تفسير سورة الصافات - المجلس الثالث- د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة

تفسير سورة الصافات - المجلس الثالث

د. عبد الرحمن الشهري - دورة الأترجة القرآنية

(وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ﴿٧٨﴾ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴿٧٩﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴿٨٢﴾)

(وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُون) استغاث بنا نوح عندما كذّبه قومه فكنّا نعم المجيبين لاستغاثته وطبعاً هنا القصة مختصرة قصة نوح وقد فصّلها الله تعالى في سورة الأعراف وفي سورة هود وقد مرت معنا وفصّلها في سورة نوح وسوف تأتي وفي العنكبوت ذكر الله تعالى آية واحدة فقط (َلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت) لاحظوا معي كيف تكون قصة نوح u مثبتة للنبي e جداً. الرسول e بقي في مكة 13 سنة وسورة الصافات نزلت عليه قبل الهجرة بفترة، بضع سنوات أنت مقارنة بنوح u الذي بقي 950 سنة وأنت تبقى تسع أو ثمان سنوات فهذا يثبّت النبي e بشكل كبير جداً يعني النبى e لما يرى نوح عليه السلام يبقى 950 سنة وأنا فقط تسع سنوات فيصبر عليه الصلاة والسلام، فانظر كيف يثبت الإنسان بمثل هذه القصص. (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) بدأ القصة هنا في سورة الصافات بإنقاذ نوح لم يبدأ بقصة إرساله، فيقول يا محمد اطمئن نوح بقى هذه المدة الطويلة فذكر الله في أول القصة قصة نجاة نوح وانتصاره على قومه المكذبين (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴿٧٨﴾ سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴿٧٩﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴿٨٢﴾ ذكر فقط هذا المقطع، مقطع إنقاذ نوح وانتصار الله له من هؤلاء المكذّبين، لم يذكر بناء السفينة سبق أنها وردت في سور سابقة والقرآن الكريم يذكر القصة الواحدة خاصة في قصص بعض الأنبياء مثل موسى وعيسى وإبراهيم ونوح يكررها في مواضع كثيرة فيذكر هنا طرف وهنا طرف عندما تجمع هذه الآيات مع بعض تكتمل لك القصة، ثم يورد من القصة في كل موضع ما يناسبه فهنا يذكر نصرة الله I لأنبيائه وسرعة استجابته ونجدته فناسب أن يذكر لنا هذا الجزء من القصة وهى قصة إنقاذ نوح وإغراق البقية. ثم يقول I ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَه﴾ ألم يغرق الله سبحانه وتعالى زوجة نوح وولده؟! معناها أن الأهل إذا أُطلِق المقصود به الأهل الأقربين فيمكن أن نقول ونجيناه وأهله المؤمنين ويستثنى من لم ينجو من أهله، وقد ويقال أن المقصود بالأهل هم أتباعه المؤمنون وإن كان هذا ليس هو المعنى الظاهر المتبادر للأهل لأن الأهل ورد في القرآن الكريم المقصود به الزوجة والأبناء ولذلك نوح نفسه قال (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) هود). ووصف الله ما وقع لقوم نوح من العذاب أنه كرب عظيم عندما نجى الله تعالى نوحاً من الغرق (﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ الله I إكراماً لنوح عليه السلام جعل نسل البشرية من نوح فقط ولذلك نوح عندما ركب في السفينة ومن معه لم يتناسل إلا نوح فقط وأما الذين معه على السفينة لم يُرزقوا بذرية تستمر ولذلك يقال آدم أبو البشرية الأول ونوح أبو البشرية الثاني لأن نسل البشرية بعد نوح كلهم من أبنائه. قال الله I (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴿٧٨﴾ جعلنا له ذكراً حسناً في أمته والأمم التى بعده فلا توجد أمة من الأمم إلا وتثني على نوح اليهود والنصارى والمسلمين لا توجد أمة من الأمم تعادي نوح عليه السلام ولا ابراهيم u أيضاً. (سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) هذه آية مبشرة لأنها تفتح الباب لكل من كان على نفس منهج نوح  u بأنه سوف يكون جزاؤه مثل جزاء نوح ومن معه إذا سارعلى نفس المنهج (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴿٨٢﴾ هذه الآيات في قصة نوح ظاهرة الفوائد فلا نتوقف عندها.

ننتقل إلى القصة التي بعدها وهي قصة ابراهيم عليه الصلاة والسلام والله I يختار من قصص هؤلاء الأنبياء ما يناسب جو هذه السورة في إثبات النبوة وفي إثبات التوحيد وتقرير البعث والجزاء بعد الموت. ثم يقول الله سبحانه وتعالى (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾) يعني وإن من أمثاله وأتباعه على دينه ابراهيم عليه الصلاة والسلام يعني من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام والشيعة هم الأنصار والأتباع والذين يشايعونك على رأيك (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾) إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبو الأنبياء إبراهيم ابن آزر كما ذكر الله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ (74) الأنعام) ولا تلتفتوا إلى بعض من يقول أنه إبراهيم ابن تارخ وآزر عمه والصحيح أن آزر هو أبو إبراهيم بنص القرآن الكريم وبنص السنة أيضاً في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح يقول أن إبراهيم يقول لأبيه آزر كذا وكذا. (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾) يصف الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صاحب قلب سليم والعلماء يقولون سليم من الشرك وإبراهيم عليه الصلاة والسلام ظهرت في قصته وفي سيرته قضية التوحيد بشكل كبير جدا إمام الموحدين عليه الصلاة والسلام في كل تصرفاته والمواقف التي ستأتي معنا إشارة إلى توحيده وكمال توحيده عليه الصلاة والسلام إمام الموحدين. (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿٨٥﴾ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّـهِ تُرِيدُونَ ﴿٨٦﴾ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يعني يلومهم ويعاتبهم على عبادة هذه الأصنام وأنها إفك والإفك هو الكذب المفترى المختلق فيقول أنكم تعبدون هذه الأصنام افتراء على الله (فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ماذا تتوقعون أن يفعل الله بكم إذا جئتم إليه يوم القيامة وأنتم تشركون به هذه الأصنام؟! وهذا سؤال استنكاري عليهم أنهم يعبدون أصناماً لا تنفع ولا تضر وقد تقدم في سورة الأنبياء تفصيل الحديث عن صفة هذه الأصنام وكيف فعل بها إبراهيم. ثم قال الله (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ﴿٨٨﴾ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾) إبراهيم عليه الصلاة والسلام حاور قومه في هذه الأصنام وحاور والده وبعد أن فشلت كل المحاورات قرر إبراهيم أن يحطم هذه الأصنام متى يحطمها؟ إنتظر حتى جاء يوم العيد كلهم يخرجون يحتفلون خارج القرية فلما جاء هذا الموعد قال أنا مريض (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ﴿٨٨﴾ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴿٩٠﴾) تركوه قالوا ما دام مريضاً أُتركوه. وقولهم (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ﴿٨٨﴾) بعض المفسرين يقولون كأنه نظر في النجوم على هيأتهم وهم أهل نجوم وأهل تنجيم وكواكب فقال أنا نظرت في النجوم فتبين لي أن لو خرجت سأصاب بمصيبة فقالوا جيد، ما دام هو يؤمن بهذه النجوم هذه فرصة اتركوه. الفكرة أن هذه خطة من ابراهيم عليه السلام ولذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث كذبات والبخاري رحمه الله في صحيح له باب يقول "باب في المعاريض مندوحة عن الكذب" وذكر قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقال أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات المقصود بها أنه عرّض ثلاث تعريضات (فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾) أي قلبي مريض من هذا الذي يراه من هذه الأصنام وقال يوماً حين قيل له من كسر هذه الأصنام؟ قال كبيرهم هذا، وعندما سئل عن سارة عليها السلام زوجته قال هي أختي فهذه ثلاثة مواقف. فإبراهيم عليه السلام لما تولوا مدبرين (فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٩١﴾) يقولون جاء ابراهيم عليه الصلاة والسلام إلى المعبد الذي فيه الأصنام فوجد قومه قد أتوا بشيء من الطعام إلى الأصنام قالوا نحن نخرج ونترك الطعام عند الطعام حتى يتبارك الطعام فإذا جئنا نأخذ الطعام ونأكل تكون حلت فيه البركة فلما جاء ابراهيم وجد الطعام عند الأصنام فيسخر ويقول ألا تأكلون! كلوا! يخاطب الأصنام (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ﴿٩٢﴾ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) تلاحظون أن معنى هذه الآية عندما يقول للأصنام ألا تأكلون! ما لكم لا تنطقون! إشارة أن من كمال الإله I أنه ينطق ويتكلم ولذلك الذين ينكرون صفة الكلام لله I يشبهونه بالجمادات ونحن نثبت أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء كيف شاء متى شاء وأن هذا القرآن كلام الله. (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴿٩٣﴾) لاحظوا أنه هنا يقول ضرباً باليمين وتذكرون في السورة (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) فالعرب تعبر بهذا وتقصد به هذا المعنى فقد يكون ضربهم باليدين معاً وليس باليمين فقط لكنهم إذا أرادوا أن يشيروا إلى القوة والشجاعة أشاروا إليها باليمين كما قال الشاعر الشمّاخ ابن غرار الغطفاني

إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ          تلقّاها عَرابةُ باليمين

قال (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴿٩٤﴾) حطّم الأصنام كلها إلا كبيراً لهم ترك فيه الفأس، فلما جاؤوا إليه يزفّون، يزفون أي يهرولون ويجرون ما هذا الذي حدث؟! انتشر الخبر الأصنام كلها محطمة ما بقي إلا واحداً نحن ننظر لها الآن نظرة سخرية هؤلاء مجانين يعبدون الأصنام لكن بالنسبة لهم هذه مصيبة كبيرة لا تغتفر! هذه آلهتهم فلما جاءوا إليها فوجدوها محطمة ومدمرة وسألوا طبعاً (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) الأنبياء) إلى آخر القصة فلذلك قال الله سبحانه وتعالى هنا (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴿٩٤﴾ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّـهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾) الله خلقكم وخلقها أيضاً (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾) ولاحظوا هنا ما ذكر الله التفاصيل التي في سورة الأنبياء، الحوار الطويل اختصره الله وذكر مباشرة العقاب الذي قرروا أنهم يعاقبونه به بعد أن فشلت المحاورات والمناظرات (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) أوقدوا ناراً عظيمة لكن هذه النار العظيمة صعب جداً أن يلقوا فيها ابراهيم من مكان قريب ولذلك قرروا أن يبنون مبنى ضخماً جداً ويملؤنه بالحطب وكانوا يتقربون إلى الله فالمسألة أخذت وقت هذا مشروع كبير بنوا هذا المبنى ثم أخذوا يجلبون الحطب حتى يقال أن المرأة كانت إذا مرضت تنذر لله إذا شفاها الله أنها تحتطب وتضعه في هذا النار، مما يدل على أنها أخذت وقتاً حتى جمعوا الحطب واستوى المشروع وانتهى. ويقال في بعض الروايات أنهم رموه بالمنجنيق لكن حتى هم لما بنوا المبنى ممكن يلقوه من فوق المبنى وفعلاً جيء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذا المشهد العظيم وقد اجتمع أهل القرية كلهم وأهل المنطقة وأوقدوا ناراً عظيمة لو تقرأون بعض كتب التفسير يذكرون أن هذه النار كانت تحرق الطير في الجو يمر فيسقط في النار من شدتها، ألقوا ابراهيم في هذه النار العظيمة وتأكدوا أن موضوع إبراهيم انتهى لن تقوم له قائمة وفعلاً أُلقي ابراهيم عليه الصلاة والسلام في النار لكن الله سبحانه وتعالى كما قال (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴿٩٨﴾) كانوا متأكدين أن الموضوع لصالحهم وأنهم سيحرقونه حتى يصبح عبرة لكل من تسول له نفسه أن يدعو إلى مثل ما دعى إليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام. في ذلك الوقت لم يكن أحد آمن بإبراهيم u بالرغم مما بذل وناضل! فلما ألقي في النار أمر الله جبريل وأمر الله النار حتى قيل في الرواية أن جبريل قال لإبراهيم قبل أن يلقى في النار هل لك إليّ حاجة؟ قال أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم، لا شك أن إبراهيم كان موحداً خالص التوحيد في كل مواقفه التى ذكرها الله عنه كان موحداً بكل معنى الكلمة. قال الله تعالى (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) لأنبياء) انتهى الموضوع وقد تقدم معنا (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (40) النحل) لا شك أنه شيء مذهل جداً جداً أن يخرج إبراهيم من هذه النار العظيمة لا شيء فيه، أصابهم بالذهول ولم يستطيعوا أن يصنعوا له أي شيء وكفاه الله شرهم ولذلك بعد أن خرج من النار أُسقِط في أيديهم ورأى هو أوحى الله إليه أنه لا خير في هؤلاء آمن له لوط ابن أخيه وزوجته سارة فخرج مهاجراً. إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يعيش في العراق قبل أن يهاجر فهاجر من نينوى وهي الآن يسمونها محافظة صلاح الدين أو الأنبار الآن في جنوب العراق واتجه إلى بيت المقدس إلى بلاد الشام (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٩٩﴾) هذه الهجرة وهذا فيه إشارة للنبي e أنك سوف تهاجر كما هاجر إبراهيم (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠٠﴾ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) لما خرج إبراهيم عليه السلام من العراق واتجه إلى بيت المقدس دعا الله I أن يهبه الولد وكان عمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما رُزق بابنه إسماعيل 86 سنة وهذا هو أول غلام يبشَّر به لأنه لم ينجب من سارة فلما سافر إلى مصر أهديت إليه هاجر أم إسماعيل فأنجبت له إسماعيل فغارت سارة من هاجر فأمره الله سبحانه وتعالى فأخذ هاجر وابنه إسماعيل وذهب بهم إلى مكة في القصة المعروفة. هذه البشارة هي بإسماعيل لأن هذا أول واحد يبشر به قال (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) وصفه بأنه حليم والذي وصف بأنه حليم في القرآن الكريم من أبناء إبراهيم هو إسماعيل. فقال الله I (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) وذكر الله سبحانه وتعالى قصة ابراهيم عليه السلام مع ابنائه هنا بشيء من التفصيل في موضوع الذبيح وهو ما يسمونه بقصة الذبيح ولم يذكر الله تعالى هذه القصة إلا في هذا الموضوع من سورة الصافات قال (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ). (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) فلما كبر هذا الابن وأصبح يمشى معه ويجرى ويشتغل ويستطيع أن يكدح مع والده رأى ابراهيم عليه الصلاة والسلام في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل وتكررت عليه الرؤيا عدة مرات فقال (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ  قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) الابن مؤمن ويعرف أن ما يراه والده في النوم وحي ورؤيا الأنبياء حقّ بدلالة هذه الآيات. (فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ) ابراهيم عليه الصلاة والسلام عندما يستشير ابنه إسماعيل في هذا هم كلاهما منقاد لأمر الله سبحانه وتعالى ولكن يعرض عليه (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) لم يقل له إفعل ما رأيت وإنما إفعل ما تؤمر لأنه علم أن ما رآه في المنام وحي (سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) فوصف إسماعيل في هذا المقطع بصفتين الحلم والصبر، والموقف الذى وقع فيه إبراهيم مع إسماعيل الموقف يستلزم الصبر والحلم، واحد يقول أنا رأيت أني أذبحك! فلأنه مؤمن يعرف أنه وحي لا بد أن يتحلى بالصبر وأن يتحلى بالحلم. هناك من المفسرين من يقول أن المقصود بالذبيح هنا أنه إسحق إبن إبراهيم ومنهم ابن جرير الطبري وعدد من المفسرين وكثير من المفسرين يرون أنه إسماعيل وهذا الصحيح لأسباب أولاً لأنه ابنه الأكبر والابتلاء بذبح ابنك الوحيد ليس كالابتلاء بذبح الابن الثاني، الأمر الثاني أنه في بعض الروايات التي في الإسرئيليات يأمره بذبح بكره والبكر هو اسماعيل بالإجماع وفي رواية بذبح ابنك وحيدك أيضاً هو إسماعيل وإسماعيل قد ولد قبل إسحق بما يقارب ثلاثة عشر سنة لأنه ولد إسماعيل لإبراهيم وعمره 86 سنة وولد إسحق وعمره 99 سنة فبينهم 13 أو 14 سنة ثم أنه في الآيات التى معنا هنا في هذه السورة أنه قال (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠٠﴾ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴿101﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ  قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿102﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾) فلما أسلم إبراهيم وابنه إسماعيل وانقادا لأمر الله قام إبراهيم بأخذ ابنه وألقاه على وجهه تله على الجبين يعني ألقاه على وجهه حتى لا يرى وجهه وهو يذبحه (وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا  إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إبتلاء من الله سبحانه وتعالى لإبراهيم. فرأى يا ابراهيم جلست ست وثمانين سنة ما عندك أولاد ثم رزقتك بابنك إسماعيل طبعاً لا شك أنه عندما يرزق الرجل بابن في هذه المرحلة من الحياة يتعلق قلبه بهذا الإبن بشكل كبير فأراد الله أن يختبر قلب إبراهيم ومحبته ويرى هل محبة الله في قلبك أعظم أو محبة هذا الولد الذي جاءك على كبر؟ فلما انقاد وقرر أن يذبح ابنه علم الله أنه موحِّد وهذه من المواقف العظيمة في قصة إبراهيم التي تثبت أنه موحد قال (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾) يقولون التفت ابراهيم فإذا بكبش ينزل عليه من الجبل فأخذه وذبحه. ما زلنا نتحدث عن الذبيح ابتلاه الله أمره بالذبح.

قلنا أن البشارة هنا في سورة الصافات ذكر الله Iبشارتين فقال (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠٠﴾ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴿101﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴿١٠2﴾) إلى آخر القصة وقال (وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴿١٠٨﴾ سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴿١٠٩﴾ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١١﴾ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٢﴾) الذين يقولون إنه إسماعيل يقولون بشّره الله بإسماعيل لأنه هو أول واحد من أبنائه وهو الوحيد ثم ابتلاه بذبحه فنجح في الاختبار لأن الابتلاء به أعظم لأنه ابنه الكبير والوحيد والابتلاء به أعظم فلما نجح بهذا الاختبار كافأه فبشره بابنه الثاني من سارة قال (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٢﴾) وهذا هو القول الصحيح لأن إسماعيل عليه السلام عاش في مكة ولذلك الآن الأضحية شرعت أول ما شرعت في مكة على يد إبراهيم عليه لاسلام عندما ذبح هذا الكبش ويذكر ابن عباس يقول: جاء الإسلام ورأس الكبش معلق في الكعبة يتوارثه قريش كابر عن كابر رأس الكبش الذي ذبحه إبراهيم يتوارثونه من عهد جدهم فلما جاء الإسلام وفتح النبي e مكة قال لابن أبي شيبة وهم سدنة الكعبة قال غطي رأسه خمِّر رأسه حتى لا يُشغل الناس في الصلاة، ثم يبس واختفى بعد ذلك وضاع مع ما ضاع. الذين يقولون أنه إسحق هو قول مرجوح واليهود يحسدون بني إسماعيل على هذا الشرف أولاً يرون أن إسحق ابن سارة وهي الحرة وإسماعيل ابن الأمة وهي هاجر فيعيروننا بهذا يقولون أنتم أبناء الأمة ونحن أبناء الحرّة! ثم لما رأوا هذا الشرف العظيم الذي ذهب به إسماعيل لأنه استجاب لأمر الله وكاد أن تزهق روحه ففداه الله بهذا الذبح وأصبح شعيرة، فحرّفوا التوراة وحرّفوا كل الأدلة التي تدل على أنه إسماعيل وحولّوها على إسحق، كل ما حصّلوا أي معلم من المعالم غيروه ولذلك يقول الشيخ عبد الحميد الفراهي لفته جميلة -وأنا لا أريد أن أطيل في هذه النقطة ومن أراد أن يقرأ في هذه المسألة دراسة مفصلة فليقرأ كتاب قيم جداً اسمه الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح للشيخ عبد الحميد الفراهي هذا أجود كتاب قرأته في هذا الموضوع- قال هذا من الموضوعات الخطيرة  وهو من أكثر الموضوعات التى حرفها اليهود في التوراة لأنهم يعلمون أن الشرف في هذه القصة سيذهب لإسماعيل وأبنائه فهم يريدون أن يذهب لإسحاق جدّهم وإسحق عاش في أرض كنعان في فلسطين واسماعيل عاش في الحجاز. فذكر الله سبحانه وتعالى في التوراة أن هذه القصة وقعت على جبل المروة وهي من المناطق التي في مكة فذكر الله في سورة البقرة هذه من المعاني اللطيفة التى ذكرها الفراهي قال الله I قال (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) يقول المروة موجودة في التوراة لكنهم يحرفون كلمة المروة حتى لا يذهب ذهن من يقرأها إلى إسماعيل قال المروة ما هي موجودة إلا في مكة يحاولون أن يغيرون معالمها يقول لعل هذا من مناسبات بعد الآية التي ذكر فيها الصفا والمروة ذكر الآية التي تدل على كتمان اليهود للحق فقال (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) البقرة) لأن قصة الذبيح من أشد القصص التي وقع فيها التحريف من قِبَل بني إسرائيل لأنهم يحسدون بني إسماعيل على هذا الشرف. نعود فنلخص نقول أن الصحيح أن الذي أُمر إبراهيم بذبحه هو إسماعيل لأنه هو ابنه الأكبر وهو الوحيد وهو البكر وأن الإبتلاء به أعظم وأن نجاح إبراهيم في هذا الإبتلاء جعل الله يكافئه بابنه الآخر من سارة التي هي زوجته الأولى ولكن جاءها الإبن على كِبر وقد بُشِّر إبراهيم بإسحق في موضع آخر في سورة الذاريات وفي سورة هود وبشرناه بغلام عليم ولم يصف إسحاق بأنه حليم ولا صبور وإنما وصفه بأنه عليم ولكنه وصف إسماعيل بأنه صابر وصادق الوعد وحليم. يقال أنه لا يمكن أن يكون إسحق هو الذبيح لأن الله بشر بابنه وابن ابنه فقال (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) هود) ويعقوب لم يولد لإسحاق إلا بعد وفاة جدّه إبراهيم. هذا حديث ضعيف قول النبي e "أنا ابن الذبيحين" غير صحيح ولو كان صحيحاً ولكان حاسماً في القضية ولانتهى الأمر ولا يوجد دليل واضح وحاسم في مسألة الذبيح هل هو إسحق أو اسماعيل إلا ما ذكرت لكم من استنباطات يستنبطها العلماء ولو كان هذا الحديث صحيحاً لكان واضحاً وقاطعاً في المسألة. ثم يقول الله I (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) أي تركنا له ذكراً حسناً في الآخرين فإبراهيم عليه الصلاة والسلام يتولاه اليهود والنصارى والمسلمون كلهم يعتبرونه نبياً وجداً لهم لأنه جدٌ وأبٌ لكل الأنبياء الذين أرسلوا لبني إسرائيل وإلى العرب. ولاحظوا في قوله تعالى هنا (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولاحظوا ما قلناه قبل قليل في قوله I (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) كيف يصف الله I خُلّص المؤمنين بالعباد، حتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١١﴾ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) الذين يقولون أنه إسحق يقولون البشارة الأولى بولادته والبشارة الثانية بنبوته حتى يخرجوا من هذا التكرار وظاهر القرآن يدل على أنه إسماعيل ولا تكرار في الأمر. (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ) يعني من ذرية إسحق ومن ذرية إسماعيل كلاهما من ذريته محسن وظالم لنفسه مبين كسائر أبناء الأنبياء المتقدمين فإن منهم المُحسِن ومنهم المسيء لذلك من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبو لهب وأبو طالب وقريش كلهم يرجعون إليه، ينتسبون إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكن كان منهم المؤمن المصدِّق مثل أبو بكر الصديق، مثل علي بن أبى طالب، مثل الصحابة الكرام رضي الله عنهم ومنهم المكذب مثل أبو جهل وأبو لهب وأُبيّ بن خلف كلهم من ذرية إبراهيم ولكنهم ظَلَمة، ظلموا أنفسهم وكفروا. يمكن أن نستنبط من هذه الآيات التي مرت معنا في قصة إبراهيم عليه السلام فوائد منها:

Ø   أن الخبيث والطيب لا يجري على العِرْق، فقد يلِد الرجلُ البرّ الرجلَ الفاجر وقد يلِد الرجلُ الفاجر الإبنَ البرّ فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ولِد لأبٍ كافر وولِد لإبراهيم نفسه أبناء كفار من ذريته بعد ذلك.

Ø   من الفوائد أيضاً أنه لا يقال أن أمر إبراهيم بذبح ولده معصية والمعصية لا تجوز وإنما هذا ابتلاء من الله I يبتلي به من يشاء.

Ø   ومن فوائد هذه الآيات أن الأضحية سُنّة ومعروفٌ عند جمهور الفقهاء على المقيم إقتداءً بإبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما ذبح هذا الكبش فداء لإسماعيل عليه الصلاة والسلام .هذه الأضحية تذكرنا بهذه القصة دائماً، كل واحد منا يذبح أضحيته يوم عيد الأضحى ترى أول من سنّ هذه السنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وينطبق عليه قول النبي e من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ولذلك اليهود الآن ليس لديهم مثل هذه السُنّة الأضحية لو كان الذبيح هو إسحق كانوا توارثوها لكن الدليل على أنه إسماعيل أننا نحن الذين توارثنا هذه السُنّة وهي الأضحية

Ø   ومن فوائد الآيات أن رؤيا الأنبياء وحي فإبراهيم لما رأى في المنام أنه يذبح إسماعيل نفّذ وقال له ابنه (يا أبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) فاعتبر الرؤيا أمراً من الله I.

Ø   ومن فوائد هذه الآيات أن الله I قد اتّخذ ابراهيم خليلاً بعد هذه القصة لأنه تبيّن له بعد هذا الابتلاء أن إبراهيم ليس في قلبه أحد إلا الله I حتى ابنه إسماعيل الذي جاءه على كبر إستجاب إبراهيم لأمر الله له مباشرة بذبحه مع أنه ما جاءه إلا بعد عمر طويل.

 

Ø   ومن فوائد هذه القصة سبب تسمية الأيام بالتروية وعرفة والنحر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما رأى في المنام أن يذبح ابنه روّى في نفسه أي فكّر كما يقول بعض المفسرين فقالوا التروية مأخوذة من التروّي لأن إبراهيم تروّى في هذا الحلم حتى تكرر عليه مرة ومرتين وثلاث فسمي يوم التروية. وبعضهم يرى أنه يوم التروية لأن الحُجاج يروون فيه من الماء إستعداداً ليوم عرفة. وهناك مسألة فقهية تتعلق بأصول الفقة دائماً يذكرونها في كتب أصول الفقة وهي مسألة النسخ قبل التمكن من الفعل، النسخ حكم من الأحكام الشرعية وهو أن الله I يأمر بأمر ثم يأتي أمر بعده يرفعه يغيّره أو يعدله فالأصوليون يسألون هل يجوز أن الله I يأمرنا بأمر ثم يرفع هذا الأمر ويأتي بأمر آخر قبل أن نتمكن من الفعل؟! قالوا نعم، مثل قصة إبراهيم هنا ألم يأمر الله إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل؟ قلنا بلى، هل استطاع أن يذبح إسماعيل؟ قلنا لا، لأنه قبل أن يتمكن من الفعل فداه بذبح عظيم فنسخ هذا الأمر قبل أن يتمكن إبراهيم من فعله. وهذه مسألة نسخ الفعل قبل التمكن من فعله. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل