تفسير سورة الدخان - المجلس الثاني - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الدخان - المجلس الثاني

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)).

يقول الله I (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)) الضمير في (قَبْلَهُمْ) يعود إلى قريش إلى الكفار الذين خاطبهم الله I في أول هذه السورة لما كانوا في شك يلعبون وأنذرهم الله I وأنذرهم شيئاً مستقبلا وإلا لا؟ الآيات السابقة أنذرت المشركين ماذا؟ الدخان وهو أمر مستقبل، أراد في هذه الآيات أن ينذرهم بشيء حل بأقوام قبلهم أُرْسِل إليهم رسول كما أرسل إليكم وكذبوه وحل بهم العذاب، فالله I أنذرهم من جهتين: بعذاب يستقبلهم إن هم كذبوا وبما حل بأقوام قبلهم كذبوا رسولهم فقال سبحانه (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ)، (فَتَنَّا) أي اختبرنا (قَوْمَ فِرْعَوْنَ) هم قبط مصر (وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)) والفتنة هنا اختلف العلماء رحمة الله عليهم بالمراد بالفتنة هنا. فقال بعض المفسرين:

أن الفتنة هنا هو الغرق (فَتَنَّا قَبْلَهُمْ) أي أغرقنا قبلهم، بيان لعذاب قوم فرعون وعلى هذا القول ففي الكلام تقديم وتأخير والتقدير ولقد جاء آل فرعون رسول كريم وفتناهم أي أغرقناهم لأن الفتنة أو العذاب إنما تكون بعد مجيء الرسل لا قبله.

 القول الثاني: أن المراد اختبرناهم بأن أمرناهم بالتوحيد وبالعبادة والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأُهلكوا وعلى هذا فلا تقديم ولا تأخير والأصل دائماً القاعدة أن لا يكون في الكلام تقديم ولا تأخير وأن يكون الكلام متسق هذا الأصل.

(كَرِيمٌ) أي حسن الخلق. وقيل: كريم على ربه. وقيل: شريف, وكلها صحيحة.

(أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ) أدوا مأخوذ من الأداء كأنه قال: أي ادفعوا إلي وأعطوني ومكنوني. واختلف في هذا المؤدى فقال بعض المفسرين:

هم بنو إسرائيل (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ) أي عباد الله من؟ بني إسرائيل. وإياهم أراد بقوله (عِبَادَ اللَّهِ) وهذا رأي ابن عطية.

القول الثاني: أن المؤدى هو الطاعة والإيمان والأعمال والمعنى اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق يا عباد الله. وقول الله سبحانه وتعالى (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) كقوله تعالى (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) طه) وأمين أي مأمون على ما أبلغكم به من عند الله I.

ثم قال (وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ) أي لا تستكبروا على اتباع آياته والانقياد لحججه وبراهينه (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19)) أي بحجج بينة واضحة لا لبس فيها، والسلطان هو الحجة (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20)) استعاذ بالله U (أَنْ تَرْجُمُونِ) من المستعيذ؟ موسى. والمستعاذ منه؟ فرعون. والمستعاذ به؟ الله I. واستعاذ من الرجم. والرجم قال بعض أهل العلم: (تَرْجُمُونِ) أي ترجموني بالحجارة. وقال بعض أهل التفسير: أي بالشتم. فعلى التفسير الأول الرجم حسي والثاني معنوي والراجح كِلا القولين يعني أن موسى u استعاذ أن يرجموه من بالحجارة وأن يرجموه من السب والشتم لماذا؟ لكنه استعاذ من الله وهذا مَلْحَظ لَحَظَه ابن عطية :حيث رجح أن الاستعاذة هنا من الرجم بالحجارة لأن السب والشتم كما قال الأخ العزيز أنه حصل حينما سبوه قال (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) فسبهم وشتم موسى u وأتباعه وبالتالي لم تحصل الاستعاذة. ولذلك قال ابن عطية: والراجح أنه الرجم بالحجارة لأن موسى عيذ منه ولم يعوذ من السب والشتم.

ثم قال I (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)) أي لا تتعرضون، إن لم تريدوا أنتم الإيمان فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا (فَاعْتَزِلُونِ) أي اعتزلوا إصابتي بأذى وهو تأكيد لقوله تعالى (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20)) لكن حينما كفر فرعون وتمادى في كفره دعا عليه موسى لأنه في هذه الآية يثبت أنه قال (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)) يعني دعونِ وأدَعُكُم لكن لما لم يؤمنوا أثبتت آية أخرى أن موسى دعا عليهم فقال (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) لكن لماذا دعا عليهم موسى عليه السلام مع أنه كان يطالب بالمسالمة والاعتزال؟ لأنهم لم يمتثلوا. وبالتالي موسى u دعا عليهم ولذا قال هنا (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)) أي أنهم لم يعتزلوه وآذوه وكذبوا به وبالتالي دعا ربه (أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) فبعد دعوة موسى قال الله I (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا) السريان بالليل إما لأجل الخوف كحال موسى وإما الخوف على الدواب والأبدان من الحر فإنه في السابق كانوا يمشون ليلاً من أجل الدواب والأجسام فيتخذون سريان الليل مصلحة في ذلك ولذلك أمر الله I نبيه أن يسري ليلاً يخرج ليلاً حتى لا يتبعه فرعون (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23)) أي أن فرعون من استكباره وعتوه لن يدعوكم لن يقول والله هؤلاء إنما تركوني وتركوا لي مملكتي وذهبوا إلى مكان آخر سأدعهم سيتبعكم ويؤذيكم ويحاربكم وهذا من العلو والاستكبار في الأرض (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)) هنا في الكلام تقدير وإلا لا؟ يثبته قصة موسى عليه السلام في سور أخرى أن موسى أتى وضرب البحر ثم سلك في البحر ثم خرج فأتت آية (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) وهذا بعد عبور موسى فهنا الآية أو القصة مختصرة لأن السورة قصيرة فكان القصد منها الإشارة لقريش (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) وذلك أن موسى عليه السلام لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر أراد أن يضربه بعصاه ليعود كما كان حتى لا يتبعه فرعون فيكون البحر حاجزاً بين موسى u وبين فرعون، في المقاييس البشرية هذا غاية ما يتمنى موسى أن يكون البحر حاجزاً بينه وبين فرعون لكن الله أمره أن يترك البحر. ودائماً نحن نريد والله يفعل ما يريد (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) البقرة) كثير يا إخواني من الأمور نظن أنها في مقاييسنا أنها في ظاهرها ليست بخير لكن الله I ترك، موسى عبد لله U لما قال (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) ومعنى رهواً أي كحاله ساكناً دعه. في المقاييس البشرية موسى عرف أن هناك جولات وجولات مع فرعون وأن هناك قتال وغير ذلك يعني أن الجولة لم تنتهي فهي في مقياس موسى عليه السلام أنه لم يأتي النصر لكن الله أراد شيئاً آخر (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) أي اتركه ساكناً على حاله هذا تفسير الرهو وقال بعضهم (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) كهيئته. وقال مجاهد (رَهْوًا) أي طريقاً يابساً كما قال الله تعالى (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا (77) طه) وكلها تعود إلى معنى واحد. أي لا تضرب بعصاك البحر دع فرعون يسلك ما سلكت يا موسى (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) لكن البشارة أتت (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)). يعني أردنا يا موسى بنصرك لا أن نجعل البحر حاجزاً بينك وبين فرعون بل أردنا محو فرعون وقومه من الوجود اقتلاعهم ولذلك عذاب الله I إذا حل (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) هود) لو ترك موسى البحر لو ضرب موسى البحر فإن فرعون باقي وسيبقى مُقلقاً لموسى فإنه ربما يأتي بالسفن ويعبر إليه بعد يومين ثلاثة خمسة ويلاحق موسى لكن الله سبحانه وتعالى أمهل فرعون وكان يسوء قوم موسى سوء العذاب أمهله، أمهله، فأمهله، فلما أَخَذَهْ أَخَذَهُ أخذ عزيز مقتدر، أخذه وأنهاه من الوجود تماماً فمحا أثره ومآثر قومه وقوته وجنوده فكان نصراً مؤزراً. أنا أتذكر هذا المشهد ونحن نرى ما يعنيه إخواننا في سوريا من هذا القتل البشع، قتل متعمد، قتل للأطفال، للنساء، للرجال، محاصرة، منع الطعام، قتل القتيل، جرح الجريح، قتل مطببوه ومسعفوه، حصار، يعني قمة في العلو والاستكبار أقول إمهال الله لهم لحكمة لا نعلمها لا نكره شيئاً نسأل الله I أن يرفع عنهم ما بهم عاجلاً غير آجل، لكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر الأمور (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) هود).

ثم قال الله I واصفاً حالهم (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25)) الجنات ما كان على ضفاف النيل على طول مصر والعيون قال بعض المفسرين: أنها الخلجان الخارجة من النيل شبهها بالعيون ويسميها المصريون اليوم الترع فكأنه عبر بهذه الخلجان الخارجة والتي يستفيد منها أهل مصر فائدة عظيمة شبهها بالعيون وقال بعض المفسرين: بل كانت هناك عيون حقيقة ونضبت (كَمْ تَرَكُوا) الضمير يعود إلى فرعون وقومه (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)) والنَعمة بالفتح نضارة العيش ولذاذة الحياة وهو التنعم وأما النِعمة بالكسر فهو أعم من النَعمة لأن النَعمة بالفتح من جملة النِعم بالكسر، ولذلك قد تكون بعض المصائب والآلام نِعمة لكن لا تسمى نَعمة. قال الله I (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)) فاكهين وفكهين من التَّفَكُّه. يلبسون ما أحبوا من الأموال ويحكمون البلاد، فسلبوا ذلك كله في لحظة واحدة، في صبيحة واحدة، فارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على بلادهم من؟ ذلكم المستضعفون (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)) هنا غير مفسر من هم القوم؟ كما قال الله I (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وهذا يسمى تفسير القرآن بالقرآن. وقال الله في آية أخرى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137).

ثم قال الله I(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ) الضمير يعود إلى فرعون وقومه (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) قال بعض أهل العلم: إن هناك إضمار والتقدير فما بكى عليهم أهل السماء والأرض كقوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ (82) يوسف) أي واسأل أهل القرية، أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله فيها فهم ليسوا ممن يبكى عليهم.  وقال بعض أهل العلم: ليس هناك تقدير وأن المراد هنا بكاء السماء والارض بكاءً حقيقاً وأن السماء والأرض تبكي وفي بكاءها ثلاث أوجه عند أهل العلم قال بعضهم: أنه المعروف من بكاء الحيوان. والثاني: أنها حمرة في أطرافها. والثالث أنها أمارة تظهر فيها تدل على أسف وحزن. قال القرطبي رحمه الله: والقول الأول أظهر أنه بكاء خاص لها. لعل أحد يقول: كيف تبكي السماء والأرض؟ نقول: فكما تسبح فإنها تبكي أليست (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (44) الإسراء) فالبكاء هنا (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) أي ليس المراد أهل السماء والأرض وإنما بكاء السماء والأرض حقيقة يشهد لهذا ما رواه أنس بن مالك عن رسول الله e أنه قال: «ما من مسلم إلا وله بابان: باب يصعد فيه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه» ثم تلا النبي e هذه الآية (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ). ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)) أي ممهلين (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30)) أي أنقذهم الله عز وجل من ذلك العذاب الذي كان يهينهم من؟ فرعون، من قتل الرجال واستحيا النساء وغير ذلك؟ (مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31))، (إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا) أي مستكبراً جباراً عنيداً كقوله I (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ (4) القصص) وقوله (مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31)) أي مسرف في أمره، سخيف الرأي على نفسه.

ثم قال الله I (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32)) أي على عالمي زمانهم وإلا هذه الأمة أفضل الأمم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (110) آل عمران) مثل ذلك قوله سبحانه (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ (144) الأعراف) أي في ذلك الزمان، وقال عن مريم (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) آل عمران) أي في زمانها.

(وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ) أي الحجج والبراهين وخوارق العادات وهو لفظ شامل جامع لجميع معجزات موسى u التي ظهرت في قوم فرعون (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)) أي ما فيه اختبار ظاهر جلياً لمن اهتدى، إذاً الله I أغرق من؟ أغرق فرعون وأورث بني إسرائيل مُلك فرعون، أغرقه وجنده وأتباعه وبقي المُلك لموسى u ولأتباعه ولذلك سماها وراثة (وأورثناها بني إسرائيل) من حيث كانت أشياء وصلت إلى آخرين بعد موت الأولين يعني الميراث ماذا يسمى؟ سمي ميراث لأنه يأتيك بعد موت آخرين. فسمى الله U هذه وراثة لأنها أتت بعد هلاك فرعون، أما الميراث في الشرع فقد ربطها الشرع بالنسب والقرابة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34)) عاد الضمير إلى من؟ إلى قوم قريش يقول مع هذا (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36)) هل هذه حجة ؟ هذه حجة باطلة، شبهة فاسدة، فإن المعاد متى وقته؟ هل أخبر الله عز وجل أن المعاد في حياتهم وفي دنياهم حتى يقولون أتوا بآبائنا إنما أخبر الله أن المعاد إنما يكون يوم القيامة وبذلك فدعوى طلبهم بالإتيان بآبائهم في دار الدنيا تمحل وصد عن الحق فقال الله سبحانه وتعالى منكراً لهم ومتوعداً (أَهُمْ خَيْرٌ) أي هؤلاء قومك يا محمد الذين يكذبون خير (أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) تُبَّع هذا يطلق على كل من ملك حِمْيَر، كل من ملك حِمْيَر يطلق عليه تُبَّع كما أن من ملك مصر يسمى فرعون، وكذلك من ملك الفرس يسمى كسرى، والروم قيصر، فليس حِمْيَر هذا رجلاً واحداً، لكن هنا في هذه الآية أراد الله عز وجل شخصاً آخر هو تُبَّع الأوسط كما قال بعض المفسرين ذكروا أنه مُلِّكَ على قومه ثلاثمائة وستة وعشرين سنة، ولم يكن في حِمْيَر أطول مدة منه وتوفي قبل مبعث النبي e بنحو سبعمائة عام. قال أبو عبيد: سمي تُبَّعاً لأنه يتبع صاحبه أي كلما هلك منهم ملك تبعه ملك آخر. وقيل: سمي تُبَّع لكثرة أتباعه. قال كعب الأحبار: الله في هذه الآية ذم قوم تُبَّع ولم يذم تُبَّع لأنه كان رجلاً صالحاً. (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من قبل قوم تُبَّع (أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)) أي لا يظنون ذلك ولا يعتقدون ذلك ولما أخبر عن قصة فرعون ربما يقولون فرعون هذا بعيد وإلا لا؟ أعطاهم شيئاً قريباً زمناً ومكاناً فاليمن قريب من قريش وإلا لا؟ اليمن أو حمير قريبة وكانت من رحلة الشتاء والصيف ويعرفونها.

ثم قال الله I (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)) قال ابن عطية: فيه إخبار فيه تنبيه وتحذير أيها المكذبون أفيقوا من غفلتكم فإننا ما خلقنا هذه السماوات العظام ولا هذه الأرض لعباً وهزوا يشهد لذلك قوله I (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) ص)، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) المؤمنون).

قال سبحانه (مَا خَلَقْنَاهُمَا) الضمير يعود إلى ماذا؟ إلى السماوات والأرض (إِلَّا بِالْحَقِّ) أي بالواجب المفضي إلى الخيرات، قال ابن القيم: الحق هو الحِكَمْ والغايات المحمودة وهو أنواع كثيرة منها أن يُعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته وأن يقود ذلك إلى أن يعبد ويشكر ويذكر ويطاع سبحانه وتعالى، ومنها أنه يأمر وينهى ويُشرع الشرائع، ومنها شهادة مخلوقاته كلها بأنه I رب هذه الأشياء وهو الخالق لها وهو الملك سبحانه وتعالى وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وقال في موضع آخر (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) فُسر الحق بالثواب والعقاب وفُسر أي ما خلقناهما إلا من أجل أن نثيب المطيعين ونعاقب العاصين، وفُسر بالأمر والنهي أي نأمر وننهى لنرى من يعبد الله على حق قال وهذا تفسير لبعض معناه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)).

ثم قال I (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)) يوم الفصل هو يوم القيامة يفصل الله عز وجل فيه بين الخلائق ولذا سمي يوم الفصل، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)) أي يجمع الله U الأولين والآخرين على صعيد واحد (يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا) أي لا ينفع قريب قريبا كقوله I (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) المؤمنون) وكقوله I (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) المعارج) والمولى في هذه الآية يعم جميع الموالي من القرابات وموالي العتق وموالي الصدقة (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41)) أي لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصر من خارج. (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ) أي أن النافع في ذلك اليوم هو ماذا؟ هو رحمة الله فحسب، إنه سبحانه أكد ذلك بقوله (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)).

ثم قال I (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43)) يقول تعالى مخبراً عما يعذب به الكافرين الجاحدين (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)) ولو رجعنا إلى المصحف لوجدتم أن شجرة كتبت بماذا؟ بالتاء المفتوحة، يقول ابن الأنباري: كل ما في كتاب الله من ذكر الشجرة فالوقف عليها بالهاء إلا حرفاً واحداً في سورة الدخان. الآن كل المصحف كتبت شجرة بالتاء المربوطة إلا سورة الدخان فقد كتبت وهذا علم يسمى عند العلماء "رسم المصحف" إذا وفقت مثل (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (60) الإسراء) إذا وقفت على الشجرة كيف تنطقها؟ والشجره (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43)) إذا وقفت على شجرة ماذا تقول؟ إن شجرت لأنها كتبت بالتاء المفتوحة. (طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)) أي أثيم في قوله وفعله وهو الكافر وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه أبو جهل والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (كَالْمُهْلِ) المُهل ما ذاب من ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص ونحوه والمعنى أن هذه الشجرة إذا طعمها الكافر في جهنم صارت في جوفه تفعل كما يفعل المُهل الساخن من الإحراق والفساد نعوذ بالله!!. الله U قد جمع لأهل النار عذاب الخارج والداخل لم يكتفي الله U نسأل الله أن يعيذنا من النار. لم يكتفي الله U بأن عذب أهل النار بالنار فقط فأحرقتهم من خارجهم، وإنما تحرقهم من خارجهم ويشربون الزقوم الماء (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45)) فجمع الله U لهم بين نار الداخل نار تحرقهم وتشوي وجوههم وأجسادهم ونار تحرق أجوافهم نسأل الله العافية والسلامة نسأل الله أن يعيذنا من النار ووالدينا (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)).

ثم قال الله I (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47)) أي خذوه فادفعوه (إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) إلى وسطها لا تضعونه في أطرافها بل يوضع في وسطها (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48)) النار هو في وسط النار ويصب النار على رأسه ويشرب المهل الذي يغلي في جوفه نعوذ بالله من النار كقوله سبحانه (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) الحج) نسأل الله العافية. (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48)) (مِنْ) تبعيضية، أي صبوا فوق رأسه بعض هذا النوع من العذاب. وقيل: بيانية أي عذاب هو الحميم. ثم قال الله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)) على وجه التهكم والسخرية، يا من كنت تظن أنك عزيز في منعة من هذا العذاب وأنك كريم على نفسك وكريم على قومك، قيلت له على سبيل التهكم والسخرية (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)) أي ليست بعزيز ولا كريم. ثم قال الله I (إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)) أي هذا ما كنتم فيه تشكون عندما قال الله U (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)) هذا الذي كنتم تشكون فيه كقوله I (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) الطور) وهنا قال في هذه الآية (إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)).

 

وبعد بيان حال الكافرين ذكر الله I حال المتقين .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل