تفسير سورة الصافات - المجلس الثاني- د. عبدالرحمن الشهري - دورة الأترجة

تفسير سورة الصافات - المجلس الثاني

د. عبد الرحمن الشهري - دورة الأترجة القرآنية

(وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٩﴾ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴿٤١﴾ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ﴿٤٢﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٤٣﴾ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴿٤٤﴾ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿٤٥﴾ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴿٤٦﴾ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴿٤٧﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴿٤٨﴾ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴿٤٩﴾) .

يأتي الحديث هنا عن المكذّبين بالبعث والمكذّبين بالرسل وكيف يكون جزاؤهم في الآخرة والله I قال في آخر المقطع الماضي (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وهذا تمام عدله سبحانه وتعالى وهو أنه لا يجازي أحداً إلا بعمله كما قال هنا (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فالله سبحانه وتعالى قد نزه نفسه عن الظلم فلا تظلم نفس شيئاً (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) الأنبياء) وهذا الأمر لا بد أن يكون مستقراً عندنا جميعاً أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً وأنه منزه عن الظلم كثيره وقليله وإنما يُجازى الإنسان بعمله ويعفو عن كثير سبحانه وتعالى. (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) هنا استثناء منقطع لأن تغير الكلام الآن الله تعالى يتكلم عن المكذبين ويقول (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) ثم يقول (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) يعني معنى الكلام: لكن عباد الله المخلصين جزاؤهم كذا وكذا فهو نقل ينتقل بالحديث نقلاً كاملاً إلى جزاء المؤمنين الصادقين المخلصين ولاحظوا أولًا أنه وصف الله تعالى عباده المؤمنين بصفتين فقال عباد الله وقال المخلَصين، الصفة الأولى صفة العبودية لا شك أن من كمال إيمان الإنسان ومن كمال إنقياد إتصافه بوصف العبودية ونحن نتشرّف بأننا نتصف بأننا عبيد لله تعالى وهذا غاية الشرف للمؤمن أن يقال له انت عبدٌ لله ولذلك قال الشاعر:

ومما زادني شرفاً وعزّا  وكدت بأخمُصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي   وأن صيّرت أحمد لي نبياً

عليه الصلاة والسلام. فهذا شرف للمؤمن أنه يتصف بصفة العبودية في حين أن اتصافك أنك عبد لفلان هذه صفة نقص، أما العبودية لله I صفة كمال. تأملوا  تأكيداً لهذا المعنى كيف وصف الله نبيه عليه الصلاة والسلام بوصف العبودية في القرآن الكريم فقد وصفه بوصف العبودية في مقامات الكمال فوصفه بصفة العبودية عندما أنزل عليه القرآن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) الكهف) ووصفه بوصف العبودية عندما أسرى به من البيت الحرام إلى القدس (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى (1) الإسراء) ووصفه بوصف العبودية عندما قام يدعو إلى الله (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) الجن) النبي e شرف له أنه عبدٌ لله ولكن وصفه بوصف العبودية في مقامات التشريف. ونحن نقول هنا إن الله قد وصف الله عباده هؤلاء بصفة العبودية اكراماً لهم إشارة إلى غاية التذلل والانقياد لأوامر الله لأن الناس اليوم عندما يقال لهم الله تعالى أمرك بكذا أمرك بأن ترفع ثوبك عن الكعبين أمرك بالصلوات الخمس لماذا؟ لأنك عبد لله، فمن كمال عبوديتك الإنقياد والاستجابة. أما الذي يتمرد على الأوامر فهذا فيه نقص في صفة العبودية حتى في البشر العبد الذي يتكبر على سيده ما صار عبداً! وأنصحكم بقرآءة قصيدة جملة لإبن الوردي صاحب لامية ابن الوردي له قصيدة جميلة في عبدٍ له اسمه بهادِر لا يأمره بأمر إلا ويخالفه فيقول:

بهادرُ عبدي لا بهاءٌ لا دُرٌ      وما أنا حرٌ يوم قولي له حُرُّ

لقيتُ نقيض الحظ يوم اشتريته  وأردت به نفعاً فمسني الضرُّ

والقصيدة موجودة في ديوانه. فالله هنا وصف المؤمنين بأنهم عباد له، هذا الوصف الأول والثاني أنهم مخلَصين اصطفاهم الله I على سائر البشر وقد قلت لكم في بداية السورة والسورة التي قبلها أن المؤمنين والمنقادين والمتبعين قليل إذا ما قارنتهم بالمكذبين المعرضين الجاحدين ولذلك قال الله (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف) وقال (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ) وقال (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ (116) الأنعام) ولذلك لا تغتر بكثرة الهالكين ولا تستوحش بقلة السالكين فالعبرة باتباع الحق ولو كنت وحدك. وهذا معنى المخلَصين أي الذين اصطفاهم الله تعالى وأخلصهم، ما هو جزاؤهم يا رب؟ قال (أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ) فضَمِن لهم الرزق في الآخرة وفي الجنة فقال (أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ) ما هو هذا الرزق يا رب؟ قال (فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ * بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) نسأل الله من فضله. ودائماً النفس تتشوف إلى ما أعدّ الله لها، حتى طلابك في الاختبار وأبناءك في البيت عندما تقول سأعطي الواحد منكم كذا وكذا إذا حفظ سورة الفاتحة تتشوف النفوس إلى المكافأة والله تعالى يعلم ان المؤمنين يتشوفون إلى ما أعد الله لهم ولذلك ذكر لهم ووعدهم بالقرآن الكريم بأشياء تتوق إليها نفوس المؤمنين، وعدهم بالجنة ووعدهم بالنعيم، ووعدهم بالحور العين وووعدهم بالخمر ووعدهم أنهار من لبن (فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ (15) محمد) هذا كله لما فطر الله عليه نفوسنا من التشوف إلى النعيم وإلى ما أعده الله. فيقول هنا مما أعدّه الله للمؤمنين في الجنة (فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ) قال العلماء أنها تأتيهم هذه الفواكه دون عناء تأتيهم في أماكنهم دون عناء ولا مشقة وهم في غاية الإكرام. ثم قال تعالى (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) فأضاف الجنة إلى النعيم كأن هذه الجنة للنعيم فقط مخصصة بالنعيم فأضيفت إليه. وفي وصف آخر قال (في جَنَّاتِ عَدْنٍ (72) التوبة) أي جنات الإقامة التي لا انقطاع لها. ثم يقول تعالى (عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) من كمال نعيم أهل الجنة لا أحد منهم يستدبر الثاني أو يرى قفا الثاني وإنما يقابل بعضهم بعضاً من كمال احترامهم لبعضهم وتقديرهم لهم ومحبتهم لبعضهم فدائماً يقول (عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) يقابل بعضهم بعضاً. ولا شك أن حتى بين الناس اليوم عندما تقابل صاحبك ليس كأن تعطيه ظهرك فكذلك في الجنة. قال تعالى (عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ) يعني الخمر، يطاف عليهم بكأس الخمر لكن خمر الآخرة ليست كخمر الدنيا وليس فيها إلا اسمها فقط وإنما خمر الدنيا وصفها الله فقال (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ) أي أنها من عين لا تنقطع والمعين هو الذي لا ينقطع الجاري دائماً (بَيْضَاء ) لونها (لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) شديدة اللذة لمن يشربها. ثم نزّهها الله سبحانه وتعالى عن الصفات التي توجد في خمر الدنيا فقال (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) الغَوْل ما تسببه الخمر من وجع في الدماغ وفي البطن فالله يقول هذه الخمر التي في الجنة لا تسبب أي نوع من أنواع الأمراض ولذلك اغتيال العقل من مؤثرات الخمر فهي عندما تُشرب الخمر كما يقال في وصفها أنها تغتال العقل تذهب به كما قال الشاعر الجاهلي:

وما زالت الخمر تغتالنا         وتذهب بالأول الأولى.

فالله يقول هذه الخمر التي في الجنة لا فيها غول، لا تغتال العقل ولا تذهب به ولا تسبب أي نوع من أنواع الأمراض. (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ) ما تسببه في النزف تٌُذهب العقل بحيث يصبح الإنسان يهذي إذا شرب الخمر. ثم ذكر نعيماً ثالثاً ذكر الفواكه للأكل والخمر للشرب ثم قال تعالى (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) يعنى الحور العين ووصف الله نساء المؤمنين في الجنة أنهن قاصرات الطرف لا يزوغ بصرها ذات اليمين وذات اليسار إلا لزوجها فقط قاصرة الطرف على الزوج وهذا دليل على أن من كمال المرأة أنها تكون قاصرة الطرف (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) واضح معناها لا يذهب بصرها إلى غير زوجها (عِينٌ) واسعة العينين يقال امرأة عيناء يعني عيناها وسيعة وهذه من علامات جمال المراة وهي مأخوذة من عيون المها لأنها واسعة فشبهت بها المرأة ذات العيون الواسعة لذلك في الشعر والأدب كثيراً

عيون المها بين الرصافة والجسر        جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

ثم يقول الله I (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُون) صفة نساء الجنة هؤلاء الحور العين كأنهن بيض مكنون وأنتم تعرفون البيض بيض الطيور والدجاج والنعام كله يكون في غاية الحفظ والصيانة والعناية فالله I وصف نساء الجنة بأنهن مثل البيض المكنون المحافَظ عليه الذي يكون في غاية الصيانة والحفظ وبعض المفسرين مثل ابن جرير يرى أن المقصود (بَيْضٌ مَّكْنُونٌ) ليس مجرد قشرة البيض البيضاء الخارجية وإنما قشرته الداخلية لأنهم يقولون أن الخارجية يمسها الطير بجناحه وريشه لكن البيضاء الداخلية لا يمسها شيء وهذا لا شك من علامات الصيانة أن تُشبه المرأة في صيانتها ببيض النعام أو ببيض الحمام لأنه يحظى بالعناية وأنه وسريع الخدش فالمرأة شُبهت به لأنها أولاً تكون في غاية الحفظ والصيانة ولأنها سريعة الخدش فالمرأة إذا أصيبت في عرضها لا يجبر هذا الكسر شيء. فالله تعالى يقول (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ) أيضاً من كمال نعيم أهل الجنة يتمتعون بزوجاتهم وبالفواكه وبالشراب والخمر. ثم قال الله تعالى (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ) قبل قليل كان هناك نقاشات بين أهل النار وبعضهم يشتم الثاني ويقول أنت السبب، وهنا حديث من نوع آخر يأتي أهل الجنة يتناقشون ويتجادلون يقول كان لي في الدنيا قرين يحاول شتى المحاولات أن يصرفني عما أنا فيه فالحمد لله الذي هداني وثبتني ولذلك قال تعالى في الأعراف (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف) فيقول هنا (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) واحد من أهل الجنة يتحدث مع زملائه (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) في الدنيا كان عندي صديق في الدنيا قرين لي (يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) كان يشكّك في البعث يقول أنت مجنون أنت هل تصدق أنه يمكن بعد أن نموت نبعث؟! فهو يقول لزملائه في الجنة ليتني أعلم أين صاحبي هذا الآن وهذا من كمال نعيم أهل الجنة أن أي شيء يشتهونه يلبيه الله لهم، قال الله I (قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ) يقول للذين معه تعالوا لنرى وهذا فيه إشارة أن أهل الجنة يرون أهل النار ولذلك في سورة الأعراف (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً (44) الأعراف) (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء (50) الأعراف) هناك حوار لكن كيف؟ الله أعلم! هذه من أمور الغيب لا نعلمها لكن الله تعالى نقل لنا طرفاً من هذه المشاهد وهذا الحوار. قال (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ) فاطلع من نافذة في الجنة ينظرون إلى النار وأهل النار تحتهم (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ) اطلع ليرى قرينه الذي كان يكذب بالبعث ويُنكر (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ) سواء الجحيم يعني وسط النار. (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ) يعني لو أطعتك لأرديتني فيما أنت فيه وهذا تحذيرٌ من رفيق السوء ومن صاحب السوء. (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي كنت من المحضرين في العذاب معكم. (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) كان يقولها صاحبه في الدنيا (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) يقول كنت تردد هذا الكلام! وهكذا وهم يرددونه إلى اليوم الملاحدة والمشركون والمكذبون وما أكثرهم! يشككون في الغيب، يشككون في الآخرة، يشككون في البعث بعد الموت، يشككون في الجنةـ يشككون في النار، ونحن في صراع إلى اليوم الشبهات كثيرة يشككوننا في عقائدنا ويشككوننا في ديننا ويشككوننا في القرآن الذى بين أيدينا المستشرقون وغير المستشرقين لأنهم كما قال الله I (ودَّّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً) لماذا يا رب؟ (حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم (109) البقرة) لا كما يقول بعض المحللين السياسيين أن هذه من أجل قضايا سياسية وقضايا إقتصادية، لا، الله سبحانه وتعالى يقول (حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (109) البقرة). لذلك هذا القرآن كلام الله ولا يمكن أحد أن يتكلم بهذا الكلام إلا الله الذي يعلم السر وأخفى والرسول e ما كان يعرف هذه التفاصيل، ما يدريه بما في نفوس المشركين والمنافقين وأهل الكتاب أنهم يكيدون له حسداً؟ (مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا (52) الشورى) (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت). ثم يقول الله I (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يعني إن هذا النعيم الذي فيه هؤلاء المؤمنين (لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ) صدق الله تعالى (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ) وهذا من كمال نعمة الله I علينا نحن المؤمنين أنه نقل لنا هذه الصور من الآخرة، لا يمكن أبداً لأحد أن ينقل هذه الصور إلا الله الذي يعلم الغيب ويعلم المستقبل، نقل لنا صوراً من الجنة صوراً من جهنم، صوراً من القيامة، صوراً من الحشر من يوم القيامة، أعطانا خطبة الشيطان قبل أن يلقيها وأعطانا حوارات الكفار في جهنم ماذا نريد أكثر من ذلك؟ لا يوجد حقيقة أكثر من ذلك لمن أراد أن يهتدي ومن يرد الله أن يضله فلن تملك له من الله شيئاً حتى لو جئته بكل آية وأما من أراد الله هدايته فلا شك أن هذا القرآن يقص علينا كل التفاصيل العقائد والأدلة والبراهين. والبعض يظن أن القرآن الكريم لا يورد أدلة عقلية بل القرآن الكريم في أدلته ربما ثلثين من الأدلة التي يذكرها القرآن أدلة عقلية كما مرّ في السورة وكما سيأتي معنا، ذكر لنا إحياء الموتى ذكر لنا إحياء الأرض بعد موتها، إنزال المطر، الشمس، القمر، كلها أدلة عقلية، نسأل الله الهداية. من الفوائد التي يمكن أن نستنبطها من هذا المقطع:

Ø   أن في وصف خمر الآخرة تنزيه لها عن صفات خمر الدنيا فعندما يقول الله I أن من نعيم أهل الجنة أنهم يشربون خمراً كذا كذا كذا لكنه نزّه الله I هذه الخمر عن صفات خمر الدنيا وهي الذهاب بالعقل وما تسببه من أمراض. وقد يقول قائل لماذا يجعل الله تعالى من نعيم أهل الجنة الخمر والخمر مذموم في الدنيا مكروه؟! فقال العلماء أن النفوس تتشوف إلى هذه الخمر حتى نفوس المؤمنين لكنهم يتركون هذه الخمر طاعة لله. فالله I قال لكم في الآخرة خمر فيها هذه المزايا بخلاف هذه الخمر التي في الدنيا ولذلك فإن الله I لا يحرم شيئاً إلا ويفتح باب إلى شيء أفضل منه.

Ø   ومن الفوائد في هذا المقطع الحذر الشديد من رفاق السوء (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ)

Ø   ومن فوائدها أنه لا حرج على المؤمن من التحدّث بنعمة الله وشكر الله عليها كما قال الله تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) مع الضوابط التي يذكرها العلماء أنك لا تتحدث بنعمة الله إلا عند أناس تثق في محبتهم لك فإذا شعرت أن هناك من ربما يحسدك على ما أنت فيه من النعمة فاصمت.

Ø   ومن فوائد هذه الآية الإيمان بما أعدّه الله للكفار من العذاب وما أعدّه الله للمؤمنين من النعيم.

ثم يقول الله I (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴿٦٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴿٦٣﴾ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥﴾ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٦٦﴾ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴿٦٧﴾ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴿٦٨﴾ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴿٦٩﴾ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴿٧٠﴾ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴿٧١﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٧٢﴾ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴿٧٣﴾ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٧٤﴾)

بعد هذا التعقيب القرآني على قصة هذا الرجل الذي يحكي قصته مع صاحبه في الدنيا (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) طبعاً لو ترجعون إلى تفسير ابن كثير أو الطبري تجدون روايات عن بعض بني إسرائيل أنهما رجلين من بني إسرائيل كانا شريكين في المال أحدهما مؤمن والآخر كافر في قصة طويلة لكن هذه القصة تقع العبرة بها بما ذكرناه لكم أن الله I يذكر أن قرين السوء وما يجرّه على صاحبه وأن هذا يحمد الله I أنه لم يُطِع قرين السوء وإلا كان مصيره مثل مصير هذا الرفيق في جهنم. ثم بعد هذا التعقيب يذكر الله I هذا الحدث وبالإشارة إلى مغزاه للعبرة ودائماً القصص في القرآن الكريم الهدف منه العبرة يقص عليك قصة نوح حتى تنتبه، قصة صالح، إبراهيم، موسى، عيسى، لأخذ العبرة وليس لمجرد التسلية. فيقول I (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) هل هذا النعيم الذى ذكرت لكم خير نزلاً أي ضيافة أم شجرة الزقوم؟ ينتقل الآن يذكر لنا ما هي ضيافة المكذبين الكافرين، فهو يقول في نعيم أهل الجنة (أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) إلى آخر ما ذكر من النعيم ثم يقول (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) الجواب لا شك أن ذلك خير والنُزُل هو ما يعد للضيف أول ما ينزل. (أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) ما هي شجرة الزقوم؟ يوجد لدينا من شجر الدنيا شجرة اسمها شجرة الزقوم وربما البعض يعرفها من شجر الدنيا لكنها ليست هي المقصودة قطعاً لأن شجرة الزقوم المقصود بها في القرآن هي الشجرة التى تنبت في جهنم ولذلك عرّفها الله I فقال (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) فهذه هي شجرة الزقوم. أما شجرة الزقوم التي في الدنيا فليست مثل شجرة الزقوم التي في جهنم ولذلك يقول I عنها عن شجرة الزقوم (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ) وقال الله تعالى في سورة الإسراء (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً (60) الإسراء) كيف؟ أصلاً ما يُتصور أن شجرة تنبت في النار لأن النار تأكل الشجر فكيف تقول أن شجرة تنبت في النار! هذا مخالف للعقل ولذلك فتن الله بها وكذبوا بها ولذلك قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ) نختبرهم ونبتليهم بها هل يصدّقون بها؟ نحن نقول صدق الله نؤمن بها ولذلك أبو بكر t من أعظم مزاياه التي من أجلها سمي الصديق أنه ما كان النبي e يقول قولاً إلا ويقول صدق حتى قيل له لما أسري بالنبي e إلى بيت المقدس فجاءه أحدهم وقال له هل سمعت ما يقول صاحبك قبل أن يبلغه الخبر من الرسول مباشرة قال ماذا قال؟ قال إنه يقول أنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس في ليلة قال إن كان قال ذلك فقد صدق، هذا الإيمان ولذلك سمي الصديق رضى الله عنه. قال الله (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) في وسط جهنم معناها أنها شجرة مقاومة للحرارة بشكل كبير، تخرج يعني تنبت، ما هو ثمرها يارب ؟ (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) كيف شكل رؤوس الشياطين؟ غريب يشبه لنا شيئاً مجهولاً بشيء مجهول؟! لا أحد رأى الشيطان لكنه لا يأتي بهيأته الشيطانية لكن يتلبس بهيئة شخص أحياناً وقد استقر عند العرب والقرآن نزل باللغة العربية (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف) استقر في نفوس العرب أن الشيطان بشع ولذلك إذا رأيت وجه بشع تستعيذ بالله تقول وجهه مثل وجه الشيطان أو رأسه كرأس الشيطان ويذكرون قصة مضحكة للجاحظ عمر بن بحرالأديب العربي المعروف كان قبيح الوجه كان جاحظ العينين ولا يهتم بنفسه وشعره في يوم من الأيام أمسكت به جارية في السوق قالت أريدك دقيقة وسحبته حتى ذهبت به إلى الصائغ ثم قالت للصائغ مثل هذا وانصرفت، فقال لها الصائغ خلاص فهمت، فقال الجاحظ للصائغ أنا لم أفهم، ماذا تريد مني أنت وهذه الجارية؟ فقال جاءت الجارية بخاتمها هذا وقالت أريد أن تنقش لي وجه شيطان على هذا الخاتم فقلت أنا ما أعرف وجه الشيطان حتى أنقش لك صورته فلما رأتك جاءت بك وقالت مثل وجه هذا. فالشاهد أن وجه الشيطان استقر عند العرب أنه وجه بشع، شعره بشع، فشبّه الله به هنا شجرة الزقوم قال (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ). ولذلك يذكرون قصة عن واحد من علماء التفسير اسمه أبو عبيدة معمر بن المثنّى يقولون أنه كان في مجلس فسأله رجل قال: يا أبا عبيدة نحن نعرف أن العرب تشبّه الشيء بالشيء لتقرّب صورته فيشبّهون الشيء المجهول بالشيء المعلوم فيقولون وجه فلان مثل القمر لأنهم يعرفون القمر فيشبّهون وجهه بالجمال به لكن الله I شبه لنا شيئا مجهولاً وهو شجرة الزقوم  بشيء مجهول وهو رؤوس الشياطين، فقال إن العرب قد استقر في أذهانها أن الشيطان كريه الوجه كريه المنظر فالله I شبّه به هذه الشجرة، هذا أسلوب عربي صحيح وفصيح. ومثله أيضاً الغول لا أحد يعرفه لكنهم يقولون كعيون الغول ورأس الغول ويحتجون بقول امرئ القيس

أيقتلني والمشرفيّ مُضاجِعي      ومسنونةٍ زرقٍ كأنياب أغوال

وإلا ما أحد يعرف الغول ولكنه يتصورونها بشكل بشع.

يقول الله I عن هذه الشجرة الملعونة (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ) أهل جهنم (لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) مغصوبين ما عندهم إلا هذا الأكل (فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ) يشربون عليها الحميم الحارّ الذي يحرق أمعاءهم، يأكلون هذه الشجرة فتلتهب أجوافهم فيريدون أن يشربوا حتى يخفف فيشربون ماء حميماً كما قال الله I (وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ (15) محمد). ثم قال (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ) والشوب يعني مزيج يشربون على هذا الطعام شيئاً من الماء لكنه ماء حميم شديد الحرارة. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) مآل هؤلاء المكذّبين ومرجعهم في الآخرة إلى هذا المكان وهو الجحيم. ثم (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ) هؤلاء الكفار المكذبون في الدنيا جاءوا إلى آبائهم وهم على ضلال وعلى كفر (فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) يقلِّدون آباءهم في الكفر وفي الضلال وإذا قيل لهم اتقوا الله واعبدوا الله قالوا (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22) الزخرف) وهذا فيه تحذير من التقليد الأعمى الذي لا يأتي بخير. يقول سبحانه وتعالى (آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) يهرعون أي يسيرون مسرعين مهرولين. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) وهذا يؤكد المعنى الذي قلناه مراراً أن أكثر الناس على ضلال وأن أكثر الناس في جهنم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ) لأنه قد يقول قائل ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين فهل يا رب أرسلت لهم الرسل حتى تقيم عليهم الحجة؟! قال: نعم، لا يعذّب الله سبحانه وتعالى إلا إذا أقام عليه الحجة ولا يقيم عليه الحجة إلا إذا بعث له رسول، فيقول هنا (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) المكذبين الذين كذّبوا رسلي ما هي عاقبتهم؟ هي هذه العاقبة أنهم يُحشرون إلى جهنم قال (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ). وهذه الآيات ممكن نستنبط منها الفوائد التالية:

Ø   أولاً أن قياس الآخرة على الدنيا قياس مع فارق: شجرة الزقوم ليست هي شجرة الزقوم التي نعرفها في الدنيا الخمر التي في الآخرة ليست هي التي نعرفها في الدنيا، الطعام، الفواكة، الحور العين، وليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط .

Ø   أيضاً خطورة التقليد الأعمى ولا سيما في الدين على المقلِّدين ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ) والإنسان لا يُنجيك عند الله تعالى أن تقول قد وجدت الأباء على شيء فقلدته حتى في الدين الإسلامى لا بد أن يكون إيمانك عن قناعة وعن إيمان وعن يقين ليس مجرد تقليد للآباء.

Ø   أيضاً من فوائد الآيات أنه لا ينبغي على المسلم أن يغترّ بالكثرة لا تغتر بالكثرة مهما كان لا تغتر بكثرة المشركين وكثرة الهالكين لأنه قد يقول قائل معقول أنكم أنتم على حق أيها المسلمون وهؤلاء النصارى وهم أكثر منكم عدداً على باطل أو الهندوس أو كذا؟! فنقول أنه ليست العبرة بالكثرة وإنما هي بالمنهج الصحيح والقرآن الكريم يبين لنا هذا.

Ø   من فوائد هذه الآيات أن قصص الأنبياء وقصص السابقين فيه سلوان وتسلية للنبي e ومن بعده لذلك ينبغي علينا أن نهتم بالقصص في القرآن الكريم ونهتم به أيضاً من جانب تعليم الأبناء يعني مثلاً قصة أصحاب القرية التي ذكرناها في قصة يس يمكن أن تحكيها لأبنائك وتقول أنه كان هناك قرية من القرى أرسل الله لهم رسولين فكذبوهما فأرسل الله الثالث فلم يستجيبوا لكن واحد منهم استجاب وتذكرون القصة هذه قصة موجودة في القرآن أراد الله بها العبرة والعظة.

 

Ø   من فوائد الآيات تشبيه المحسوس بالمتَخيّل وأنه أسلوب قرآني مثل تشبيه شجرة الزقوم بأنها مثل رؤوس الشياطين ونحن لا نعرفها ولكن نتخيل أنها قبيحة فشبهها لنا ولذلك ليس التشبيه يكون دائماً بشيء محسوس وإنما قد يكون بشيء معروفاً مثل رؤوس الشياطين أو الغول. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل