن عطية. (فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ) يعني أن ما حصل لهم من هذا النعيم العظيم فضلاً من الله I (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)) ولا شك فهو أعظم الفوز أن يدخل الإنسان الجنة ويكرمه ربه I ويتفضل عليه ولذلك قال النبي e: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». ثم قال الله سبحانه (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ) الضمير يعود إلى ماذا؟ إلى القرآن المذكور في أول السورة (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ). (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ) أي أنزلناه سهلاً واضحاً بيّناً جلياً (بِلِسَانِكَ) ليس المقصود به الجارحة وإنما المراد به اللغة أي بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأعلاها (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58)) أي يتفهمون ويعملون. وكما قلنا في بداية السورة أن هذه السورة قد افتتحت بذكر القرآن واختتمت بذكر القرآن. ثم قال الله سبحانه وتعالى (فَارْتَقِبْ) أي انتظر يا محمد (إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)) أي فسيعملون لمن يكون النصر والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعك من المؤمنين قال ابن الجوزي رحمه الله: وهذه الآية عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف وليس بصحيح فإن كثيراً من المفسرين عمدوا إلى كل الآيات المكية التي فيها الانتظار والإمهال وصبر النبي e ودعوة الله عز وجل لنبيه بالصبر ونسخوها بآية سورة التوبة التي تسمى آية السيف والصحيح عدم النسخ وجعلوا آية السيف سيفاً على أكثر من مئة وأربعة عشر آية كلها نسخوها بها والصحيح عدم النسخ وأن ذلك مرحلة من المراحل وتلك مرحلة أخرى ولذلك قرر شيخ الإسلام ابن تيمية : أن لو عادت غربة الإسلام كما كانت على وقت النبي e فإننا نؤمر كما أمر النبي e في أول بعثته.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل