مختصر اللمسات البيانية في سورة الفاتحة - 1

مختصر اللمسات البيانية في سورة الفاتحة - 1

إعداد الأخت يسرا السعيد (اختصار اللمسات البيانية للدكتور فاضل السامرائي وعدد من العلماء الأفاضل

القرآن الكريم . . كتاب الله . . ومعجزته الخالدة . . تحدى به الثقلين من الإنس والجن ، فعجزوا وما استطاعوا أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله،  وما استحقوا على عجزهم لوما ولا عتاباً ، فأنى لهم أن يأتوا بكلام كالقرآن . . كلام حف بالهيبة ، وامتاز بالسمو، وتكامل فيه الشكل والمضمون وتآلفـا فكل منهما يخدم الآخر ويقويه . . فكان ذلك إعجازاً ما بعده إعجاز !

(((للتنويه هذه اللمسات البيانية مختصرة وهي عبارة عن نقل للمعلومة فقط وليست نصاً منقولاً من كلام العلماء ، ولمن أراد النص الأصلي الرجوع إلى ملفات اللمسات البيانية في القرآن الكريم على موقع إسلاميات أو ملتقى أهل التفسير)))

....... أسأل الله تعالى ان يلهمنا تدبر آيات كتابه العزيز وأن ينفعنا به في الدنيا والآخرة ......

--------------------------------------------------------

سورة الفاتحة : اشتملت على كل معانيوأهداف القرآن

على قصرها حوت معاني القرآن العظيم واشتملت مقاصده الأساسية بالإجمال فهي تتناول أصول الدين وفروعه، العقيدة، العبادة، التشريع، الاعتقاد باليوم الآخر والإيمان بصفات الله الحسنى وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء والتوجه إليه جلّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين وتجنب طريق المغضوب عليهم والضآلين وفيها الإخبار عن قصص الأمم السابقين والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه وغير ذلك من مقاصد وأهداف فهي كالأم بالنسبة لباقي السور الكريمة ولهذا تسمى بأم الكتاب.

 * تضمنت سورة الفاتحة :

·         الإيمان بالله (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .

·         الإيمان باليوم الآخر (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) .

·         الإيمان بالملائكة والرسل والكتب (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) لما تقتضيه من إرسال الرسل والكتب.

·         جمعت السورة توحيد الربوبية (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وتوحيد الالوهية (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولذا فهي حقاً أم الكتاب.

 * محاور سورة الفاتحة :

القرآن يدعو للاعتقاد بالله ثم عبادته ثم حدد المنهج في الحياة وهذه نفسها

·         العقيدة: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).

·         العبادة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

·         مناهج الحياة: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ).

وكل ما يأتي في كل سور وآيات القرآن هو شرح لهذه المحاور الثلاث. 

 * تذكر سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومنها :

·         شكر نعم الله (الْحَمْدُ للّهِ) .

·         الإخلاص لله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .

·         الصحبة الصالحة (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) .

·         تذكر أسماء الله الحسنى وصفاته (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) .

·         الاستقامة (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) .

·         تذكر الآخرة (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ويوم الدين هو يوم الحساب .

·         أهمية الدعاء .

·         وحدة الأمة (نَعْبُدُ)، (نَسْتَعِينُ) ورد الدعاء بصيغة الجمع مما يدل على الوحدة ولم يرد بصيغة الإفراد .

·         تعلمنا كيفية الدعاء فأولها ثناء عليه سبحانه (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وآخرها دعاء بالهداية (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) .

* لطائف سورة الفاتحة :

  • أنزل الله تعالى ١٠٤ كتب وجمع هذه الكتب كلها في ثلاثة  كتب (الزبور، التوراة والانجيل) ثم جمع هذه الكتب الثلاثة في القرآن وجمع القرآن في الفاتحة وجمعت الفاتحة في الآية (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

·     هي مفتاح القرآن افتتح بها وتحوي كل كنوزه، وفيها مدخل لكل سورة من باقي السور بحيث أنه إذا وضعت قبل أي سورة من القرآن يبقى التسلسل بين السور والمعاني قائماً.

·     بداية المصحف (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، يقابلها آخر سورة الناس (مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) فهذا الكتاب فيه الهداية ليس للبشر وحدهم وإنما لكل مخلوقات الله تعالى.

·     في خواتيمها ذكر أصناف الخلق المكلفين (الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) وفواتح البقرة تحدثت عن هذه الأصناف المتقين والكفار والمنافقين.

·     آخرها (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) وجاءت سورة البقرة بعدها تتحدث عن المغضوب عليهم (بني إسرائيل) وكيف عصوا ربهم ورسولهم وجاءت سورة آل عمران لتتحدث عن الضآلين (النصارى) .

·         آخرها الدعاء (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)  جاء مرتبطاً ببداية سورة البقرة (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).

·         أحكام التجويد في سورة الفاتحة جاءت ميسرة وهذا والله أعلم لتيسير تلاوتها وحفظها من كل الناس عرباً كانوا أو عجماً.

--------------------------------------------------

اللمسات البيانية في سورة الفاتحة

* الاستعاذة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )

* الاستعاذة جاءت بلفظ الجلالة فهو يجمع كل الصفات لكن لما تقول القادر يخطر في بالك صفة القدرة فقط، الرحمن صفة الرحمة، الكريم صفة الكرم.

* القرآن الكريم إستعمل كلمة الشيطان ما قال إبليس لأمرين:

أولاً: إبليس هو اسم أبو الشياطين الذي أبى أن يسجد لآدم وأول من عصى ربه تعالى فليس شرطاً أن يكون هو الذي يأتي ليوسوس لك لأن له ذرية وكل إنسان وُكّل به شيطانه.

ثانياً: كلمة إبليس فيها معنى الإنكسار والخذلان والحزن بينما الآية تريد أن تحذّر.

* كلمة (الشَّيْطَانِ) من الشطن الذي هو الحبل الممتد يعني أن هذا الشيطان يمتد إليك فكن حذراً منه لكن حتى لا يغالي الإنسان في كثرة الخوف منه جاءت كلمة الرجيم.

* (الرَّجِيمِ) ما قال الشيطان اللعين أو غيره وهذا الوصف هنا هو أنسب الأوصاف للشيطان حتى تتخيل صورته وهو يُرجم بالحجارة فكأنه منشغل بنفسه، فكلمة شيطان فيه حبل ممتد إليك حتى لا تتهاون في شأنه وكلمة رجيم حتى  لا يبلغ بك الخوف منه مبلغاً عظيماً فهو رجيم مرجوم.

* الرجيم وليس المرجوم: فعندنا لغتان: فعيل ومفعول، فعيل نسميها صفة مشبهة رجيم كأن الرجم لازم له صفته اللاصقة به ، أما المرجوم فقد يكون مرجوماً الآن لكن قد لا يكون مرجوماً بعد ساعة.

 

*** *** *** *** ***

*(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ) :

* البسملة وردت ١١٤ مرة كعدد سور القرآن فلم تفتتح بها سورة التوبة ولكن وردت في سورة النمل داخل الآية (٣٠).

* من فضله جلّت قدرته على هذه الأمة أن علّمها كيف تدعو وكيف تناجي ربها؟ فتبدأ بكلمة بسم الله في أول المصحف الشريف.

* العلماء يقدّرون محذوفاً: بسم الله أبتدئ القرآءة، بسم الله تبدأ بها كل شؤون حياتك لتكون مطمئناً أنك مع الرحمن الرحيم .

* كلمة (الله) إسم للذات يعني هي  لفظة تشير إلى خالق السموات والأرض الذي ليس كمثله شيء، ونحن نبدأ باسم الاسم فعندما نقول (الله) فكل ما خطر في ذهنك فالله عز وجل بخلافه لكن يحضر في ذهننا هذا المسمّى كما وصف نفسه سبحانه.

* (الله) في أذهان العرب لفظ مميز له خصوصية لا يشاركه فيه أحد حتى في الجاهلية خصصوا كلمة الله لخالق السموات والأرض وما بينهما المهيمن المسيطر على أمور الدنيا، ولم يطلقوها على صنم من الأصنام، حتى إذا قالوا الإله أو الآلهة يعنون بها الأصنام.

* أصل لفظ الجلالة :

-- رجح جمهور العلماء أن(الله) مشتقة من فَعِل إلِه يأله أي أحب حباً عظيماً إلى درجة العبادة وبعض العرب أبدل الهمزة واواً فقال ولِه يوله ومنها الولهان العاشق، ثم دخلت الألف واللام فصارت الإله (إلِه يأله إلهاً) بمعنى مألوه بوزن كتاب وزنها فعال لكن معناها مفعول - تقول كتابنا أي مكتوبنا الذي كتبناه-.

--  ثم حذفت العرب الهمزة التي تقابل فاء الكلمة (الإله) لكثرة الاستعمال فصارت الله بفتح اللام ووزنها العال لأن الفاء حذفت.

-- العرب بجمهورهم فخّموا اللام فقالوا (اللَه) بالتفخيم، وليست هناك قبيلة عربية حينما تنطق إسم الجلالة الله بالترقيق إلا إذا كان ما قبله كسرة أو ياء عند ذلك يرقق إستثناءً فنقول (بالله) أو (أَفِي اللّهِ شَكٌّ).

* عندنا شرطان لحذف الألف مع اسم إذا إتصلت بالباء وأضيفت إلى إسم الجلالة (الله) فعند ذلك ينبغي أن تحذف الألف وإذا إختل أحد هذين الشرطين أو كلاهما عند ذلك تثبت الألف وعلى هذا رسم المصحف:

-- (بِسْمِ اللهِ) كلمة إسم أضيفت إلى لفظة الله ودخلت عليها الباء وكذلك في سورة النمل الآية ٣٠ وسورة هود الآية ٤١ .

-- في سورة الواقعة في الآيات ٧٤ و ٩٦ وفي الحاقة الآية ٥٢ وفي العلق الآية الأولى الباء إتصلت بلفظة اسم لكن أضيفت إلى لفظة رب (باسْمِ رَبِّكَ ) فرُسمت بالألف.

-- (وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ) في المائدة وفي الأنعام وفي الحج في عدة مواطن أضيفت إلى لفظة الله لكنها لم ترتبط بالباء.

-- (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) في الرحمن هنا لا الباء موجودة ولا أضيفت إلى إسم الله، وكذلك في الحجرات (بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ) .

(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

* (الْحَمْدُ للّهِ) جملة مؤلفة من كلمتين، هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟ في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟ وماذا عن المعنى العام ؟

١ـ المدح لله

- المدح هو الثناء وذكر محاسـن الغير من الصـفات والأعمال أما الحمد فهو الثناء على الجميل من النعمة او غيرها  وذكر المحاسـن مع التعظيم والمحبة فأيهما أقوى ؟

- المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، وللعاقل وغير العاقل من جماد أو حيوان كالذهب والديك أما الحمد فيخلص للحي العاقل.

- المدح قد يكون قبل الإحسان أو بعده أما الحمد فلا يكون إلا بعده ، فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد أما المدح فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن ، ولذا كان المدح منهياً عنه.

- المدح لم يرد في القرآن الكريم لا بالمصدر ولا بالمشتقات ولا أي صيغة من صيغ المدح لما في المدح من إحتمال الصدق والكذب.

** يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول (الْحَمْدُ للّهِ) فإننا نحمد الله الحي الذي اتصـف بالصفات الحسنى والفعل الجميل فاسـتـحـق الحمد على صفاته وعلى فعله وإنعامه ، ونعترف له بالتفضل والتكرم فقدأسبغ علينا من إحسانه ظاهراً وباطناً ما لا يعد ولا يحصى، مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه، ولو قال المدح لله لم يفد شيئاً من ذلك.

٢ـ الشكر لله

ـ الحمد يقتضي المحبة والتعظيم والشكر ليس فيه ذلك فحينما تشكر إنساناً ليس شرطاً أن تعظّمه أو تحبه.

ـ  لا يكون الشكر إلا على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره، فالشكر إذن أضيق نطاقاً.

ـ الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات، فنحن لا نشكر فلاناً على علمه أو قدرته، أما الحمد فيكون على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا.

 

** مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضاً فهل يمكن استعمال واحدة من هذه العبارات؟

 

٣- الثناء على الله

الثناء لا يأتي إلا مع (على) وفيه نوع من الإستعلاء لا ينسجم مطلقاً مع بداية الفاتحة ولكن أنت تقول حمده وحمد له فعله والتعدي باللام تقرّبه، لا نجد أثنى على الله إبتداء إنما يقول حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله تأتي ملحقة لا تأتي منفردة لأن فيها نوع من الإستعلاء، ولم يرد الثناء بكل تصريفاته في كتاب الله عز وجل.

٤ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله

ـ هي جمل فعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل أما (الْحَمْدُ للّهِ) فجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت
لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن :

ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين أو جماعة تؤمر بالحمد ، ولكن ماذا عن غيرهم من الناس ؟ أما الجملة الاسمية فلا تحدد فاعل معين فهو المحمود على وجه الاطلاق منك ومن غيرك.

-  الجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد
وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير ، فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق مستمر، فهو كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين.

ــ الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر، أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيداً فالحمد والثناء حق لله تعالى ثابت له يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه .

ــ وإن كان الفعل للأمـر(احمد أو احمدوا) فإن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع، وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء .

ــ والحمد صفة قلبية، وهي اعتقاد كون المحمود متفضلاً منعماً مستحقا للتعظيم والإجلال، فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا، أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقاً وإن كان قلبه غافلا لاهيا، لأنها تفيد أن الحمد حق لله ، وهذا حاصل سواء عقل أم غفل .

٥ـ الحمدَ لله (بالنصب)

- جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية والجملة الاسمية أقوى كما تقدم ، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتاً دائماً، فهي أولى من قراءة النصب .

 

٦ـ حمدا لله

- هي جملة فعلية نقدر لها فعلاً محذوفاً ، والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى .

ـ (الحمدُ لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس، فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله، وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان، أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة .

٧ـ إن الحمد لله

- (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا .

- (إن الحمدَ لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبراً واضحاً محدداً (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء ، أما (الحمدُ لله) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية ولكنها تفيد إنشاء التعظيم واستشعار نعم الله علينا، وفيها معنى الدعاء ، فهي ذات معان أكثر.

٨ـ لله الحمد

ـ (لله الحمدُ) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص وحصر أو إزالة شك، والمقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية ، فليس هناك من ادعى أن ذاتاً أخرى قد تشترك معه في الحمد فنزيل الظن عنده، أو أن الحمد لغير الله لنخصه به؟

ـ كما أن الحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضاً، وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر، فلا حاجة للاختصاص بالتقديم.

٩ـ اختصاص الاسم العلَم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته

- كان يمكن أن يقال الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ .. ، ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره، فجاء بالاسم العلَم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته
ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين" ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود.

ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل.

* كلمة الحمد لله وحدها بُدئ بها في أربع سور أخرى كأنما هذه البدايات تحاول أن تبيّن نماذجاً من الحمد، يُحمَد الله عز وجل هنا لرحمته وهنا لفضله وهنا لعلمه وهنا لإعطائه العلم للآخرين وهنا لخلقه السموات والأرض، فكأن بدايات السور متكاملة:

- في الفاتحة الحمد لله هو جنس الحمد، نظام كليٌّ وهناك جزئيات في بدايات أربع سور أخرى بينها نوع من التلازم والتشابك.

- في الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) الكلام على بدء الخلق وفيه معنى التقدير والتصوير، ومن رحمة الله سبحانه تعالى جعل الظلمات والنور.

- في فاطر (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) هذه المنشيء، ثم تكلم على جعل الملائكة.

- في سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هذا الذي في السموات والأرض  ملك لله سبحانه وتعالى.

- في الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) الملائكة والرسل وإنزال الكتاب نماذج من آلآء الله ونعمه التي يُحمد عليها.

*** *** *** *** ***

(يتبع)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل