مختصر اللمسات البيانية في سورة الفاتحة - 2

مختصر اللمسات البيانية في الفاتحة - 2

(رَبِّ الْعَالَمِينَ) :

* اختيار كلمة (رَبِّ) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الْحَمْدُ للّهِ) فهو أولى بالحمد من غيره لأن الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيّم فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم، و تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم) لأن من أولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى .

 *اختيار كلمة (الْعَالَمِينَ) :

-- العالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ويجمع على العوالم وعلى العالمين، رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى. لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي لأن العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل والعلم فقط .

-- لا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم، والعالمين جمع العالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم العالمين، أما العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات).

-- العالمين تشمل جيلاً واحداً وقد تشمل كل المكلفين أو قسماً من جيل كما جاءت في قصة سيدنا لوط بمعنى قسم من الرجال (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَن الْعَالَمِينَ).

-- السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص بأولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات او الكلمات لتشمل كل العالمين لا بعضهم.

 * الحمد لله رب العالمين أكثر من موضع جاءت في أول الفاتحة تحميداً وتمجيداً لله سبحانه وتعالى وبها يختم العمل والدعاء وتأتي قي سور آخرى في الآخرة أي الحمد لله رب العالمين في البدء وفي الختام:

- الحمد لله رب العالمين في بداية الفاتحة بعد البسملة معناه بداية عمل.

- في نهاية سورة الصافات بعد الحديث عن الكون وما يضم إلى قيام الساعة وإنتهاء الحياة (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)).

- في نهاية سورة الزمر(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ... وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)).

- في الأنعام (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)) هنا نهاية عمل في نهاية الحياة إنتهى أمرهم.

- في يونس (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)) في آخر الدعاء في الجنة.

- في غافر (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)) هنا يحتمل في أول الدعاء وآخره.

*** *** *** *** ***

(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) :

-- (الرَّحْمَنِ) على وزن فعلان و(الرَّحِيمِ) على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية أن الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف إلى حده الاقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضباً لكن الغضب يزول ومثل ذلك عطشان، جوعان يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش، أما (الرَّحِيمِ) على وزن فعيل فهي تدل على الثبوت مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وإنما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه.

-- هذا الاحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان (حدث فيه شيئ جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو أصلا ضعيف).

 -- ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معاً فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع أن هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها أن صفة رحيم مع أنها ثابتة لكنها ليست بالضرورة ظاهرة على الدوام فعندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة وإنما الصفة الغالبة عليه هي الكرم. فجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على أن صفاته الثابتة والمتجددة لا ينفك عن إحداهما فرحمته لا تنقطع وهذا ياتي من باب الاحتياط للمعنى .

 * قدم سبحانه الرحمن على الرحيم لأن صيغة الرحمن هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها فالانسان في طبيعته عجول وكثيراً ما يؤثر الشيئ الآتي السريع وإن قل، لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة فرحمته قريبة ومتجددة ولا تنفك لأن رحمته ثابتة.

 * يقول علماؤنا الرحيم تختص بالمؤمنين وجاءت في المرحلة الثانية بعد الرحمن، وفي البسملة بعد لفظ الجلالة ثم الرحمن لأن لفظة الله لا يُسمّى بها مخلوق وكذلك كلمة الرحمن لا يسمى بها مخلوق ولا حتى بالإضافة، أما الرحيم فقد يوصف بها البشر لأنها رحمة لكنها قليلة بالقياس إلى الرحمن، ولقد وُصِف محمد (ص) بالرحيم (بِالْمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

 * وقوع كلمة الرحيم بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها إشارة إلى أن المربي يجب أن يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربياً او سيداً او قيماً وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.

*** *** *** *** ***

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أو (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ):

-- المالك من التملك بمعنى الذي يملك، والمالك قد يكون ملكاً أو لا، أما المَلِك من المُلك والحكم، والمَلِك قد يكون مالكاً أو لا.

-- المالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف المَلِك، والمالك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام والملك ينظر للحكم والعدل والانصاف. المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم والملك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة فنزلت القراءتين متواترتين لتجمع بين معنى الملكية والملك وتدل على أنه سبحانه هو المالك وهو المَلِك (قُلِ اللَهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ).

* قال مالك يوم واليوم لا يملك إنما ما فيه يملك:

مالك اليوم لكل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي إضافة عامة شاملة من باب المِلكية والمُلكية لقصد العموم.

*مالك يوم الدين، ولم يذكر الدنيا:

-- قال (الحمد لله رب العالمين) فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا.

-- (مالك يوم الدين) هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد شمل يوم الدين الدنيا أيضاً. 

* (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وليس مالك يوم القيامة أو الجزاء أو الحساب أو الحشر:

الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلمة الدين أنسب للفظ رب العالمين وأنسب للمكلفين فالجزاء يكون لهؤلاء المكلفين والكلام من أوله لآخره عنهم فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء. ولو قال مالك يوم القيامة يكون التصور هو قيام الناس من قبورهم لا يكون فيه معنى المحاسبة، ولا يكون فيه معنى الطاعة والإلتزام ولا يكون فيه معنى الإعتقاد في الدين فهو يوم الإعتقاد السليم، هذا يومكم هذا يوم الدين الذي يبرز فيه الدين ويتعالى فيه الدين.

اقتران الحمد بهذه الصفات أحسن وأجمل اقتران :

-- (الحمد لله) فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم.

-- ثم محمود بكل معاني الربوبية (رب العالمين) لأن من الأرباب من لا تحمد عبوديته.

-- وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته يضعها حيث يجب ان توضع لأن الرحمة لو وضعت في غير موضعها لم تكن مدحاً لصاحبها.

-- وهو محمود في تملكه وفي مالكيته وفي ملكه يوم الدين (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أو (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ).

-- استغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد :

§     فالحمد قبل الخلق (الحمد لله) حين كان تعالى ولم يكن معه شيئ قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات فاستغرق الحمد هنا الزمن الأول.

§         وعند خلق العالم (رب العالمين).

§         واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرحمن الرحيم).

§         واستغرق الحمد يوم الجزاء كله وهو لا ينتهي لأن أهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم.

*** *** *** *** ***

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) :

* قدم المفعولين (إِيَّاكَ) ولم يقل نعبدك ونستعينك للاختصاص ، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تخصيص العبادة لله تعالى وحده و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) الاستعانة به حصراً.

* كررت إِيَّاكَ مع فعل الاستعانة ولم يقل إِيَّاكَ نعبد ونستعين  التكرار توكيد في اللغة ، ولو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين) لفُهِم أنه لا يُتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى أنه لا يعبد بدون استعانة ولا يستعان به بدون عبادة وهذا غير وارد وإنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار في الضمير اياك نعبد واياك نستعين.

* قدم العبادة على الاستعانة :

- العبادة هي علة خلق الإنس والجن (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) والاستعانة هي وسيلة للعبادة فالعبادة أولى بالتقديم.

- العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وهي طلب العبد وحق الله مقدّم على طلب العبد.

- إياك نعبد تتصل بكلمة الله وإياك نستعين تتصل بكلمة ربّ فالأولى فيها توحيد الألوهية والثانية فيها توحيد الربوبية. إياك نعبد تعني نعبدك ولا نعبد أحداً سواك.

* لم يقل  إياه نعبد وإياه نستعين أو الله نعبد والله نستعين فبداية السورة كلها للغائب ولكن انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ):

من حيث اللغة يتحصل حصر العبادة لله لكن هذا في البلاغة يسمى الإلتفات وله فائدة عامة وهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه، وفائدة للمتكلم البليغ يقتضيها المقام فالكلام من أول السورة إلى مالك يوم الين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة، ولكن الثناء في الغيبة أصدق وأولى، أما (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى وكذلك العبادة فأنت لا تدعو غائباً وإنما تدعو حاضراً مخاطباً.

* ما قال (وبك نستعين) :

- الفعل استعان يتعدّى بنفسه (استعانه) أو بحرف الجر (استعان به) ، لكن فُضّلت إياك على بك، لأن الموضع ليس موضع تأكيد فلو جاءت إياك نعبد وبك نستعين كأنه يريد أن يزيل شكاً في أن الله سبحانه وتعالى يعلّم المؤمنين أن يقصروا الإستعانة عليه سبحانه.

* أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شئ او طاعة او غيره لتشمل كل شئ وليست محددة بامر من امور الدنيا.

* عبر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع وليس المفرد أعبد وأستعين إشارة الى أهمية الجماعة في الاسلام ، إضافة إلى أن المؤمنين أخوة فلو قال إياك أعبد لأغفل عبادة أخوته المؤمنين ولكن عندما نقول اياك نعبد نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين ايضاً.

 * قرن العبادة بالاستعانة ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه وهو إقرار بعجز الإنسان عن حمل الأمانة الثقيلة إذا لم يعنه الله تعالى على ذلك، فالاستعانة بالله علاج لغرور الانسان وكبريائه واعتراف الإنسان بضعفه.

 *** *** *** *** ***

  (إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)

* لا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا فيتوجب عليه قوله عدة مرات في اليوم وهذا يدل على أهميته لأن له أثره في الدنيا والآخرة فالإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله لذلك، فإذا تُرك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه.

 * لم يقل تعالى اهدنا إلى الصراط المستقيم أو اهدنا للصراط المستقيم:

الهداية هي الإلهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر وقد يتعدى بإلى أو باللام .

ذكر أهل اللغة ان الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه:

-- التعدية بالفعل نفسه تقال لمن يكون في الطريق فنعرفه به كما قال تعالى مخاطباً رسوله (ويهديك صراطاً مستقيماً) والرسول مالك للصراط ، ولمن لا يكون في الطريق فنوصله إليه كقول سيدنا ابراهيم (فاتبعني أهدك صراطا سويا) أبوه لم يكن في الطريق.

-- أما التعدية بالحرف إلى فتستعمل لمن لم يكن في الصراط فهداه الله فيصل بالهداية إليه (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ) .

-- وتستعمل التعدية باللام هداه له بمعنى بينه له ، وتستعمل عند الغاية فالهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبداً في القرآن لأن الصراط ليست غاية إنما وسيلة توصل للغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وقوله (يهدي الله لنوره من يشاء).

 -- والهداية على مراحل وليست هداية واحدة :

- إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى.

- إذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه.

- إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا) وهذه خاتمة الهدايات.

 * لم يقل سبحانه إيانا اهدي هذا المعنى لا يصح فالتقديم للاختصاص ولا يجوز أن نقول إيانا اهدي بمعنى خصنا بالهداية ولا تهدي احداً غيرنا فهذا لا يجوز.

 * قال اهدنا ولم يقل اهدني لأنه مناسب لسياق الآيات السابقة في الاستعانة والعبادة  فاقتضى الجمع في الهداية أيضاً، وفيه إشاعة لروح الجماعة وقتل للأنانية من النفس بأن ندعو للآخرين بما ندعو به لأنفسنا وفيه شئ من التثبيت والاستئناس.

 * لم يستخدم أرشد أو دلّ مكان الفعل هدى : فعل الهداية ليس هو مجرد الإرشاد صحيح هو هداه إلى كذا كأنه أرشده لكن في إستعمالات العرب كأنه يمس شيئاً داخلياً فيه ومنه الهدية لما تقدمها لإنسان في داخله نوع من المحبة والحميمية والود.

 * الخط المستقيم هو أقصر بُعد بين نقطتين فكأن المسلم يدعو الله أن يجعله في أقرب الطرق الذي لا يكون متعباً أو معوجاً.

 * اختار كلمة الصراط بدلاً من الطريق أو السبيل:

- البناء اللغوي للصراط هو على وزن فِعال وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالحزام والشداد والخمار والغطاء والفراش، الصراط يدل على أنه واسع رحب يتسع لكل السالكين.

- كلمة الطريق لا تدل على نفس المعنى فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق أي مسلوك.

- السبيل على وزن فعيل ونقول أسبلت الطريق إذا كثر السالكين فيها لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال.

  *** *** *** *** ***

(صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين)

* جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالألف واللام وبالإضافة وموصوفاً بالاستقامة ليدل على أنه صراط واحد ، وأي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل إلى الله تعالى ومرضاته .

لم ترد كلمة الصراط في القرآن مجتمعة أبداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعاً (سبل) لأن الصراط هو الأوسع وهو الذي تفضي إليه كل السبل (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وهو طريق الاسلام الرحب الواسع.

ثم زاد هذا الصراط توضيحاً وبياناً تعريفه بالإضافة (صراط الذين) وجمعت هذه الآية كل أصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم أحداً ولا يخرج المكلفون عن هذه الاصناف الثلاثة :

1)      الذين أنعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه.

2)      الذين عرفوا الحق وخالفوه (المغضوب عليهم) ويقول قسم من المفسرين أنهم العصاة.

3)      الذين لم يعرفوا الحق وهم الضآلين (يحسبون انهم يحسنون صنعا) هم من الاخسرين.

 * قال تعالى (أنعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فاختار الفعل الماضي على المضارع: لأنها أوسع وأشمل وأعم لأنه :

 -- إذا قال تنعم عليهم لأغفل كل من أنعم عليهم سابقاً من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على أنه سبحانه أنعم على أحد.

-- إذا قال تنعم عليهم لاحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى ان تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما أعطيت امثالي فمعناه أعطني مثل ما أعطيت سابقا، ولو قلنا أعطني ما تعطي امثالي فهي لا تدل على أنه أعطى أحدا قبلي.

-- ولو قال تنعم عليهم لكان صراط هؤلاء أقل شأناً من صراط الذين أنعم عليهم فصراط الذين أنعم عليهم من أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين أما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء.

-- الإتيان بالفعل الماضي يدل على أنه بمرور الزمن يكثر عدد الذين أنعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين أنعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وأنعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من أولي العزم والرسل وأتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم أما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان.

 * عبر عن المنعَم عليهم باستخدام الفعل و(المغضوب عليهم) و(الضآلين) بالاسم :

- الفعل يدل على التجدد والحدوث والاسم يدل على الشمول والثبوت فوصفه أنهم مغضوب عليهم وضالون يدل على الثبوت والدوام.

- لو قال صراط المنعَم عليهم بالاسم لم يتبين من الذي أنعم فبيَّن المنعِم (أنعمت عليهم) لأن النعم تقدر بمقدار المنعِم.

- من عادة القرآن أن ينسب الخير والنعم إليه سبحانه وينزه نسبة السوء إليه (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) وقد يقول (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم) لكن لا يقول زينا لهم سوء اعمالهم.

* ذكرت المغضوب عليهم بصيغة إسم المفعول والضالين بصيغة إسم الفاعل:

- أولاً جيء بكل منهما إسماً ولم يقل صراط الذين غضب عليهم وضلوا للدلالة على الثبوت فالغضب عليهم ثابت والضلال فيهم ثابت لا يرجى فيهم خير ولا هدى.

- مغضوب عليهم إسم مفعول يعني وقع عليهم الغضب لم يذكر الجهة التي غضبت عليهم ليعم الغضب عليهم ولا يتخصص بغاضب معين غضب الله وغضب الغاضبين لله من الملائكة وغيرهم بل سيغضب عليهم أخلص أصدقائهم في الآخرة ويتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ، فحذف جهة الغاضب فيه عموم وشمول ، أما الضالين فهم الذين ضلّوا.

 * لو قال غير المغضوب عليهم والضالين وحذفت (لا) فقد يفهم أن الابتعاد هو للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط كأنه فريق واحد بصفتين: مغضوب عليهم وضالين، ومن لم يجمعها (المغضوب عليهم) فقط أو (الضآلين) فقط فلا يدخل في الاستثناء، فإذا قلنا مثلاً لا تشرب الحليب واللبن الرائب أي لا تجمعهما أما إذا قلنا لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما إن اجتمعا أو انفردا.

 * لو قال (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) سيجعلهم بمنزلة سواء (غير وغير) لكن المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الطريق ولم يتبعوه وانحرفوا وحساب هذا العارف بالطريق ولم يتبعه غير حساب الذي لم تبلغه الدعوة أو لم يعرف فالضالّ أقل جُرماً.

فاستعمل الإسم (غير) الذي هو أقوى من الحرف (لا) لهؤلاء الذين عرفوا وإنحرفوا، ثم إستعمل الحرف (لا) الذي هو أقل شأناً وفيه معنى التوكيد (ولا الضالين).

 * قدم اذن المغضوب عليهم على الضآلين :

- المغضوب عليهم الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم أشد بعداً لأنه من علم ليس كمن جهل لذا بدأ بهم وفي الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم هم اليهود والنصارى فهم الضالون. واليهود أسبق لذا بدأ بهم.

- صفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود عندما أمر إبليس بالسجود لآدم وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي أول معصية ظهرت على الأرض أيضاً عندما قتل ابن آدم اخاه ولذا بدأ بها.

- جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فالمغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.

 * خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد فيها فمن لم يحمد الله تعالى ومن لم يؤمن بيوم الدين وأن الله سبحانه مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد الى الصراط المستقيم فهم جميعاً مغضوب عليهم وضالون.

 * أصل كلمة آمين :

آمين: اسم فعل أمر بمعنى اللهم استجب وهي لم تستعمل إلا مع الله وحتى قبل نزول القرآن.

 (آمين) آمين هي كلمة عربية شأنها شأن هيهات وشأن أف، نسميها أسماء أفعال ألفاظ جامدة ، ثم بعد ذلك صاروا يشتقون منها (إني داعٍ فأمّنوا) اشتق منها فعل أي قولوا آمين اللهم استجب، وهي لم ترد في المصحف لكن 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل