تفسير وتدبر (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

تفسير وتدبر سورة الفاتحة

(صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) - 2

إعداد سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

 قال الله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) فأسند النعمة له سبحانه وتعالى لكمال التشريف لهم ولم يسند الغضب لنفسه عز وجلّ في (المغضوب عليهم) فقال )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(فهنا كأن الله عز وجل أبعد أولئك وقطع عنهم تكريمه فقال المغضوب عليهم ولم يقل غضبت عليهم.

قوله تعالى: )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط فبعد أن أكرمك الله وعرّفك بالصراط المستقيم حين تسلك هذا الطريق تعلم أن في هذا الطريق كلاليب شياطين تريد أن تصرفك فبيّن الله لك أن هناك طريقان للانحراف ابتعد عنهما واسأل الله عز وجل أن يقطع عنك سبيلهما وأن يحفظك منهما فقال )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(

انظر كيف حُفّ المؤمن وهو يقرأ هذه الآية ويسأل الله عز وجل إلى أن يكون مداوماً مستقيماً على الصراط فأنت قد تستقيم على دين الله حينًا وقد تفتر أو تصرف أو تنحرف بسبيل أو آخر حينًا آخر لكن الله تعالى هنا يوفقك ويبين لك سؤاله الحذر من طريق المنحرفين فقال )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( فهذه الآية اشتملت على بيان طريقي الانحراف عن الصراط المستقيم وأن الانحراف كما قال ابن القيم إلى أحد الطرفين:

1- انحراف إلى ضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد

2- والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل

فالانحراف الأول هو انحراف بقصد، انحراف من علم الحق وانحرف عنه وهذا يمثله اليهود ومن سار على نهجهم ممن كفر بالله عز وجلّ مع علمهم أو من أشرك بالله أو ابتدع في الدين عامدًا متعمدًا والانحراف الثاني انحراف الجهل، من عبد الله بجهل ولم يسلك سبيله المستقيم فشملت الآية كِلا الطريقين تحذيرا للمؤمن من سلوكهما.

فالمقصود هنا طلب السلامة من طرفي الانحراف وأصوله ولهذا عبّر بوصفي الغضب والضلال اللذان هما أصل الانحراف، والنبي صلى الله عليه وسلم خصّ اليهود والنصارى ففسر )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (باليهود )وَلَا الضَّالِّينَ (بالنصارى لأنها هاتين الطائفتين هما أظهر من اتصف بذلك من جهة أنهما جمعتا طرفي الانحراف وأصل الضلالة ومخالفة الهدى وهما الكِبْر والجهل، فاليهود كان انحرافهم بالكبر وفساد القصد والعمل والنصارى كان انحرافهم بالجهل وفساد العلم والاعتقاد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك والبدعة أشبه النصارى فالأول من الغاوين والثاني من الضالين ومن جمع الضلالة والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء" 

تأمل هذا الدعاء العظيم أنت تدعو الله تعالى أن يسلك بك طريقه المستقيم الكامل في الدنيا وفي الآخرة وأن الله يسلمك من طرق الانحراف من أصولها وما يدخل فيها فإنك بذلك قد حزت على أكمل توفيق وأعظم مسؤول وأعظم سؤال تسأله ربك فاستحضر هذا المعنى كلما رددت (اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

 

(من تفسير الفاتحة للدكتور محمد الربيعة – دورة الأترجة القرآنية بتصرف يسير)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل