تفسير سورة غافر - المجلس الثالث- د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة غافر - المجلس الثالث-

د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) غافر). ثم قال (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)) لا زال كلامه في موعظة قومه وتذكيرهم وتخويفهم من سوء العاقبة وذكر هنا تحذيرهم من يوم القيامة فقال (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) وسمى الله U هذا اليوم يوم التناد لأنه في ذلك اليوم يحصل التنادي فكلٌ يحصل أنواع متعددة من التنادي مثل المناداة التي تكون بين أصحاب الأعراف ومثل المناداة التي تكون بين أصحاب الجنة وأصحاب النار (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ (44) الأعراف) ومثل نداء أهل الجنة بأسمائهم ونداء أهل النار بأسمائهم، لأجل ذلك سمى الله U ذلك اليوم يوم التناد قال (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) في ذلك اليوم من شدته وهول المطلع يدبرون ويولون خائفين هاربين لكن إلى أين؟ لا مفرّ، ولذلك قال (مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ) يعصمكم ويقيكم من العذاب الذي يتوعدكم ولهذا قال (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) كأن الضلال الذي كانوا فيه في الدنيا سيورثهم ضلالاً في الآخرة فيهربون لكن إلى غير سبيل ولا إلى رشد، ولهذا قال (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ). وهذا يشير إلى أن الله U إذا خذل العبد فلم يوفقه إلى الهداية لأن الهداية نوعان هداية دلالة وبيان وهداية توفيق وإعانة فأما هداية الدلالة والبيان فهي حصلت بأيدي رسل الله والكتب التي أنزلها الله تعالى على الناس وهذه لا تخصّ أحداً من الخلق بل هي شاملة للخلق جميعاً فالله U قد هدى الخلق جميعاً بمعنى بيّن لهم سبيل الرشاد (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان) (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) البلد) طريق الحق وطريق الضلال وهذه للخلق جميعاً. وأما الهداية الأخرى وهي الهداية الخاصة بمعنى التوفيق والإعانة فالمقصود بها أن يوفَّق الإنسان إلى قبول الحق وأن يُعان على ذلك فأما من خذلهم الله بأن لم يوفقهم إلى قبول الحق ولم يُعنهم عليه فأولئك الذين ليس لهم هادي (وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).

ثم قال (وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)) فهو يشير إلى ما حصل منهم في زمن يوسف u حيث حصل منهم الشكّ في نبوته والاعراض عنه حتى إذا هلك (فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ) مما جاءكم به من الحق والهدى والرشد (حَتَّى إِذَا هَلَكَ) بمعنى مات (قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا) لأنهم أصلاً في شك من هذا الرسول الذي بعثه الله وفي تردد فظنوا أن الرسالة قد انقطعت ولن يبعث الله من بعده رسولاً. ثم قال U (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ) الإسراف مجاوزة الحدّ في كل شيء فإذا جاوز الإنسان حدّ القصد وحدّ الاعتدال يسمى ذلك إسرافاً فهم أسرفوا في شكِّهم وأسرفوا في تكذيبهم ولذلك قال (مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ) فجمعوا بين مجاوزة الحدّ وبين الإسراف وهذه صفة من صفات المكذبين المعرضين عن سبيل الله أنهم يجمعون بين صفة الإسراف، مجاوزة الحد في الظلم، مجاوزة الحد في التكذيب، مجاوزة الحد في العداوة وأيضاً أنهم أصحاب ارتياب وشكّ. وإذا تأملت أصحاب الضلال وجدت أن هذه الصفة لا تبارحهم ،صفة مجاوزة الحد وصفة الارتياب. ولهذا قال الله U في بيان أصحاب هاتين الصفتين (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ) يجادلون بالباطل ودليل مجادلتهم بالباطل أنه قال (بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ) يعني بغير حجة واضحة جاءتهم من الله ولذلك قال (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ) وذكرنا أن المقت هو اشد الغضب (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا) يعني كبر مقتاً هذه الحال حال الإسراف وحال مجاوزة الحد وحال الارتياب وحال المجادلة بغير سلطان فالله يمقت هذه الحالة ويُبغضها وكذلك المؤمنون من عباده يُبغضون مَنْ هذه صفته وتلك حاله ولهذا قال (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ) يعني مثل هذا الضلال الذي وقع فيه هؤلاء المتقدمون وإعراضهم عن الهدى مثل هذا الضلال يُضلُّ الله كل متكبر جبار (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) الطبع المقصود به الختم والمقصود بالختم الغلق وجاء مرة تفسيره بالطبع ومرة بالران ومرة بالإغلاق والإغلاف كل هذه المعاني تشير إلى غلق القلب بحيث لا يقبل المعروف ولا ينكر المنكر كما أخبر الصادق المصدوق في الحديث الصحيح "كالكوز مجخّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه" فلا يقبل المعروف ولا يتلقاه لأنه إنغلق قلبه. وتأملوا ماهي صفة القلب الذي يغلق عليه صفتين قال "متكبر جبار" فمن كان فيه هاتين الصفتين فإن قلبه يغلق عن الحق فلا يهتدي إليه ولا يقبله مهما كانت العظات، مهما كانت العبر والأيات يُغلق على قلبه. وتأملوا حال الناس فإن الذين صدوا عن سبيل الله وأعرضوا عنه ولم يتبعوا الحق هذه صفتهم، الصفة الأولى التكبّر والتجبّر لا يبارحون هاتين الصفتين بحال من الأحوال. في الآية أيضاً دلالة على أن أهل الإيمان ومن صفات المؤمنين كراهية الإسراف والإرتياب في الحق، كراهية التكبر كراهية التجبر هذه الصفات المذمومة ذكرها الله U وذكر أن أهل الإيمان يمقتوها حيث قال (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا) فمن صفات أهل الإيمان أنهم يمقتون هذه الصفات وإذا كانوا يمقتونها فلا شك أنهم سيحذرون من الوقوع فيها أو التخلّق بها.

ثم قال U بعد ذلك (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) الآن فرعون بعد هذا الكلام القوي الواضح من ذلك المؤمن شعر بأن الموقف ليس في صالحه وأن دعوة ذلك المؤمن دعوة تتميز بصفات أولاً الإشفاق والنصح والصدق وأيضاً المنطق ما يتكلم به ذلك المؤمن يتميز بهذه الصفات بأنه ناصح وصادق وأيضاً منطقي في كلامه لأنه يطلب منهم أن يستمعوا إلى هذا الحق وأن يروا ما فيه من الصواب وأن لا يعرضوا عنه مع ما فيه من النصح والشقفة. فماذا فعل فرعون عندئذٍ؟ اِحتال بحيلة فأراد أن يصرف ملأه والناس من ورائهم عن دعوة موسى يصرفهم عنها إلى أمر آخر غاية في البُعد وهي من الحيل التي يحتال بها أهل الضلال والفساد، ماذا قال؟ (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (37)) الآن فرعون أراد أن يُظهِر للناس أنه طالبُ للحق وأنه باحثٌ عن الحقيقة وأنه يهمه مصلحة الناس ولذلك هو سيجتهد في التأكد من صدق دعوة موسى يقول أنت يا موسى تزعم أن هناك إلهاً غيري وتقول إنه في السماء U إذاً سأبني أنا صرحاً وهو البناء الشاهق العالي برجاً عالياً سأبنيه وأصعد إلى السماء وأنظر هل يوجد هذا الإله الذي تزعمه أم لا؟ فإن وجدته أخبرتكم واتبعناه وإلا علمنا أنك كاذب. بهذه العقلية الدالة على الخداع وعلى تسفيه الناس وتسفيه عقولهم يمارس هذا الطاغية هذا الأسلوب. طبعًا سيبني صرحاً عظيماً بدل أن يناقش ما جاء به موسى، بدل أن يستمع، بدل أن ينظر إلى البينات والأدلة التي جاء بها، لا، سنبني صرحاً صرح عظيم والقصد منه إشغال الناس. سنبني هذا الصرح كم طول هذا الصرح؟ كم عرضه؟ كم حجمه؟ كيف سيُبنى؟ كم ارتفاعه؟ فيشغل الناس بهذا الأمر عن النظر في دعوة موسى. فبدل أن يتأملوا في هذه الدعوة وبدل أن يهتدوا لها ينتظرون حتى يصعد فيتأكد وانظر من الذي سيصعد؟ فرعون وليس أحد سواه! فهو الأمين الصادق الباحث عن الحقيقة فيُشغل الناس بهذا الصرح كم طوله؟ كم عرضه؟ ومن سينجزه؟ كيف ستكون هندسته؟ وما هذا البناء الشامخ؟ وهو نوع أيضاً من إستعراض القوة على الناس فيبني هذا الصرح. ومع ذلك يقول فرعون أنا سأخسر هذه الخسائر وأتكلف هذا التكلف كله مع أني موقن أن موسى كاذب ولذلك قال (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) والظن في اللغة من الأضداد يأتي الظن بمعنى اليقين. أصل الظن التردد بين أمرين وهو يأتي بمعنى اليقين ويأتي بمعنى الشك، فمن اليقين قوله U (فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) الصافات) وهذه الآية دالّة على اليقين يقول أنا متيقن أن موسى كاذب فيما يزعم لكنني من باب الأمانة والانصاف والعدل والتحري سأصعد إلى السماء وأتأكد (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) وانظروا هذا التعقيب الذي جاءت به الآيات على هذا العمل الذي عمله فرعون، قال الله U (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) تأملوا قول الله U (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) مثل هذا الضلال الذي وقع فيه، مثل هذا الإنحراف، مثله التزيين لفرعون سوء عمله فأصبح يرى عمله حسناً وأنا نحن خاصة ما نتابعه من الأحداث التي تقع في العالم نرى أفعالاً يفعلها بعض الناس غاية كل القلوب كل العقول كل الناس مؤمنهم وكافرهم برِّهم وفاجرهم يرون أنها غاية في القبح وغاية الشناعة وغاية في الظلم ومع ذلك ترى أصحابها يزينون لأنفسهم فعلها ويعتقد أنه حق وهذا معنى قول الله U (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ) فيراه عمله حسناً مثل قوله U (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا (8) فاطر) وهذه من أبعد صور الضلال لأن الإنسان قد يقع في الذنب ونفسه تلومه ثم درجة أعلى من ذلك يقع في الذنب وهو فرح به ثم يقع في الذنب وليس فقط يفرح به بل يرى أنه حق فيصل إلى درجة التزيين وهذا في الغالب أنه لا يُهدى ولا يوفّق للتوبة الذي وصل إلى مرحلة التزيين أن زُين له سوء عمله فرأه حسناً. قال الله U (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) ولا شك أنه إذا زُين له سوء عمله فقد صُدّ عن سبيل الحق. وقال U بعد ذلك (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) التباب الخُسران والهلاك، فرعون يكيد ويمكر لكن كيده في خسار وفي هلاك.

عندما رأى هذا المؤمن هذا التلاعب من فرعون وهذا الإحتيال والمكر والكيد إرتقى درجة أعلى في النصح وبعبارة أشد وأقوى وأوضح قال الله عنه (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) إذاً أنتم على أي سبيل هنا بهذه الصورة؟ لستم على سبيل الرشاد .(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)) فيصبح كلامه أكثر وضوحاً في الآيات السابقة هو يدعوهم إلى التفكر دون أن يحكم على أفعالهم وعلى ما هم عليه لكن هنا صرّح بأنهم على ضلال وأنه يدعوهم إلى أيّ شيء؟ إلى الرشاد وذلك في مواجهة كلام فرعون الذي تلاعب وخادع الناس ومكر بهم. فقال (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) أصل المتاع في اللغة ما يُنتفع به مدة ممتدة من الزمن يسمى ذلك متاعاً، كل ما يُنتفع به مدة ممتدة من الزمن طالت تلك المدة أو قصرت يسمى متاعاً ولا يكون متاعاً إلاإذا كان له مدة محددة وعليه فالدنيا كلها متاع، لِمَ؟ لأنها مهما كانت هي لها مدة تنتهي به والأزيال تسمى متاعاً، من صفة المتاع أنه لا يبقى ومن صفة المتاع أنه زائل ولهذا قال (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) صحيح أنتم في جنات ونهر في أنواع من النعيم والقوة لكنها متاع والمتاع سينتهي وفي مقابلها (وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) واقتصر فقط على قضية أنها دار قرار اقتصر على هذا المعنى ولم يذكر معه صفة أخرى لأن هذا من أهم النعيم أو ما يطلبه الإنسان في النعيم أن يكون دار قرار يقر فيه الإنسان ويسكن فيه ويطمئن ولا يزول عنه ولا يبارحه ولذلك تجدون كثيراً ما توصف الجنة والنار بأنها دار الخلد، خالدين فيها، والخلد المُكث الطويل. خَلَدَ في المكان أي مكث فيه فترات ومددًا طويلة لأنه كما تقدم أعظم ما ينغِّص على أهل النعيم نعيمهم أن هذا النعيم سيزول ولذلك دائماً توصف الجنة أن نعيمها باقي وأنها جنات عدن وأنهم خالدين فيها أبداً وأنهم لا يبغون عنها حولاً ولذلك ذكر من النعيم أن الموت يؤتى به على هيئة كبش فيُنحر بين الجنة والنار ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت فهذا أعظم النعيم على أصحاب النعيم وأعظم العذاب على أصحاب العذاب. الآية في قوله (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) هذه تشير إلى مبدأ المسؤولية الفردية في الجزاء أن من عمل سيئة سيجزى عليها، هذه واحدة، وهي تشير أيضاً إلى أمر آخر وهو المساواة في مبدأ التكليف والجزاء بين الرجل والمرأة ولهذا قال (مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ففي مبدأ التكليف ومبدأ الجزاء على التكليف الذكر والأنثى في ذلك سواء وإنما يتفاوتون بفضل أعمالهم لكن الآية دالة على أن الرجل والمرأة يستويان في أصل التكليف ويستويان في الجزاء، نعم الرجل كُلِّف بأمور قد يختص بها والمرأة كُلِّفت بتكاليف تختص بها وقد يشتركان في شيء من التكاليف لكن المقصود هو مبدأ المساواة في أصل التكليف.

ثم أيضاً يواصل كلامه لكن يزيد أيضاً في النصح والإرشاد فيقول لهم (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)) هذه أعلى، الآن أوضح لهم أنهم على ضلال وأنه يدعوهم إلى سبيل الرشاد وأن الذي هم عليه شرك وكفر بالله وضلال فأصبح الأمر عنده واضحاً لم يكن كما بدأ حديثه بل أوضح لهم ما هم فيه من الضلال وما هم فيه من الانحراف فقال (أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ(41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) الذي عزّ وقهر العباد ومع ذلك فهو الغفار فجمع بين الترغيب والترهيب. (لَا جَرَمَ) يعني لا شك ولا ريب (أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ) ليس له دعوة يعني ليس أهلاً أن يُدعى وأن يُلتجأ إليه لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة لعجزه لأنه عاجز عن أن ينفع أو عن أن يضر. (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) وتقدّم معنا أن الإسراف هو مجاوزة الحد وإسرافهم هنا بتكذيبهم وإعراضهم عن الحق أولئك (هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها.

وبعد أن أقام الحجة عليهم ونصحهم وصدقهم في النصيحة والموعظة والذكرى على نحو يعني خاطَرَ بنفسه من أجل ذلك قال لهم (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) قد نصحتكم غاية النصح وبيّنت لكم غاية البيان وستذكرون ما أقول لكم يعني صِدق ما أقول لكم، (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) لأنه يعلم أنه قد نازع فرعون في دعواه كلها فوصفه بمقتضى كلامه وصفه بالضلال بالانحراف بالشرك وهذه لن يرضاها فرعون فلا يدري ما الذي سيأتيه بعد ذلك لذلك قال (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) يعني أعتصم وألتجئ إلى الله U وأفوض أمري إليه فهو U البصير بالعباد العليم بهم. ولهذا قال الله U (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) فوقاه الله سيئات ما مكروا يعني فوقاه الله السيئ من مكرهم وحاق بمعنى حلّ ونزل (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) يعني أشد العذاب ما هو هذا العذاب؟ (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) آل فرعون يعني فرعون ومن تبعه من الملأ، كل من تابعه على ما هو عليه فهم منه ولذلك قال الله U قد لا يكون هؤلاء فعلوا ما فعله فرعون لكنهم وافقوه على فعله ولهذا ذمّ الله U قوم فرعون ولذلك قال الله U (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) الزخرف) فوصفهم الله بالفسق لمَ؟ لأنهم عاونوا الظالم على ظلمه وتابعوه على ظلمه ولم ينكروا عليه ويزجروه أو يردعوه أو على الأقل يتخلوا عنه بل مالأوه على الظلم وكثيراً الطاغية لماذا يطغى؟! لأن الناس هم الذين يُطغونه، الحقيقة الناس هم الذين يطغونه، ضعفهم وخورهم وجبنهم هو الذي يجعل الطاغية يطغى ويجعله يتكبر ولذلك الله U ما عذرهم بل ذمهم على متابعتهم لفرعون فقال (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) الزخرف) فأغرقه الله وأغرق قومه وأدخلهم النار كما ستوضّح ذلك الآيات. قال (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) قوله (يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) الغدو أول النهار والعشي آخر النهار فمعناه يعرضون عليها في أول اليوم وفي آخر اليوم. وهذه الآية قد وقع بين أهل العلم خلاف في معنى العرض هنا فمنهم من قال إن العرض هو في الآخرة وهو نوع العذاب الذي يُعذّبون به وقال بعض أهل العلم أن هذا العرض هنا في القبور في قبورهم يُعرضون على النار غدواً وعشياً وهذا من أشد التعذيب لهم أن يُعرض لهم مقعدهم في النار يقول هذا إذا قامت القيامة هذا هو موضعك في النار وهذا هو مقعدك فيها وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه الآية هو ظاهر الآية لأنه لو كان فعل العذاب لقال يُعذّبون وما قال يُعرضون لأن العرض غير العذاب وتشهد له النصوص الأخرى التي دلّت على أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. وبهذه الآية يستدل بعض السلف على عذاب القبر وأن في القبر حياة برزخية خاصة ليست كحياة أهل الدنيا لأن الله أثبت أنهم يُعرضون عليها غدواً وعشياً ولذلك قال بعد ذلك (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) أشد أنواع العذاب يُدخل له آل فرعون. وبهذا تنتهي قصة مؤمن آل فرعون وهي الحقيقة دالة على معانٍ كثيرة وفوائد جمّة وهي فيها ثناءٌ عظيم على هذا المؤمن وتخليدٌ لذكره. ونختم بالإشارة إلى أن عليّ بن أبي طالب t وهو يذكر فضل أبي بكر الصديق وتقدّمه ونُصرته للنبي e وقد أشرنا في أول كلامنا عن هذه السورة إلى موقف أبي بكر حينما قام مدافعاً عن النبي e بعد موت عمه أبي طالب. يذكر علي بن أبي طالب فضائل أبي بكر الصديق t فيقول ذاك مؤمن كان يكتم إيمانه وأثنى الله عليه هذا الثناء العظيم في هذه السورة قال فكيف بمؤمن لم يكتم إيمانه؟ يعني به أبو بكر الصديق لأنه قام فدافع عن النبي e ونصره بنفسه وماله وأهله ولذلك لا يوجد أحد من الصحابة يبلغ منزلة أبي بكر الصديق t بإجماع أهل العلم حتى عليّ بن أبي طالب t يرى له هذا الفضل وتلك المنزلة.

بعد أن ذكر الله U خبر مؤمن آل فرعون وخبر فرعون وقومه انتقلت الآيات إلى اليوم الآخر يوم يعرضون على النار قد أخبر الله U أنهم يعرضون على النار فماذا مصيرهم إذا عرضوا ودخلوا النار؟ قال الله U (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)) هذه صورة تعطي شيئاً من حال أولئك المكذبين، من حال الملأ الكافر، من حال الرؤساء المُضلّين الكُبراء حالهم يوم القيامة مع أتباعهم والجدال الذي يحصل بينهم، قال (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء) المقصود بالضعفاء المستضعفين من الكفار الذين تابعوا رؤساءهم فعطلوا فكرهم وعطلوا نظرهم وأسلموا قيادهم لهؤلاء الكفار للرؤساء (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) يعني في الدنيا نتابعكم وصدقنا كلامكم وموعودكم (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ) النصيب الجزء والحظّ يعني قالوا ولو نصيب من النار أيّ نصيب ولذلك قال (نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ) فجاء بصيغة النكرة الدالة على التقليل أيّ شيء من النار فقط في مقابل تلك الوعود في مقابل ذلك الضلال الذي فعلتموه ولو نصيباً من النار. (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) نحن وأنتم في هذه النار وقد حكم الله بين العباد، حكم لأهل الجنة بالجنة ولأهل النار بالنار لا نستطيع أن نتحمل عنكم حتى لو أردنا - وهم قطعاً لا يريدون ذلك - لأن الله قد حكم بين العباد. فلما يئسوا وتبرأ بعضهم من بعضهم وأعظم من ذلك ما جاء في براءة إبليس من الخَلْق جميعاً خطبة إبليس التي سيخطبها في النار (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم (22) إبراهيم) وهو صادق جاءتكم دعوة لله وجاءتكم دعوتي فتركتم دعوة الله واتبعتم دعوتي (مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ) بمغيثكم (وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) يعني بمغيثيّ وناصريّ. فلما يئس الكفار من بعضهم ومع شدة العذاب توجهوا إلى خَزَنة جهنم والمراد بخزنة جهنم الملائكة القائمين على النار يحفظونها (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ) قد يئسوا من الخروج لأنهم سألوا الخروج فلم يُجابوا إليه فتمنّوا أن يُخفّف عنهم فقط يوماً من العذاب يرتاحون فيه، هل قيل لهم نعم أو لا؟ لم يأت هذا الجواب لأنهم لا يستحقون الإجابة أصلاً بل لُفِتَ نظرهم إلى سبب دخولهم النار وهذا على ما تقدم ذكرناه في أول الدرس أن ذلك من باب التبكيت سألتهم الملائكة (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا) استمروا في دعائكم، استمروا في طلبكم (وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) أنتم الذين تركتم الحق وأعرضتم عنه فهذا مصيركم وهذا جزاؤكم (وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ) يعني استغاثتهم وطلبهم وسؤالهم (إِلَّا فِي ضَلَالٍ) يعني ضائع ذاهب لا أثر له ولا فائدة.

 

ثم قال U بعد ذلك (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)) هذا التعقيب يأتي بعد ذكر مصير أهل النار وبعد دخولهم النار ليبيّن U أن ذلك هو نصرٌ للمؤمنين فقال U (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا) وهذه الآية مليئة بالمؤكِّدات فذِكر (إنّا) مع المُعظِّم نفسه ودخول اللام (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) كل هذه مؤكدات دالة على أن الله U وعد عباده بنصر رسله ونصر أتباعه (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) الصافات) فوعد الله U بنصر المؤمنين الرسل وأتباعهم فقال (وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) يعني اعتذارهم (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) إذاً وعد الله U المؤمنين بنصرهم وبنصر رسله (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) أما يوم يقوم الأشهاد يوم القيامة فهذا واضح لأن الله يُدخل المكذبين النار ويدخل المؤمنين الجنة وذلك غاية النصر والفوز والفلاح. لكن النصر في الدنيا كيف يكون وهناك من الأنبياء من قُتِل وهناك من الأنبياء من أوذي وهناك من المؤمنين من قُتِل وضُيِّق عليه وحورب؟ وفي تاريخ المسلمين هزائم كثيرة هزموا من أعدائهم ولهذا وقع إشكال عند بعض المفسرين في فهم معنى النصر فقال بعضهم إن النصر جاء هنا بلفظ العموم وأريد به البعض دون البعض يعني إنا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا يعني بعضهم فيُنصر بعض ولا يُنصر بعض لكن هذا الأمر يُشكل عليه قوله (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ففي الآخرة كل أهل العلم يتفق على أنها كل أهل الإيمان منصورن فكيف تجعل النصر وتفرق فتقول في الدنيا بعضهم وفي الآخرة كلهم مع أن الآية ليس فيها هذا التفريق؟ سبب هذ القول فهم حقيقة النصر قد يكون النصر نصراً حسياً وقد يكون نصراً معنوياً فأما النصر الحسي فهو الظهور والغلبة على الأعداء بأن يظهر الدين وأن يُتمّ وأن يُغلب الأعداء هذا نصر حسي وأما النصر المعنوي فهو ظهور الحق والعلو على أهل الباطل فيه واستبانته وظهور معالمه ومعرفة الناس أن هذا حق وهذا ضلال عندئذ يكون هذا نوع من أنواع النصر. فقد يكون النصر حسياً وقد يكون معنوياً وكل منهما نصر وأحدهما لم يخلو منه نبي أو رسولأو مؤمن لأننا إما أن نُنصر حسياً في ساحة الوغى أو ننصر بأن يظهر الحق الذي معنا لأننا معنا الحق ومهما جادلنا الناس وأرادوا الصدّ فإنهم لا يستطيعون لأن الحق أبلج والباطل لَجْلَج.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل