تفسير سورة غافر - المجلس الرابع- د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة غافر - المجلس الرابع-

د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال U (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54)) وهذا أيضاً من أنواع النصر التي نصر الله بها موسى وقومه أن الله U أهلك فرعون وقومه ونجّى موسى وقومه وأورثهم الهدى وأورثهم الكتاب. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى) أي البيّنات الواضحات ما يهدي إلى الحق من التوراة، من الأدلة، من المعجزات، من البراهين (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) من أتباعه ممن آمن به (الكتاب) يعني التوراة فورثوها بعد موسى. (هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) يعني في التوراة وهي كتاب الله المنزّل فيها الهدى وفيها الذكرى يعني تهدي وتذكِّر لكن لمن؟ لأولي الألباب يعني أصحاب العقول. وعندئذٍ بعد أن ختمت قصة موسى والتعقيب عليها تأتي العبرة التي تُستخلص من هذه القصة يأتي ذكر العبرة التي تستخلص من هذه القصة وهي قوله U (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) لما كان مساق هذه السورة مساق تسلية النبي e بعد أن كذبه قومه والرد على قومه في تكذيبهم له جاء هذا التعقيب بعد قصة موسى قال (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) فأمر الله نبيه e بالصبر على ما أمره بأن يصبر على تبليغ رسالة الله ثم يصبر على الصدّ والإعراض الذي يلاقيه من أولئك المشركين ويتعزّى ويتسلّى بما حصل للأنبياء قبله ولذلك قال U (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) هود) فمعرفة السِيَر الصالحين سِيَر الأولين من الرسل وأتباعهم السائرين على دربهم من أعظم ما يورِث في النفس الصبر على الشدائد التي تعرض للإنسان. يورثه الصبر وفيه تسلية أيضاً للإنسان لئن أصابك البلاء وأصابتك المحن فقد أصاب قبلك من الأنبياء والرسل الكرام وأتباعهم من الربانيين أصابهم مثلما أصابك وهذا يجعل الإنسان يتعزّى ويصبر على هذا السبيل الذي هو طريق الأنبياء. هذا طريق الأنبياء من سلكه سيصيبه مثل ما أصاب الأنبياء ولهذا الصحابة لما جاءوا إلى النبي e وهو متوسّد الكعبة قالوا ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال النبي e وضرب لهم مثالاً على ما يلاقيه مَنْ قبلهم قال: كان الرجل قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ويُنشر من رأسه إلى مفرقه ما يصدّه ذلك عن دين الله والله ليتمنّ الله هذا الأمر. فالمقصود هنا أن النبي e ربط الصحابة بما حصل لمن قبلهم أولاً لتسليتهم والأمر الآخر لتصبيرهم وأن يتعزوا به ولذلك كل انسان مبتلى كل إنسان مصاب كل إنسان يصيبه نوع من البلاء فليتعزّى بمن تقدّم من الصالحين وفي رأسهم ومقدمتهم أنبياء الله ورسله. ومما يعزّي النبي e أن الله قال له (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ) يعني بعد إهلاك فرعون ومُلْكه وقومه من ورثهم بعد ذلك؟ ورثهم قوم موسى مع أنهم كانوا أذلّة لا يؤبَه لهم وقد سامهم فرعون سوء العذاب لكن الله U أورثهم بعد ذلك الأرض فهذا فيه تسلية للنبي e وللصحابة من بعده. في قوله U (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) وقع خلاف بين المفسرين في مثل هذه الآية واستشكلوها فيما يسمى آيات المعاتبة للنبي e وهي عائدة إلى مسألة أخرى تتعلق بالإعتقاد هل الأنبياء معصومون عن الذنوب والخطايا أم لا؟ وهذه المسألة فيها تفصيل وكلام طويل لأهل العلم ومحل إجماع أهل الإسلام على أن الأنبياء معصومون بعد النبوة عن كبائر الذنوب هذا محل إجماع بين أهل العلم. أما قبل النبوة فقد وقع الخلاف ولكن قول عامة أهل العلم أنهم معصومون عن الشرك وعن الكبائر قبل النبوة وأما بعد النبوة فهم معصومون محل الإجماع على الكبائر واختُلِف في الصغائر وأما ما يتعلق بالبلاغ والرسالة فإنهم معصومون لا يمكن أن يقع منهم خطأ فيها وإن وقع خطأ لا يُقرّون عليه، على كل حال هذه مسألة يطول فيها الكلام. أما قوله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) هنا هل النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه ذنب؟ وقع في ذلك خلاف بين المفسرين مع إجماع المفسرين على أن النبي لم يقع منه ذنب يستغفر الله منه، مع إجماعهم على هذا فقد اختلفوا في توجيه هذا الأمر أمر النبي e بالإستغفار على أقوال عدة: فمنهم من قال أنه على تقدير محذوف يعني استغفر ذنوب أمتك. وبعضهم قال إن هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كيف يكون التقدير؟ أي استغفر ذنب أمتك في حقك، الأول ذنوب أمتك وهذا ذنبهم في حقك واضح الفرق بين القولين والحقيقة هذان القولان مع أن كثير من المفسرين قال بأحدهما لكنه في الحقيقة عدول عن ظاهر الآية الله U يقول (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) وأنت تقول استغفر لذنب أمتك أو استغفر لذنب أمتك في حقك يعني هذا عدول عن الظاهر، والأصل والقاعدة التفسيرية أن لا يُعدَل عن ظاهر نصوص الكتاب والسنة إلا لقرينة قوية دالة عليه طبعاً هم يقولون أن القرينة أن النبي معصوم من الذنوب. القول الآخر قالوا أن الذنوب المقصود بها ذنوبك قبل النبوة وهذا القول مع أنه قد يكون حسن في ظاهره لكن الأصل أن يقال قبل النبوة غير مؤاخذ بالذنوب فليس ذنباً يستغفر منه لأنه غير مؤاخذ عليه الصلاة والسلام. منهم من قال إن المقصود بالذنوب هنا على ظاهرها وهي صغائر الذنوب وهؤلاء هم قول من يجيز أن يقع من النبي صغائر الذنوب. وقول آخر قالوا إنما هو طلب الدوام على العصمة من الذنوب. ومنهم من قال الذنب هنا ترك الأَوْلى وليس فعل المعصية وإنما ترك الأَوْلى، على كل حال هذه أقوال ذكرتها مختصرة وكلام أهل العلم فيها طويل ولكني اختصرتها للوقت. والذي يظهر أن الإستغفار هنا لا يلزم منه وقوع الذنب بل المقصود الإستغفار عن كل ما يقعد بك عن بلوغ الكمال وعن كل ما يكون سبباً لغضب الله تعالى فهو من محض التعبّد لله والتواضع له U ولذلك المؤمن إذا صلّى يستغفر الله U والنبي e يأمره U أن يختم يقول (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) النصر) مع أنه حياة طويلة من الجهاد والقيام برسالة الله والبلاغ ومع ذلك يأمره بالإستغفار. فلا يلزم أن يكون الاستغفار من ذنب وقع بل هو بمعنى الإستغفار عما يُقعِد عن بلوغ درجات الكمال الإستغفار عما يُقعِد عن عبادة الله حق عبادته الاستغفار الدال على تواضع الإنسان تواضع العبد المؤمن لله U الذي يظهر في معنى الآية والعلم عند الله. ولهذا عائشة رضي الله عنها كان النبي e يقوم حتى تتفطر قدماه فعجبت من ذلك فقالت تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ما الحاجة؟ قال أفلا أكون عبداً شكوراً فهذه مقامات من العبودية عالية.

قال الله بعد ذلك (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). يقول U (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ) يعني يحاجّون فيها ويمارون بغير سلطان يعني بغير حجة واضحة لا يحملهم على ذلك إلا كِبْرهم عن الحق (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْر) أي ليس في صدورهم طلبٌ للحق ولا قصدٌ لبلوغه بل ليس في صدورهم إلا الكبر الذي يمنعهم عن سماع الحق ويمنعهم عن القبول والانقياد إليه. (كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ) يعني كِبرٌ يحملهم عليه حسدهم لما أنت فيه من شرف النبوة وتكريم الله لك. فهم يحسدون النبي e على ما أكرمه الله به فاصطفاه للنبوة فيمنعهم الحسد والكِبر عن ذلك وإذا كان المانع للإنسان الكبر والحسد فما تستطيع أن تفعل به شيئاً ليس لك إلا أن تعتصم بالله U وتستعيذ به ولهذا قال (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)فلأنهم يجادلونك بغير سلطان إنما الكبر والحسد فليس لك بعد ذلك إلا أن تستعيذ بالله منهم (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). ثم الآية فيها الإشارة إلى أعظم ما يتعوّذ به الإنسان من الحسد والكبر وهو الإستعاذة بالله. والحقيقة إن هذا هو دواء الحسد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إن كان الحسد خرج منه أو يخاف من غيره فيستعيذ بلله من الشيطان الرجيم من فهذا من أعظم الأدوية التي يُتّقى بها الحسد والكِبر.

ثم قال الله U (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الآيات التي ستأتي فيها ذكر بعض مظاهر قدرة الله U ومظاهر قوته ومظاهر إنعامه على خلقه بما يُستدل بها على توحيده وأنه مستحق للعبادة وحده دون سواه وهذا من أظهر الأدلة في القرآن الكريم على العبودية أن يُستدل بالخلق والإيجاد والإنعام على العبودية وهذا هو الصحيح لأن من خلقك ورزقك وأنعم عليك هو المستحق أن يُعبد وحده دون سواه. يقول U (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) في هذه الآية ردٌ مُفحِم لمن شكّ في قدرة الله U على البعث فيقول U (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) هذه السموات بأفلاكها بأجرامها بسعتها التي لا تخطر على بال -يعني يذكر أهل الإختصاص في هذا المجال أشياء لا يكاد الإنسان يُصدِّقها من سعة هذا الكون وعِظَمه يعني الإنسان فيه كالهباءة في هذا الكون- فالذي خلق هذا الكون بمجرّاته بأفلاكه بنجومه يعجز عن أن يعيد الخلق؟! ولذلك قال (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فلأنهم لا يعلمون يقعون في الضلال والانحراف وهذا من أعظم الأدلة التي ذُكِرت في القرآن الكريم الدالّة على البعث متعددة متنوعة منها:

1.  الإستدلال بالخلق الأول الذي يقدر أن يخلق مرة قادر على أن يعيد الخلق بل الإعادة أهون عليه.

2.  الإستدلال بمظاهر الحياة في الكون مثل إنزال المطر وإحياء النبات (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى (39) فصلت).

3.  الإستدلال بمظاهر القدرة في خلق الكون لأن القادر على أن يخلق هذا الكون خلقا متقناً لا عوج فيه ولا إضطراب في غاية الدقة والإحكام القادر خلق على هذا لن يعجزه أن يخلق هذا الإنسان الضعيف.

هذه الأنواع الثلاثة من أبرز الأدلة على البعث مما ورد في القرآن الكريم وهي أدلة تجمع بين الحس والعقل فكلها محسوسة الكون كلهم يراه العالِم الكبير والجاهل الصغير كلنا نرى الكون أم لا؟ فهي محسوسة ومُدركة لا نحتاج إلى مختبر حتى نصل إلى هذه الأدلة ولا إلى مجهر فهي موجودة مبثوثة في الكون الكل يراها وهذه ميزة أدلة القرآن الكريم أنها مأخوذة من واقع الناس كل الناس يراها العالِم في مختبره والعامل في معمله والمزارع في مزرعته كل الناس يستطيعون أن يروا هذه الأدلة وهذه ميزة مما يميز أدلة القرآن الكريم ومع سهولتها إلا أنها تحوي أعظم البراهين على ما وردت عليه من مسائل وقضايا.

قال U (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ) بعد أن ذكر هذا الدليل بيّن اختلاف الناس فهناك الأعمى وهناك البصير وهذا ضربُ مثلٍ للمؤمن والكافر فضرب مثلاً للكافر بالأعمى الذي لا يبصر فكيف تريد شهصاً لا يبصر تريده أن يبصر الحقائق؟! وذلك مَثَل الكافر. ومثال المؤمن مثال المبصِر ولذلك قال (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) وقدّم ذكر الأعمى لأنه هو المقصود، لماذا هو المقصود؟ لأن الحديث مع أناس قد عموا عن الحق من أجل ذلك يقدّم ذكرهم مع أن البصير أشرف من الأعمى لكن لأن المقصود ذكر مثالهم هم قدّم ذكر الأعمى. ولهذا لما جاء في المقارنة بين المؤمن والمسيء قدّم ذكر المؤمن لأنه مقام تشريف، ذاك مقام ضرب المثال فقُدِّم من يخاطب من هو الأهم وهو الضالّ فقال الأعمى ولكن لما جاء إلى التشريف قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ) والحقيقة أن هذا المثال غاية من الإنطباق على حال الناس فإنك ترى المؤمن والمستقيم على دين الله على نور وبيّنة من ربه بخلاف الضالّ المنحرف عن دين الله فإنه لا يزال أعمى حتى وإن كان مبصراً لا يزال أعمى حتى وإن كان عالِماً لا يزال أعمى حتى وإن وصل إلى أعلى الشهادات ونالها فهو أعمى عن الحق أعمى عن الهدى يكفي من عماه أنه عمي عن أعظم حقيقة وهي وجود الله U وتوحيده. والمؤمن يكفيه بصراً وبصيرة أنه أبصر أعظم حقيقة وهي عبادة الله وتوحيده حتى ولو كان أقل الناس علماً وتحصيلاً للشهادات ولذلك كل من اتبع الحق فهو مبصر وكل من أعرض عنه فهو أعمى حتى لو كان أعلى الدرجات وأرفع المناصب.

ثم قال U (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) بعد أن ذكر الله U مثال المؤمن ومثال الكافر أعقب ذلك بقوله (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا) والساعة المقصود بها يوم القيامة (لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا) أي لا شك فيها ولا امتراء (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) لا يصدّقون ولا يوقنون بمجيئها.

ثم قال الله U بعد ذلك (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) قوله داخرين أصلها من دَخَرَ بمعنى ذلّ وصغُر ولهذا يقول U (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) يقول U لعباده ادعوني والمقصود بالدعاء هنا الدعاء الدال على توحيده U والخلوص له من أنواع الشرك فمن دعا الله U وحده خالصاً من الشرك فإنه الله يستجيب له. وتأملوا ماذا قال (الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي) ما قال يستكبرون عن دعائي بل عن عبادتي وما قال للمؤمنين إعبدوني بل قال إدعوني ليدلك على أن العبادة هي الدعاء وقد قدّمنا ما يشير إلى هذا المعنى. فقال (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سيدخلون جهنم مع ذلٍّ وحقارة وصَغَار وهذه الآية دالة على شرف الدعاء وعلو منزلته وأنه هو العبادة وكيف كان الدعاء هو العبادة؟ لأن الدعاء فيه طلب، تطلب خيراً أو تطلب دفع ضر وهذه الحال توجِب ذل وخضوع ولذلك هذه حال العبودية لأن حقيقة العبودية كمال ذلّ مع كمال خضوع وهذه هي صفة العبودية وهذه حال الداعي ولذلك سمى الدعاء عبادة وسمى العبادة دعاء لأن الدعاء هو حقيقة العبادة.

قال الله U (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) هذه الآيات الكريمة جاءت الآن تذكر كما قدّمنا قبل قليل أنواعاً من الأدلة التي تتضمن نِعَم الله U على خلقه منها قوله U (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) في الليل قال (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) فذكر الوظيفة التي تكون في الليل وهي السكن، وفي النهار قال (مُبْصِرًا) ما قال في الليل "مظلماً" كما قال في النهار "مبصراً" ولم يقل في النهار "لتعملوا فيه" كما قال في الليل "لتسكنوا فيه" لمَ؟ قوله (لِتَسْكُنُوا) نصّ على السكن في الليل لأن الليل لا يكون إلا لهذا فقط، الليل لا يكون إلا للسكن تسكن فيه الأرواح والنفوس تنام فيه وهذا ما يؤكده الطب الحديث أن إعادة بناء خلايا الجسم الميتة يكون في حالة النوم وفي الليل على وجه الخصوص لمعنى خاص في الظلمة فسماه الله سكناً تسكن فيه النفوس وسماه في الآيات الأخرى سباتاً تنقطع فيه الحياة السبت القطع ولكن في النهار قال (مبصراً) ولم يقل تعملوا فيه شيء من هذا ولكن قال مبصراً لمَ؟ لأن هذا النهار مبصر فاعمل ما شئت من أراد أن يعمل يعمل من أراد أن يتجر يتجر ومن أراد أن يتعلم يتعلم مختلف الحاجات والأغراض لأنه مبصر فتعمل ما تشاء لأنه وقت العمل دون أن يحدد صفة العمل التي تكون فيه. ثم قال بعد ذلك (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) لا يشكرون الله U على نِعَمه. ونحن قبل أن نغادر هذه الآية نشير إلى أن من سنة الله أن جعل الليل سكناً والنهار معاشاً كما جاء في الآية الأخرى وجعله مبصراً وهذه سُنّة الله وللأسف أن كثيراً من كثير من المسلمين خالفوا هذه السنة وكثير من مجتمعات المسلمين خالفت هذه السنة فتأخر إنتاجها وتأخر تقدمها وتطورها بينما الدول الصناعية المتقدمة إذا غابت الشمس يتوقف العمل وتغلق المحلات ويأوي الناس إلى بيوتهم وقبل طلوع الفجر يبدأون في العمل تصبح نسبة الانتاج في المجتمع عالية وتُحفَظ أوقات الناس أما في كثير من بلاد المسلمين انقلبت الآية وعُكِسَت فالنهار أصبح وقتاً للنوم والليل أصبح وقتاً للإنتشار والتحرك وهذا قَلْبٌ للفطرة وانتكاساً لها.

قوله U (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63)) قوله (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) يعني هذا الذي أنعم عليكم بهذه النعم هو ربكم انظروا هذا التدرج الذي في الآية قال (ذَلِكُمُ اللَّهُ) فبدأ بلفظ الجلالة الذي هو عَلَم على الله U (الله)، (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ثم ذكر صفة الربوبية (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فلأنه الرب فهو خالق كل شيء وليس فقط خالقكم بل خالق كل شيء، ماذا بنى على هذه الأوصاف؟ قال (لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) لأنه الخالق فإذاً هو الذي يستحق أن يُعبد دون سواه. ثم قال (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) كمثل تكذيبكم يا أهل مكة وإعراضكم يؤفك يعني يُصرَف (الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) يجحدونها ويكذّبونها ويُعرِضون عنها. وفي قوله (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ) فيها دلالة على أن من كانت عادته الإعراض والصدّ عن سبيل الله أنه يُصرَف عن السبيل ولا يهتدي إليه ويَضلّ ويضل عنه ولذلك قال (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ) يعني بمعنى يصرف من هم هؤلاء الذين يصرفون؟ الذين كانوا بآيات الله يجحدون.

ثم قال U (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)) لا زالت الآيات في تقرير ألوهية الله U مع الاستدلال بمظاهر القُدرة والإنعام في هذا الكون قال (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) أصل القرار من قرّ مصدر قرّ إذا سَكَن. ومعنى القرار هنا ذكر المفسرون فيه قولان:

·       الأول أن الأرض في ذاتها قارّة ساكنة لا تضطرب

·       والمعنى الثاني أنكم أنتم تسكنون فيها (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) يعني سكناً تسكنون فيها أو جعل لكم الأرض قراراً أي لا تضطرب

والحقيقة هذين القولين بينهما تلازم فإن كانت الأرض ساكنة فإن ذلك يورث قرارنا فيها ولا نستقرّ فيها إلا إذا كانت ساكنة فلا تعارض بينهما بل هو من ذِكر بعض أفراد العام مثل قول الله U في معنى محل القرار (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) المؤمنون) يعني محل إقامة ذات إقامة ومعين، وهي كما ذكرت لا تعارض بين المعنيين على الصحيح. (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء) يعني سقفاً مبنياً محيطاً بكم في أكمل صورة وأحسن هيئة فهي مثل السقف ولذلك سماها بناءً. ثم قال (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) الحقيقة إذا تأملت في خلق الله U هذه الكائنات تجد أن خلق الإنسان هو في أكمل الصور وأشرفها. وتأملوا هذه الكائنات تروا أن الإنسان خُلِق على أكمل وأشرف صورة من استواء القامة والقدرة على التحرك فضلاً عن العقل الذي ميّزه الله U ووهبه للإنسان فجعله بذلك يسخر ما في الكون لخدمته (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) خلقكم في أحسن تقويم كما قال الله U في الآية الأخرى (وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) هذه أنواع المنن في الآية الكريمة. ومن تأمل هذه المنن التي امتن الله بها على خلقه فإنه لا شك يقود إلى الإيمان بالله U هذه المنن يمكن أن نجملها في نوعين في هذه الآية وفي غيرها إمتنان الله على عباده على نوعين: إعداد وإمداد يمكن أن نقول نعم الله على خلقه في إعدادهم وإمدادهم.

·       أما الاعداد فإنه أعدّهم وأعطاهم كل أسباب البقاء خلق الإنسان سمعياً بصيراً السمع والبصر والفؤاد والعقل والإدراك والقدرة فأعده إعداداً يقدر معه على الحياة هذا يسمى بالإعداد.

·       وأما الإمداد فإنه أمده بأسباب البقاء قد تكون أنت قادراً وقوياً لكن ليس بين يديك أسباب البقاء فتموت لكن الله U أعده وأمده فنعمه على عباده بإعدادهم وإمدادهم. هذا الكون كله مسخّر لنا أمدّنا الله به حتى نستطيع أن نحيا في هذا الكون، فنعم الله U تدور على هذين البابين.

ثم قال U (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قوله الحيّ هذه الألف واللام دالة على الاستغراق ومعنى الحيّ هنا الذي اتصف بكمال الحياة التي لا نقص معها. من صور نقص الحياة الموت ومن صور النقص النوم ومن صور نقص الحياة النعاس فالله U هو الحيّ الحياة التامة التي لم يسبقها عَدَمٌ ولم يلحقها فناء سبحانه وبحمده وأما الخلق كلهم فعلى ضد ذلك فسبقهم العدم ويلحقهم الفناء أما الله U فهو الحيّ. وهذا المعنى دليل من الأدلة التي يستدل بها على أن الله هو المستحق للعبادة وحده وما عداه مما عُبِد من دون الله لا يتصف بهذه الصفة التي ذكرها الله U هو الحيّ ولذلك قال (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) لأنه الحيّ فهو الإله الذي يُعبد (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أمر بدعائه مع الإخلاص له. وانظر التأكيد على مسألة الدعاء في ثلاث مواضع في هذه السورة كلها يؤكد على الدعاء ويجعله هو العبادة ويجعله هو الدين (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وهو U له الحمد المطلق ولذلك قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الألف واللام دالة على الاستغراق في الحمد يعني المستغرِق كل أنواع المحامد لأنه هو المنعم بكل أنواع النعم فالمحامد كلها له U له المحامد بأفعالنا بحركاتنا بسكناتنا بجوارحنا كلها U محمودٌ عليها وبها (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). ثم قال (رَبِّ الْعَالَمِينَ) لأن الله U هو الذي ربى الخلق وتعهدهم بالتربية قبل خلقهم إلى أن يموتوا وهو يربيهم U وينعم عليهم (العالمين) يعني من الإنس والجنّ.

 

ثم قال الله U (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) هذا توجه للنبي e أن يقول للمشركين بعد ذكر الأدلة وبعد هذا التطواف في أنواع من الأدلة وأنواع من الآيات وأنواع من الحجج والبراهين وأنواع من القصص السابقة يصل إلى الهدف فيقول (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي) البيّنات التي جاءت للنبي e نوعان: أولها وأعظمها الوحي، ثم المعجزات التي أُيّد بها النبي e وكلها بينات، بينات في نفسها تبين عما فيها وأيضاً بينات تبين عن الحق الذي جاء به e. (لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الاسلام هو الخضوع والانقياد لله ظاهراً وباطناً هذا هو أعلى معاني الإسلام أن تُسلم ظاهراً وباطناً لله فتُسلم جوارحك لله ويُسلم باطنك لله وهذا هو المعنى المراد في الآية وليس فقط إسلام الجوارح بل حتى الباطن اسلام الباطن (أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل