تفسير سورة الجاثية - المجلس الأول - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الجاثية - المجلس الأول

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

سميت بذلك لقول الله U (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) كما سميت بسورة الشريعة لقوله تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ) والتسمية تكون بأنواع كما ذكرنا ذلك مراراً كأن تسمى السورة بأول كلمة منها فيقال سورة سبحان ويقصد بها الإسراء وإن كان هناك تشابه في مطلع السورة فإنه يذكر من السورة ما يميزها بها عن غيرها كما قال الراوي «كان رسول الله e يقرأ في فجر الجمعة (الم (1) تَنْزِيلُ)» قال (الم (1) تَنْزِيلُ) لأنه لو قال (الم) واكتفى فإن (الم) تشترك فيه كم سورة؟ خمس سور وبالتالي فهو قال (الم (1) تَنْزِيلُ) ليميزها عن بقية ما افتتح بكلمة (الم) ومن أنواع التسمية أن تسمى السورة بذكر قصة فيها أو بذكر كلمة بذكر قصة كما في سورة البقرة فإنها سميت لورود قصة البقرة فيها، عندنا في سورة الجاثية سميت الجاثية لورود كلمة (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) وكما تسمى سورة الشريعة لأنه قال الله عز وجل فيها (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ) وهذه التسميات منها ما هو ورد النص به عن النبي e ومنه ما هو أثر عن صحابة رسول الله e ومن السور ما يكون لها اسم واحد، ومن السور ما يكون لها أكثر من اسم كالفاتحة لها كم اسم؟ أكثر من خمس وعشرين اسم، ومن الأشياء المتعلقة بتسمية السور أن تسمى أكثر من سورة باسم واحد كأن يقال سور الحواميم وهي المفتتحة كما قلنا بـ (حم) أو سورة المعوذتين يقصد بها الفلق والناس، الطواسين إلى آخره. بعض الباحثين تتبع تسمية السور فلاحظ أنها تشتمل على أربعة أصناف:

الصنف الأول: الظواهر الإنسانية والاجتماعية، وهناك أكثر من ستٍ وعشرين سورة تدخل تحت هذا الصنف مثل سورة التوبة، سورة الأحزاب، الشورى، المُجادِلة أو المُجادَلة، الطلاق، المطففين إلى آخره، كل هذه تتعلق بالظواهر الإنسانية أو الاجتماعية.

الصنف الثاني: الظواهر والآيات الكونية، وهناك أكثر من اثنتين وعشرين سورة مثل الرعد، النور، الدخان، النجم، القمر، البروج، الزلزلة.

الصنف الثالث: الأقوام والأمم وأسماء الأنبياء، وهي تزيد عن أربع عشرة سورة مثل يونس، هود، يوسف، سبأ، الروم، قريش، الأحقاف.

• الصنف الرابع: أسماء الحيوانات وما يتعلق بها، مثل البقرة، النحل، النمل، العنكبوت، الفيل، الأنعام، إلى آخره.

محور سورة الجاثية

سورة الجاثية كما قلنا سورة مكية ولذلك من الطبيعي أن تدور حول حقيقة الإيمان وقضية البعث وأصناف المكذبين كسائر السور المكية.

قال الله U بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)) تقدم الحديث عن مطلع هذه السورة كما في سورة الدخان. ثم قال سبحانه (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)) إرشاد من الله سبحانه وتعالى إلى التفكر في آلائه ونعمه وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات الأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع كما أمر الله U أن نتفكر في اختلاف الليل والنهار في تعاقبهما، الليل بظلامه والنهار بضيائه، كما دعنا الله I أن نتفكر فيما أنزل الله من السحاب من المطر في وقت الحاجة وسماه رزقاً لأن به يحصل الرزق وجعله سبباً لحياة الأرض بعد موتها والحديث عن المطر وحياة الأرض بعد موتها إنما هو تمهيد لتقرير قضية البعث كما سيأتي في هذه السورة لاحظوا أنه في بعض السور تفتتح بشيء تعالج القضية الأساسية التي من أجلها سيقت هذه السورة وبالتالي فقوله (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) سيأتينا أنه كالتمهيد أنه كما أحيا هذه الأرض بالمطر فإن الله I قادر أن يحيي هذه الأجساد ويبعثها مرة أخرى (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي جنوباً وشمالاً، بحرية وبرية، ليلية ونهارية، منها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء الأرواح، ومنها ما هو عقيم لا ينتج. وهذه الآيات الثلاث؟ خاتمتها مختلفة الآية الأولى ختمت (لِلْمُؤْمِنِينَ) والثانية (يُوقِنُونَ) والثالثة (يَعْقِلُونَ) فما السر؟ قال ابن كثير رحمه الله: (لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ) ثم (يُوقِنُونَ) ثم (يَعْقِلُونَ) تَرَقٍّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى. هذا رأي ابن كثير فهو غير بيّن أن نجعل التعقل والعقل أشرف من الإيمان لكن أحسن منه كلام ابن عطية : فإنه قال: ذكر الله الآيات التي في السماوات والأرض مجملة غير مفصلة فكأنها إحالة على غوامض يثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع فلذلك جعلها للمؤمنين، لما كانت هذه الأمور يخبر بكثير منها الشرع جعلها للمؤمنين إذ في ضمن الإيمان العقل والتصديق، ثم ذكر تعالى خلق البشر والحيوان وكأنه أغمض مما أحال عليه أولاً وأكثر تلخيصاً فجعله للموقنين الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم، أما في الآية الثالثة فقد ذكر اختلاف الليل والنهار والعبرة بالمطر والرياح فجعل ذلك (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) إذا كل عاقل يُحصل هذه ويفهم قدرها. هذا رأي ابن عطية : في اختلاف خواتم هذه الآيات الثلاث.

وقال الأنصاري متلمساً حكمة أخرى في ختم هذه الآيات الثلاث مختلفة قال: لأنه تعالى لما ذكر العالم ضمناً ولا بد له من صانع - ولو قلنا من خالق لكان أولى - من صانع موصوف بصفات الكمال ومن الإيمان الإيمان بالصانع - ولو قلنا بالخالق لكان أولى هذا من عندي قول ولو قلنا بالخالق لأنه عبر بلفظ الصانع - ناسب ختم الآية الأولى بالمؤمنين ولما كان الإنسان أقرب إلى الفهم من غيره وكان فكره في خلقه وخلق الدواب مما يزيده يقيناً في إيمانه ختم الآية الثانية بقوله (يُوقِنُونَ) ولما كان جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار وما ذكر معهما مما لا يدرك إلا بالعقل ناسب ختم الآية بقوله تعالى (يَعْقِلُونَ) ولذلك العلماء وضعوا قاعدة فقالوا: إن خاتمة الآية تترجم عن معناها، خاتمة الآية غالباً تترجم عن معناها.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6))، (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) أي القرآن بما فيه من حجج وبينات (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) أي متضمنة الحق من الحق فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون قال الله سبحانه وتعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)) إذا كانوا لا يؤمنون بهذا القرآن بما فيه من الحجج والبراهين فبالله عليكم بأي شيء يؤمنون؟ فبأي شيء؟ هل هناك شيء أوضح حججاً وبراهيناً من القرآن؟ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ).

ثم قال سبحانه وتعالى متوعداً المكذبين (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ) ويل كلمة دعاء بالمصائب (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ) الأفاك الكذاب وهو الذي يقع منه الإفك مراراً والكذب الذي يكذب مراراً ويتكرر يسمى أفاكاً (أَثِيمٍ (7)) مبالغة في الإثم (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7)) حلاف مهين، أثيم في فعله وقيله. ثم قال I (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ) أي يقرأ (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ) أي على كفره واستكباره وجحوده (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا) كأنه ما سمعها. كيف يصر على كفره وهذا القرآن لو أنزل على جبل (لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (21) الحشر)؟!!. يقول الله I (فَبَشِّرْهُ) أي من هذا حاله (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)) أي موجع (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا) هذا حال شخص آخر، الحال الأول تجاهلها كأنه ما سمعها استكباراً وعناداً الصنف الثاني من اتخذها هزوا إذا حفظ منها شيئاً استهزاء بها وسخر (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9)) أي في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ) من ورائهم أي أمامهم جهنم كقوله (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) أي كل من اتصف بذلك الذين صدوا واستكبروا وتجاهلوا سماع القرآن كأنهم لا يسمعون أو الذين اتخذوه سخرية واستهزاء هؤلاء كلهم (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا) أي لا تنفعهم الأموال ولا تنفعهم الأولاد ولا الملك ولا الرئاسات (وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ) إشارة إلى الأصنام أي تلك الآلهة التي عبدوها لن تنفعهم كذلك (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10)) العذاب وصف في الآية الأولى بأليم وفي الآية الثانية بمهين وفي الآية الثالثة عظيم كل ذلك تعظيماً وصفاتاً للعذاب وتعظيماً لهذا العذاب فهو أليمٌ ومهينٌ وعظيم فكما اختلفت أصنافهم اختلف العذاب عليهم. ثم قال I (هَذَا هُدًى) أي القرآن (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)) أي مؤلم وموجع.

ثم قال I (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)) تذكير من رب العباد لعباده فيما سخر لهم من البحر وجريان الفلك فيه، ولابتغائهم من فضله في المتاجر والمكاسب (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم والآفاق القاصية، فإن الله قد جمع لكم بين خيري البر والبحر فهذا أجدى أن تشكروه. ثم قال I (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) ما في السماوات وما في الأرض من الكواكب والجبال والبحار والأنهار وغير ذلك (جَمِيعًا مِنْهُ) أي من عنده I لا شريك له، وهذه من الآيات التي استدل بها على أن الأصل في الأشياء الإباحة لأن الله U سخر كل شيء للناس جميعاً منهI كما قال سبحانه (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (53) النحل). ثم قال I (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) لا يرجون قيل لا يخافون، وقيل هي على بابها لا يرجون (أَيَّامَ اللَّهِ) وقائع الله، وقيل عذاب الله للأمم السابقة، وإذا قلنا عذاب الله فالرجاء هنا بمعنى الخوف وإذا قلنا وقائع الله فالرجاء هنا على بابه (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) دعوة للصفح ولتحمل الأذى وكان ذلك في ابتداء الإسلام أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وهذه الآية من الآيات التي سلطت عليها آية السيف بالنسخ فقالوا: إنها آية منسوخة، ولذلك ابن عطية : لما ساق الخلاف في نسخها وإحكامها هذه دعوة ليست للمجادلة ولا للجهاد أمرهم الله أن يغفروا للذين لا يرجون أيام الله وبالتالي فبعض أهل العلم قال أنها منسوخة بآيات الجهاد ابن عطية : لما ساق الخلاف في النسخ والإحكام قال: والآية تتضمن الغفران عموما فينبغي أن يقال إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ غفرانه بآية السيف والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة وأن الأمور المحقرة كالجفاء ونحو ذلك يحتمل أن يبقى محكماً وأن يكون العفو عنها أقرب للتقوى وهذه الآية من الآيات التي استثناءها بعض العلماء من مكيتها فقالوا إنها نزلت في المدينة وسبب ذلك أنه لما نزل قول الله U (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) قالوا إن الله فقير، ربنا يطلب الصدقة يطلب القرض قال ذلك أحد المنافقين فاستل عمر t سيفه ليقتله فنزلت هذه الآية قال بعض أهل العلم: أنها مدنية بهذا السبب فإن صح هذا السبب صححنا الاستثناء وإلا القاعدة أن الأصل أن السورة مكية كلها مكية وأن السورة المدنية كلها مدنية ولم يصح من الاستثناء إلا آيات قليلة. (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14))، (لِيَجْزِيَ قَوْمًا) من المراد بالقوم هنا؟ قيل القوم المؤمنين أي ليجزيهم الله عن صبرهم عن أذية الكافرين لهم يوم القيامة وقيل القوم الكفار ليجزيهم بما عملوا من سيئات والأول أولى أي تفسير القوم بالمؤمنين أولى من تفسيرها بالكافرين والمعنى على تفسيرها بالمؤمنين أي يجزيهم عن صبرهم عن أذية الكفار لهم يوم القيامة والجزاء من جنس العمل. ثم قال سبحانه (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) مناسبة الآية لما قبلها أنه لما قررت الآية السابقة أن الله يجزي قوماً بكسبهم ويعاقبهم على ذنوبهم أكد ذلك بقوله (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) فهذه الآية تأكيد لما قرر في الآية التي قبلها (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)) أي تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها.

 

ثم قال الله I (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) الكتاب التوراة والحكم هو السنة والفقه إذ يقال لم يتسع فقه الأحكام على لسان نبي ما اتسع على لسان موسى u والنبوة هي ما تكرر فيهم من الأنبياء من يوسف u إلى عيسى u فقد آتى الله U بني إسرائيل هذه الأمور الثلاث الكتاب والحكم والنبوة (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) في المآكل والمشارب (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16)) أي في زمانهم، وقد تقدم ذكر أمثلة لذلك في سورة الدخان. (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي حججاً وبراهين وأدلة قاطعات فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا من بعد ذلك من بعد قيام الحجة (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) قال ابن القيم رحمه الله: أخبر سبحانه أن المختلفين لم يختلفوا لخفاء العلم الذي جاءت به الرسل عليهم السلام وإنما اختلفوا بعد مجيء العلم وهذا كثير في القرآن أي دائماً اختلافهم هل هو قبل مجيء العلم وإلا بعده؟ بعده، بعد قيام الحجة. ثم قال الله I (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)) أي سيفصل بينهم بحكمه العدل وهذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم أو أن تقصد منهجهم هو عَرَّضَ بذكر الأمة السابقة تحذيراً للأمة الحاضرة. ثم قال سبحانه (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ) الضمير يعود إلى من؟ إلى النبي e (عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا) أي اتبع ما أوحي إليك من ربك وشريعة الأمر يحتمل أن يكون واحد الأمور أي دين الله ونبوته (شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي جعلناك على دين واحد ويحتمل أن يكون مصدراً من أمر يأمر أي على شريعة من الأوامر والنواهي فسمى ذلك كله أمراً، والشريعة في اللغة: المذهب والملة. وفي الاصطلاح: ما شرعه الله I لعباده من الدين. والجمع شرائع ولا خلاف أن الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح متفقة شرائع الانبياء متفقة في هذه الأمور لكنها مختلفة في الفروع. (شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ) قال ابن العربي رحمه الله: والأمر يرد في اللغة بمعنيين: أحدهما بمعنى الشأن والثاني أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي. يقول ابن العربي: وكلاهما صحيح أن يكون مراداً هنا. (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) قال ابن القيم رحمه الله: قسم الأمر بين الشريعة التي جعلها I عليه وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون فأمر بالأول ونهى عن الثاني أي اتبع الشريعة ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي ماذا تغنى ولاية الظالم للظالم إلا خزياً وبواراً فلا تغني عنهم شيئا (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)) كما قال الله I (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ (257) البقرة). ثم قال سبحانه وتعالى (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) البصائر جمع بصيرة وهي المعتقد الوثيق في الشيء كأنه مصدر إبصار القلب (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) أي هذا القرآن (بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)) وهذا يؤكد ما ذكره الله U في الآية السابقة (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ) فهذا القرآن بصائر وهو الذي يهدي لهذه الأمور ففيه الأوامر والنواهي وفيه الهدى والرحمة لكن لمن؟ (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) بهذا الكلام، يعتقدون صدقه، يعملون به، يعرفون ما أخبره به القرآن، وما أمر به القرآن فيمتثلون، وينظرون إلى ما نهى عنه فيجتنبوا عنه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل